نشأ الكيان اللبناني على انقسام عمودي بين مكوّناته الطائفية في ظلّ ولاء كل فئة لعمق تاريخي تعدّ نفسها منتمية إليه. فلطالما شعر الموارنة اللبنانيون بأن انتماءهم السياسي هو للغرب _ الفرنسي تحديداً _ رغم اهتمام نُخَبهم بالعربية لغةً وثقافة، ولجوء كثيرين منهم إلى مصر هرباً من الملاحقة العثمانية. ذلك أن تاريخ الموارنة يسجل أنهم قضوا حياتهم وأمضوا غالبية فترات تاريخهم هاربين من الاضطهادات المختلفة، أقلّه منذ زمن معاوية بن أبي سفيان. ومن خلال صناعة الحرير التي برعوا فيها في جبلهم، واهتمام صنّاع الأقشمة الفرنسيين وتجارهم بالحرير، نشأت علاقة وطيدة بين الطرفين: الفرنسيين والموارنة، الذين وجدوا في الفرنسيين حماية لهم من اعتداءات آخرين من جيرانهم.

ووجد الفرنسيون في الموارنة أفضل موقع للولوج منه إلى الشرق. فكانت صراعات ما بين 1840 و1860 التي أوصلتهم بالدعم الفرنسي إلى انتزاع السلطة من الدروز، وتصدّر مراكز السلطة ومواقعها الأساسية، عندما وضعت فرنسا أسس الكيان اللبناني تحت سقف اتفاقية سايكس _ بيكو الشهيرة عقب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.
كان الفرنسيون بحاجة إلى منفذ آخر يعبرون منه إلى العالم العربي، وإذ مثّل الموارنة المنفذ الأول لجسر العبور نحو الشرق، فقد كان المسلمون السنّة منفذ الجسر الآخر، فركّبوا السلطة السياسية اللبنانية بنسب متقاربة بين الموارنة والمسلمين: أكثرية مارونية تحفظ بواسطتهم الغلبة وتحكم عبرهم قبضتها على السلطة اللبنانية وتتخذ منها موقعاً متقدماً واستراتيجياً في المنطقة، وحجم إسلامي منسلخ عن العالم العربي قريب من الحجم الماروني ومكمّل لتركيب صيغة مختلطة ومتقاربة القوة والنفوذ، لكن مع غلبة مارونية قاطعة: رئاسة الجمهورية بصلاحيات واسعة وقيادة الجيش بتوافق مع رئاسة الجمهورية، ومفاصل أخرى أساسية في السلطة.
أسس الصيغة وُضعت عام 1918 وانطلقت وصولاً إلى عام 1943، وعلى الطريق خمسة وعشرون عاماً من المخاض، موارنة متمسكون بالفرنسي، ومسلمون ما انفكّوا يرفضون الانسلاخ عن عالمهم العربي الإسلامي، وظل الانقسام سارياً حتى بلوغ اللحظة الحاسمة لانطلاق مشروع الكيان اللبناني بتسوية أعلن الموارنة فيها التخلي عن الحماية الفرنسية، وتخلى فيها المسلمون عن فكرة الوحدة والانضمام إلى سوريا، وأرسي الكيان على مبدأ «لا شرق ولا غرب»، الذي يعدّ في مضمونه شكلاً من أشكال الحياد، وعلى أن لا يكون لبنان «للاستعمار ممراً ولا مستقراً» وهو ما اشترطته السلطات العربية وتبنّاه مسلمو لبنان، ورضي به الموارنة والتزموا به.
أول مبدأ في الحياد اللبناني طرح في البيان الوزاري لأول حكومة استقلالية برئاسة رياض الصلح بتاريخ 25 أيلول 1943، وجاء فيه: «لبنان ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب»، أي إنه حيادي لا ينتمي إلى أي من الشرق أو الغرب، وجهه فقط عربي وليس غربياً، بل يأخذ النافع من حضارة الغرب. تركيبة ديموغرافية سياسية كهذه انطلقت على مبدأ الحياد بالعرف والتوافق، لكن من دون قوانين وأسس الحياد المتعارف عليها في العالم، وفق قوانين الأمم المتحدة والقانون الدولي. إنه حياد داخلي يربط الأطراف الداخلية بمواقف تلجم اندفاعة أيّ منها باتجاه الحلفاء الخارجيين على حساب الوحدة الوطنية المفترضة.
الحياد في الدول
مفهوم الحياد في القانون الدولي يفترض حياد دولة ما في الصراعات الدولية، والتزامها عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. وأرست اتفاقية لاهاي بين أعوام 1899 و1907 مبدأ أن تلتزم دولة ما عدم التدخل في نزاع مسلح إقليمي أو دولي. ويمنع الحياد الانضمام إلى أحلاف عسكرية أو إقامة قواعد حربية لقوات أجنبية أو استخدام أراضيها لغايات غير سلمية. ويعلن حياد دولة ما بمبادرة خاصة كما في الحالة السويسرية، أو عبر معاهدة دولية وتضمين دستور الدولة مبادئ الحياد الدولي وقواعده كما في الحالة النمساوية.
وبعد اعتماد أيّ دولة الحياد في سياساتها يصبح أمامها الامتناع عن تقديم المساعدة إلى أي من أطراف النزاع، وعدم الانحياز لأي منها. ويحظر استخدام موانئ الدول المحايدة كملجأ للسفن المتحاربة، إلا إذا سمحت بذلك الدولة المحايدة، ويشترط بها أن تكون ملجأً لكل الأطراف المتحاربة دون انحياز.
وتصنّف عشر دول بالمحايدة في الأمم المتحدة، أبرزها سويسرا والنمسا والسويد وفنلندا وكوستاريكا وتركمنستان وليشنشتاين. وأقرب تلك التجارب في الحياد إلى لبنان هي التجربة السويسرية، نظراً إلى التشابه بتركيبة البلدين التعددية، وارتباط كل فئة فيها بشعوب الدول المجاورة. ولبنان وسويسرا متشابهان في تنوعهما الديموغرافي الذي أتاح لكل فئة الارتباط مع فئة متقاربة معها، فانعكس ذلك عليها حروباً طويلة، لم يوقفها إلا إعلان سويسرا حيادها منعاً لارتدادات انحياز أي طرف داخلي فيها على الداخل السويسري.
التجربة اللبنانية: حياد ملغوم
انطلق لبنان مع أول رئاسة جمهورية، وأول تجربة كيانية مستقلة على مبدأ الحياد، متعاوناً مع العرب، والسلطات العربية، محاولاً عدم التدخل في شؤونهم. كانت السلطات العربية التي تعاطى معها الرؤساء اللبنانيون، كما السلطة اللبنانية، على تماس وتوافق مع صنّاع القرار العالميين في دول التحالف الغربي الذين خرجوا من الحربين العالميتين بحكم المنتصر، ومحددين الدول وصيغ سلطتها، فشهد لبنان، كما الدول العربية، نوعاً من الاستقرار والثبات السياسيين. إلى أن بدأت الحرب الباردة تلقي بظلالها على العالم العربي، وأول التداعيات ظهور الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مصر عام 1954 موالياً للاتحاد السوفياتي، ومن هنا بدأ الانقسام بين الدول العربية بين مؤيد لهذا النظام ومعارض له.
ظهور عبد الناصر أثمر حرب السويس 1956، ونظراً إلى تحالف الدول العربية وسلطاتها مع المحور الغربي قبلاً، اتخذ لبنان الموقف المتوافق مع موقف السلطات العربية الرسمية، فخرج موضوعياً من صيغته الحيادية إلى صيغة الانحياز لمحور دون الآخر، وخصوصاً بانضمامه برئاسة الرئيس كميل شمعون إلى مشروع إيزنهاور 1957 المكمّل لحلف بغداد. انحياز أدى إلى انقسام لبناني حاد، أثمر أحداث عام 1958، التي انقسم فيها اللبنانيون انقساماً عمودياً متوازياً مع تركيبته الديموغرافية، فانتصر موارنة السلطة لتحالف رئيسهم مع المحور الغربي، واستعاد المسلمون ما كبتوه من أحاسيس التعاطف مع عمقهم التاريخي العربي يوم جرى الاتفاق على قبول الكيان اللبناني على مبدأ «لا شرق ولا غرب». وبنتيجة هذا الانقسام سقط الكيان وتهددت وحدة الموقف اللبناني تهديداً فعلياً، وكانت تلك أول تجربة لمصير لبنان في ظل الانقسام الداخلي على الصراعات الخارجية.
مع فؤاد شهاب كمشروع تسوية لإعادة صياغة الكيان واعتماد شهاب مواقف حيادية بين الدول العربية، شهد لبنان نوعاً من الاستقرار امتد حتى منتصف ولاية الرئيس شارل حلو، التي تعدّ امتداداً سياسياً للصيغة الشهابية. إذذاك، وقع عدوان 1967 الإسرائيلي على الضفة الغربية في الأرض المحتلة، وتهجّر الفلسطينيون، ونال لبنان القسط الأوفر من الفلسطينيين الذين مثلوا رافداً قوياً لحركة المقاومة الفلسطينية المسلحة على أرض لبنان، انتصر المسلمون لها، وأبدى الموارنة خشية من تنامي قوة خصومهم المسلمين، ورأوا أن المقاومة الفلسطينية جس لمنافسيهم المسلمين في السلطة. فعاد الانقسام على الساحة بنحو أكثر حدة على خلفية التعاطف أو العداء للمقاومة الفلسطينية. واندلعت أحداث متقطعة أفضت إلى الحرب الأهلية اللبنانية، وامتدت حتى اتفاق الطائف.
بين الشهابية والطائف، طرح أكثر من طرف لبناني اعتماد لبنان مبدأ الحياد في الصراع المحوري الإقليمي اعتماداً على مبدأ «قوة لبنان في ضعفه» وفي علاقاته الخارجية، وأولى المبادرات دعوة ريمون إده إلى تحييد لبنان عن الصراع العربي _ الإسرائيلي ونشر جيش دولي على الحدود الجنوبية لإبعاد الصراعات عن لبنان. الرئيس أمين الجميل دعا أيضاً إلى الحياد اللبناني على القاعدة عينها، لكن الأطراف الأخرى المتعاطفة مع الثورة الفلسطينية لم تكن تقبل طروحات كهذه، وظلت متمسكة بنصرة الفلسطينيين كإخوة يجب أن نساعدهم حتى تحرير أرضهم. لم تعد تنفع عبارات الحياد التوافقية والعرفية مع واقع شديد الانقسام، فراحت الساحة اللبنانية تجرجر صراعاتها على طول امتداد الحياة السياسية اللبنانية. لم يفلت يوم في لبنان من دون الانقسام بين محور وآخر، وكانت تداعيات الانقسام تجري متوازية مع التركيبة المحلية.
في ظل الوجود السوري بين 1975 و2005، أوجد السوريون محوراً مدافعاً عن سياستهم، فكانت محاور أخرى، أقل قدرة وتأثيراً، تتعاطف مع الخارج الغربي، وخصوصاً منها في الصف المسيحي.
بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري اتخذ الانقسام طابعاً حاداً بأقل مذهبية، وأكثر سياسية، بين تحالفي الثامن والرابع عشر من آذار. تحالف أول موال للحلف العربي السوري المتحالف مع إيران، وحلف غربي _ خليجي الهوى. انقسام متجدد أثمر صراعات سياسية حادة لم يشف، ولم يرتح لبنان منها. إلى أن أطل الحراك في العالم العربي، وامتدت النيران إلى سوريا، فانتقل لبنان من حالة الصراع المحلي السياسي غالباً، إلى فوهة بركان الأحداث السورية وما يمكن أن تنعكس عليه الأحداث من مخاوف انفجار حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، ولن يكون بعدها إمكان لأي إصلاح أو إعادة تأهيل وترميم للصيغة.
في كل المراحل التي عاشتها الصيغة اللبنانية، غلب الصراع الداخلي انعكاساً للصراع الخارجي على البلد. ولم تشهد التجربة اللبنانية إلا نحو تسع سنوات من الهدوء زمن الشهابية في عصريها: شهاب والحلو. وفي خضم هذه الصراعات استنفدت كل شعارات الحياد وأتى الصراع عليها، من «لا شرق ولا غرب» الذي ترافق مع المرحلة التأسيسية للكيان، إلى شعار «لبنان ذو وجه عربي يستسيغ النافع من حضارة الغرب» في محاولة تحييد عن الصراع، إلى المبدأ الشهابي «قوة لبنان في ضعفه»، بلوغاً إلى عام 2011 حيث اندلعت الأزمة السورية فكان على كل خبير في تاريخ لبنان السياسي أن يكون على حذر من الآتي على خلفية الأزمة السورية. وكان لرئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي سرعة البداهة وسرعة إدراك مخاطر المرحلة، ولم يبقَ شعار يقي لبنان شر التورط في الأحداث السورية، فسجّل الرئيس نجيب ميقاتي مقدرة فائقة في سرعة البديهة والتقاط مفصلية اللحظة السياسية وتطوراتها، وبقدرة خلّاقة استطاع استنباط شعار جديد هو «النأي بالنفس» المتمّم لكل الشعارات التي أدركها الأوائل واستنفدتها المراحل التي عاشها لبنان.
صيغة «النأي بالنفس»، مع كل الصيغ السابقة لها لتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، كانت مثار خلاف وجدل بين القوى اللبنانية. فالمسلمون واليساريون والقوميون بمشاربهم المختلفة لم يكونوا يريدون تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لأنهم رأوا أن من واجبهم نصرة إخوتهم في معاركهم مع الخارج، وخصوصاً مع الإسرائيلي. أما المسيحيون، الخائفون دائماً على مصيرهم كأقليات، وعلى مكاسبهم في السلطة، فقد آثروا الابتعاد عن الصراع كي لا ينعكس على الصيغة التي وجدوا فيها موئلاً ومصلحة سياسية.
الأولون رأوا أن لبنان جزء من العالم العربي، ولا يجوز كما لا يمكن تحييده في الصراع، والآخرون أرادوه وطناً مستقلاً بعيداً عن صراعات المحاور الإقليمية. فإلى أين المصير؟ أولئك حلموا بلبنان في وحدة مع عالمه كما في السابق، والمسيحيون رأوه كياناً مستقلاً ودائماً، وبين الخلافين لن يبقى توافق على تحييده في الصراع.
لكن الرئيس ميقاتي وجد الحل بالاستناد إلى ما اتفق عليه دستورياً في التأسيس وفي «الطائف»، وطناً نهائياً مع الحفاظ على الهوية العربية. فكان لا بد من صيغة تقيه من التداعيات السورية المرتقبة، وكان شعار «النأي بالنفس» عبقرية وحيدة تنقذ البلاد من الدخول مجدداً في الحرب الأهلية، لكنها هذه المرة حرب مدمرة إلى غير رجعة.
وكان شعار «النأي بالنفس» ترجمة فعلية فذّة للحياد المطلوب في هذا الظرف، فكان أن تبنته هيئة الحوار الوطني عام 2012 والتزمت به كافة الأطراف، وأبلغت به الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وبذلك يُعدّ أن لبنان دخل إلى نادي الدول الحيادية لأول مرة في تاريخه على نحو رسمي ووفق مبادئ وقوانين الحياد المتعارف عليها دولياً.
* كاتب لبناني