أسوأ وأخطر ما في أزمة الحكم في لبنان أنّها أزمة نظام أيضاً. وحيث إنّ النظام والكيان قد نُظر إليهما بوصفهما شأناً واحداً، فإن لبنان يعاني أزمة وجودية بالمعنى الواسع للكلمة. لقد جرى الدمج بين النظام والكيان في مراحل النشوء وفي ظل «الحرب الباردة»، لأسباب سياسية واقتصادية، مع «نكهة» أيديولوجية، أيضاً، ذات منطلقات محلية وأخرى إقليمية ودولية، مع تباهٍ دائم بالنظام «الحر».


الذين اعترضوا على مفاعيل «الصيغة اللبنانية» وتوازناتها ما لبثوا أن اختاروا الانضمام إلى المؤسسين الأوائل، بل بات بعضهم من أشد المتعصبين للصيغة المذكورة عندما تغيّرت التوازنات ومواقع النفوذ والسياسات والعلاقات. بذلك أقفل باب الإصلاح «من الداخل» بالكامل، لأن أطراف الحكم هم أطراف النظام، ولأن القاسم المشترك بين من تعاقبوا على الحكم والمعارضة، وخصوصاً، في مراحل الانقسام السياسي الكبير في لبنان والمنطقة، إنما كان، وبرغم كل ذلك، الحفاظ على النظام مع استمرار وتصاعد صراع ضار على الحصص والمواقع فيه.
نشأت، في ظل هذا الواقع، منظومة «ثقافية» يسعى المستفيدون إلى تعزيزها باستمرار، لجهة أن «لبنان غير شكل»، وأنّه «بلد الطوائف». ولم تفعل التطورات والصراعات الإقليمية سوى تكريس هذا الواقع ومحاولة تيئيس القائلين بتغييره كشرط للتخلص من أزماته. ذلك أنّ نظام المحاصصة الطائفي ـــ المذهبي، نشأ برعاية و«ضمانة» أجنبية. وهو بهذا قد ترسخ واستمر. واليوم يبلغ الاستقطاب الخارجي لأطراف النظام اللبناني ذروة غير مسبوقة. فنظام المحاصصة الطائفية ـــ المذهبية، هو في الوقت ذاته وبالمقدار عينه، نظام الارتهان للخارج. المعادلة تلك هي ما يُثقل على لبنان اليوم، فتؤدي الاختلالات في التوازنات الداخلية إلى إطاحة استقراره، وتؤدي الارتهانات للخارج إلى دفعه نحو حافة الاحتراب الأهلي، ويؤدي الأمران إلى تعطيل الحدود الدنيا من عمل ووظيفة البنى والمؤسسات العامة، وتؤدي هذه جميعاً إلى تهديد وحدته، بل وبقائه ووجوده من الأساس!
لا تفسير جدياً آخر لما يعانيه لبنان واللبنانيون اليوم من شلل متزايد وتعطيل متفاقم وعجز متواصل لمؤسساتهم، وحتى لاجتماعهم وعلاقاتهم... فمنذ فترة طويلة، ومنذ أن جرى الإجهاز على التجربة الإصلاحية الشهابية، ومنذ أن تعمّق وتجذّر وتوسّع نشوء الدويلات على حساب الدولة والارتهان للخارج على حساب الولاء الوطني (في حدوده الدنيا)، باتت دولة لبنان، بسبب نظامه السياسي، دولة فاشلة بأسوأ ما في الكلمة من معنى.
بكلام مباشر، يمكن القول إنّ الاستعصاء الحالي يجد أسبابه الرئيسية في بنية النظام السياسي، وليس فقط في السلطة والحكم في هذه المرحلة أو تلك. وهكذا، ومع استمرار وتصاعد الصراع بين مرجعيات القوى السياسية اللبنانية المتعاقبة على الحكم والمتشكلة في مؤسسات وآليات المحاصصة، تبلغ الأزمة اللبنانية مراحل عالية من التفجر الذي نرى مظاهره في تعطيل المؤسسات: مجلس النواب، ومجلس الوزراء والمجلس الدستوري... وفي مجرى الأزمة اللبنانية يجري اشتقاق مفردات جديدة ومعادلات جديدة من نوع: التمديد و«الثُّلث المعطِّل» وتأخير التسريح وتكرار أو استيلاد سابقة هنا وأخرى هناك. كل ذلك دون أن تتفتق عبقرية هذا الفريق أو ذاك، وحتى أفراد في هذا الفريق أو ذاك، عن الاهتداء (ولو النظري) إلى مكمن الخلل القائم في النظام السياسي اللبناني. ويجب أن نلاحظ هنا، ليس بدون أسف أو شيء من الخيبة، أنّ بعض دعاة «التغيير والإصلاح»، لا يُلِحّون إلا على الجانب غير المتوازن في توزيع الحصص، مقروناً بشيء غير بسيط من النرجسية والمجازفة، كما حصل في الترويج للمشروع الانتخابي «الأرثوذكسي».
لا يعزي اللبنانيين بعض الشيء سوى مقارنة وضعهم بالأوضاع السائدة في جوارهم وفي معظم العالم العربي. إنها مقارنة بين السيئ والأسوأ، لكنها، حتى في هذه الحدود، غير مضمونة على الإطلاق. فالنار تقترب يومياً من شوارعنا ومدننا وحدودنا. وهي لا تجد إلّا نادراً ما يحول دون اشتعالها وتوسعها إلى كل الحقول والمناطق. أولويات أخرى وحسابات مختلفة، هي في الواقع، ما يؤجل أيضاً قرار الانفجار الكبير. ولا يجوز كذلك إسقاط دور التوازن الداخلي غير المتوازن والذي يجعل طرفاً غير ذي مصلحة في الاقتتال الأهلي، وطرفاً آخر غير ذي اطمئنان إلى نتائجه العسكرية ـــ الأمنية المباشرة.
هذا الواقع الخطير والمعقّد لن يجد حلولاً له، ولا حتى تسويات، قادرة على الصمود، من داخل بنية النظام السياسي وأفرقائه المختلفين على سياساته وتوازناته والمؤتلفين على بقائه و«التمديد» لمؤسساته التي تتخبط في دائرة العجز والفشل. الحلول ستأتي حتماً، من خارج النظام وعلى حساب مرتكزاته. إنّ شعار إسقاط النظام السياسي، هو الشعار السياسي الصحيح والوحيد لإنقاذ لبنان. ولن يحصل ذلك بغير بلورة بديل سياسي آخر، قائم على المساواة بين اللبنانيين، لا على التمييز في ما بينهم. وهو يجب أن يبلور في أساس قيامه وإنشائه ثقافة الولاء للوطن بديلاً للولاء الفئوي الطائفي أو المذهبي، أو الولاء للخارج.
يستدعي ذلك، بذل جهد كبير في هذا الاتجاه لقيام تيار سياسي جديد، لا يشكّل مجرد امتداد للتيارات التغييرية التقليدية بكل أخطائها وخيباتها في الماضي والحاضر، بل يشكل استمراراً لنضالاتها (وجزء منها كان رائداً ومقداماً وباهراً)، وفي الوقت نفسه، يشكّل تجاوزاً لصيغها، وخصوصاً منها تلك التي لم تتجدد وتتحدّث، والتي تخطّتها إبداعات الشباب العربي وغير العربي في ساحاتهم وميادينهم ومبادراتهم.
تزداد أهمية هذا الاستنتاج في ضوء نتيجة جملة تجارب فاشلة حصلت في السنوات الأخيرة، ما عمّق اليأس، إذ بدت أزمة البديل التغييري أعمق من أزمة النظام السياسي المشكو منه!
إنّ شؤوناً أساسية أخرى في الحقل الاجتماعي والاقتصادي، ينبغي أن تتكامل أيضاً لتشكّل جيمعاً، بالإضافة إلى ما تقدّم عناوين أساسية في بناء بديل ديموقراطي للنظام السياسي اللبناني، أي لمواجهة عجز الأجنحة المسيطرة من البورجوازية اللبنانية، والتي من خلال فئويتها وتبعيتها، أبقت لبنان، منذ الاستقلال إلى اليوم، وطناً قيد الدرس، وها هي تجازف الآن بتهديد استمراره ووجوده من الأساس.
* كاتب وسياسي لبناني