أن يكون «جبرائيل» في ميدان رابعة، فلهذا معنى واحد: «الإخوان» يجدّدون رسالة السماء، بما لا يكفي لظهور نبي واحد هو (محمد). ولقد قالوها في ميدان رابعة، غير أنّ ما تبقى من ميادين مصرية لا بد أنها قالت كلاماً آخر من نوع: «خبز، كرامة، حريّة». وها هي النتائج تقول إنّ الخبز انتصر على وهم جبرائيل، ولم يسعف جبرائيل أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، وأكثر من ذلك فقد ينتصر «الخبز» على بقيّة «الجبرائيليين» في بقية الميادين والساحات العربية المنتفضة، إثر سقوط ميدان رابعة بما حمل من شعارات.

سقوط مرسي سيحمل الكثير من المعاني، وأوّلها سقوط الاسلاميين من سدّة المعارضات العربية، وإعادة الثورات العربية إلى حيث انطلقت:
ــ في تونس، إلى النيران وقد التهبت في جسد البوعزيزي.
ــ في مصر إلى حيث مصر التي تبحث عن الشراكة الوطنية، والحيلولة دون احتكار المال والسلاح والسلطة.
ــ في سوريا، إلى الكفاح السلمي، بعد أن أخذ السلاح السوريين إلى ثنائية عدمية، شقّاها هما: إسقاط الدولة، دون إنجاز الثورة (وما زال الأمر خارج إرادة المستحيل).
الاستئثار الإخواني بقيادة المعارضات العربية، جاء منذ بداياته عبر عوامل من السذاجة الاستخفاف بها، وإذا كان من الوارد تعدادها، رغم التعقيدات التي لا تمنح (للتعداد) قيمة كبرى، فبالوسع تكثيفها في عاملين اثنين:
أولاً: في رخاوة القوى العلمانية وهشاشتها، وقوى اليسار، والتيار القومي  (ولهذا أسبابه).
ثانياً: التحالف التاريخي ما بين السلطات المستبدة والإسلاميين، وإن من موقع التصادم (وهنا ستبدو المعضلة أكثر تداخلاً).
في التجربة المصرية، طارد الرئيس أنور السادات القوى العلمانية والقوى الديمقراطية منذ وصوله إلى السلطة ما بعد عبد الناصر، وتجليات ذلك كانت ما بعد انتفاضات يناير، وميادينها التي أسّست لميادين اليوم. والكل يعلم أن السادات أطلق واحتوى حركة الإخوان المسلمين، في مواجهة الطلبة الليبراليين وعمّال حلوان اليساريين والقوى القومية الموزعة على الشارع المصري، وكان الإخوان طليعة محاربي نظام السادات، وسدنة هيكله، وحين باتوا أكبر من قبضة النظام، دخل النظام في صراع معهم ومع قياداتهم في لعبة مزدوجة، فاستوعب جزءاً منهم، وواجه بالنار القسم الآخر:
ــ في الاستيعاب، تحوّل جزء من الإخوان إلى كاسحات ألغام إيديولوجية أمام السادات، فباتت الصفة الأكثر التصاقاً بالرئيس: «الرئيس المؤمن».
ــ وفي الاحتراب، بات الإخوان هم الضحايا، وأخذتهم المظلومية إلى مواقع متقدمة في الشارع المصري، وكانت النتائج، انتصار الإخوان على السادات بالاغتيال، و(المنصّة) كانت إسدال ستار على مرحلة السادات.
ما بعد السادات، كان حكم مبارك، وفيه كان الكلام الأكثر صراحة: ليبرالية السوق، واستبداد السياسة.
ليبرالية السوق وضعت رغيف الخبز في موقع أوّلي لناس، هاجسهم بات لقمة العيش، ومع استبداد السياسة، كان الفراغ في المعارضات يوطّد مكانة الإخوان بوصفهم:
أصحاب بيت مال.
أصحاب علاقات دولية واسعة، يقفزون فيها من الكتف البريطانية إلى الكتف الأميركية، إلى (خليجيات) متنوعة المصادر والثروة والنعمة (وفي البدء كانت لندن مربط خيلهم).
وكانوا التنظيم الوحيد القادر على حمل مشروع مكتمل: «عقيدة، وسلاحاً، وعلاقات دولية، وأداءً حركياً»، وكلّه ناتج من الفراغ السياسي للقوى الأخرى، ما جعلهم يستفردون بالساحة المحكومة إلى: الحس العفوي.
الحس العفوي هذا، والأوجاع المتمثلة في الرغيف وفرص العمل والطبابة والتعليم، وأبسط استحقاقات الحياة، سمحا للشارع المصري بأن يعلن ثورته، ولم يكن في ميدان التحرير في أمسه سوى:
ملايين الغاضبين من المصريين الذين يبحثون عن حق الحياة، ولم يكن الإخوان في الميدان، وحين بات الميدان على حافة الانتصار، فرش القرضاوي عباءته في الميدان وخطف حصاد الناس ودمهم، وكان تنظيم الإخوان هو التنظيم الوحيد المدعوم بالإعلام والتمويل والخبرة و: «المشروع» الممتد من قطر إلى باكستان. وبنتائج سقوط مبارك، وبنتائج  الفراغ في صفوف القوى الأخرى وشتات مرجعياتها، كانت صناديق الاقتراع لمصلحة «الإخوان»، والنتيجة: فوز «الإخوان» بالرئاسة.
وبالنتائج اللاحقة، سقوطهم في إدارة الدولة، وملامح السقوط: ارتفاع نسب البطالة.
تراكم المديونية أضعافاً عمّا كانت عليه أيام حكم مبارك.
استبداد سياسي يتّكئ على العقيدة، أبسطه ما يتصل بحقوق المرأة التي باتت كلها عورة، بدءاً من الاسم وصولاً إلى صوتها. ولم يكتف الاستبداد بمحاربة الإعلام المنفتح بقدر ما أطلق إعلاماً مموّلاً حصرياً بخطابه السياسي والإيديولوجي، بلغ ما يزيد على ثلاثين محطة تلفزيونية، عداك عن الصحف والمواقع الإخبارية، مضافاً إلى المساجد المحتكرة للإخوان، وهي المساحات الاعلامية التي تنتقل مشافهة بما هو أكثر تأثيراً من المنابر الاعلامية الأخرى.
هذا عدا عن إهانة مصر، كلّ مصر، بدءاً بتعاطي مرسي مع سد النهضة الإثيوبي، وهو السد الذي يعني إطلاق قانون مياه جديد يجفف نيلها، وصولاً إلى التحكم القطري في مصر، بما جعل «الشيخ حمد» خديوي ظلّ مصرياً. وفي النتائج، استفاق المصريون على مصر وقد أسقطت استقلالها.
ميدان التحرير عاد مرة أخرى إلى الميدان، وبالتحالف مع العسكر، هذا صحيح، والخوف من العسكر مشروع، وثمة الكثير من التجارب التاريخية تقول إن العسكر لا يحمون الكرم من الدب، وهذا صحيح أيضاً.
ولكن الميدان وقد تدرّب على نحو فريد، بات يسمح بالرهان على أن عودة الاستبداد ستعيد الناس إلى الميدان، وأن عودة الفساد ستعيده إلى الميدان، وأن إسقاط سيادة الدولة ستعيده إلى الميدان، فمن نزل إلى الميدان واعتاد هتافاته سيعود إليه إذا ما اقتضت الأيام.
حال مصر هكذا، والأهم أن سقوط «الإخوان» في مصر يعني سقوطهم في كافة الميادين، وأن صعود الميدان يعني فتح فضاءات جديدة، لا للمصريين فحسب، بل للعرب جميعاً، فلا السعودية هي المثال، ولا قطر مثالاً... المثال سيكون مصر، فلا الوهم الديني، ولا التأصيل الخرافي هو الطريق، والمثال وإن تأخر سيكون في سوريا:
الكفاح من أجل ثالوث: «الخبز، الحريّة، الشراكة الوطنية»، وما عداه لن يكون سوى:
تدمير الدولة، وإسقاط الثورة.
السوريون أطلقوا ثورتهم بصدورهم العارية، وقد كتبوا عليها: حرية.
و«الإخوان» ألحقوا الثورة السورية باللعبة الدولية، وكانت النتائج: الزحف نحو الحرب الأهلية.
لهذا ستكون التجربة المصرية هي الدليل، وستبقى مصر: أم الدنيا.
* روائي سوري