عند بداية الأزمة السورية، وبدء تكشّف ملامح المشروع المنسّق بين المجموعات المسلحة في الداخل، ودول عربية وإقليمية وغربية، كانت فحوى الخطاب الرسمي السوري والأطراف الداعمة له تندرج ضمن عبارة «لن نُهزم». أما اليوم فإن العبارة نفسها تلخّص ما يريد المحور الآخر قوله.

سبق أن رافق انعقاد قمة «مجموعة الثماني» في بلفاست ما بدا شبيهاً بحملة دولية منسقة الإيقاع لتعزيز الموقف التفاوضي لمحور الحرب على سوريا، بصورة تشي بهلع إقليمي ودولي من البوادر الميدانية لانتصار دمشق.
في المؤشرات المتتالية لهذه الحملة، كشفت الإدارة الأميركية عن قرار تسليح المعارضة، في خطوة قفز من خلالها الرئيس باراك أوباما فوق الجدل الحامي داخل فريقه الأمني، وهو جدل لم ينته باتخاذ قرار التسليح، لتستكمل حلقاته بالخلاف الكبير بين رؤية كل من وزير الخارجية جون كيري ورئيس أركان الجيوش الأميركية مارتن ديمبسي، حول الشروع بضرباتٍ جوية محدودة للقواعد العسكرية السورية.
وفيما فسّر موقف كيري على أنه هروب إلى الأمام لتخطي مأزق الدبلوماسية الأميركية في التعاطي مع الأزمة السورية، رأى ديمبسي أن الخارجية لا تفهم تداعيات هذا الخيار وخطورته، وأنها تدخل الولايات المتحدة في مستنقعٍ جديد، تكون فيه المواجهة المباشرة مع الدفاعات والصواريخ السورية، أقل إيلاماً مما سيأتي بعدها.
وبعد القرار الأميركي، قطع العاهل السعودي إجازته في المغرب، ليعود على وجه السرعة إلى بلاده، في إشارة إلى توقع حدث ما داهم، أو دور مهم يتطلب رعايته الشخصية.
بالتزامن، رفع مجلس التعاون الخليجي من وتيرة تصعيده ضد حزب الله بوضعه على لائحة الإرهاب، والإعلان عن إجراءات ضد المنتسبين والمتعاطفين مع في الخليج.
وكما فعلت إدارة أوباما، قفزت «إدارة» حماس فوق الخلاف الحاد داخلها، لتصدر بياناً تطالب فيه حزب الله بالإنسحاب من سوريا.
الرئيس المصري أيضاً، مارس لعبة القفز فوق الواقع الداخلي المنقسم، وفوق نهاره العصيب في 30 حزيران، حشد أنصاره ليعلن قطع العلاقات مع دمشق، وإغلاق سفارة البلد الذي لا يرأسه «صديق عزيز».
في الوقت نفسه، كان صديق آخر لمرسي يعاني من غضب شعبي عارم مناهض لسياساته. اضطر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لاستخدام القمع، وبدأ يتحدث عن «مؤامرة عالمية» ضده وضد بلاده، في حين تحول الحراك الشعبي من احتجاج على قطع أشجار وبناء متحف عثماني، إلى موجة عارمة تريد اقتلاع حزب «العدالة والتنمية» من الحكم في أنقرة. تركيا التي كانت تقرع قبل سنوات أبواب الاتحاد الأوروبي أصبحت من الماضي، وتجربة أردوغان باتت في أسوأ صورة لها.
تركيا هذه تحولت مع أردوغان إلى أقل من لاعب في نادي العالم الإسلامي، واكتفت باللعب في نادي الإخوان المسلمين، ليخرج زعيمها بتصريحاتٍ طائفية تتحدث على ضحايا تفجيرات «الريحانية» من المسلمين «السنّة». وبهتت صورة الدولة الديموقراطية العلمانية الأقوى في العالم الإسلامي، لتختنق داخل طوق من العداوات التي جذبتها حكومة «الصفر مشكلات».
في حزيران، رمت الأطراف كافةً أوراقها الرابحة على طاولة المفاوضات، ليصل التحالف الإسلامي ــ الأميركي إلى ذروته مع بدء مفاوضات بين واشنطن وحركة طالبان في قطر، حيث تم افتتاح مكتب للحركة الأفغانية بمباركة أميركية، بعد ما يقارب العقدين من الزمن، روجت خلالهما الولايات المتحدة لطالبان بصفتها عصارة «الإرهاب الإسلامي».
وإذا تمكنت الولايات المتحدة من حشد معظم قوى الإسلام السياسي إلى جانبها، من أفغانستان إلى تونس، مروراً بالخليج وتركيا ومصر و«فلسطين حماس»، فماذا يتبقى من صدقية وضع «جبهة النصرة» على لائحة الإرهاب الأميركية؟
في مقابل هذه الصورة، أعادت الانتخابات الرئاسية الإيرانية الاعتبار للإسلام السياسي، ففي نظامٍ محاصر منذ لحظاته الأولى، أثبت الإيرانيون أن الإسلام والديموقراطية يزدهران في بيئة القرار السيادي المستقل، ويمكن القول إن هذه الانتخابات أنقذت الإسلام السياسي من براثن «الربيع العربي».
وكانت آخر الأوراق الأميركية التي رميت على الطاولة أمام بوتين، انهيار «النأي بالنفس» اللبناني على المستوى الرسمي، من خلال رصد نوتة عائدة للرئيس اللبناني في معزوفة الأوركسترا الأميركية ضد سوريا وحزب الله.
كل هذه المعطيات وغيرها (حرب على الليرة السورية، فتوى جهاد في سوريا) اجتمعت في حقيبة أوباما التي حملها معه إلى بلفاست، ورميت الورقة تلو الأخرى في وجه بوتين. وأضيف إليها دعاية استخدام النظام لأسلحة كيميائية.
ولا بد في هذا السياق من الاعتراف بذكاء الحملة الأميركية هذه لتعطيل مفاعيل أوراق بوتين الرابحة، لكنها في النهاية تبقى حملةً دعائية لا يمكنها الصمود أمام ورقة من طراز معركة القصير.
لقد أراد الأميركي تطويق بوتين، ودفعه إلى الشعور بالعزلة، أمام اندفاع غير مسبوق من كل تلك القوى المتحفزة لإسقاط النظام السوري، وتحويل مؤتمر جنيف 2 المرتقب إلى «أنابوليس» آخر يتم خلاله الإعلان عن استسلام سوريا. لكن رجل روسيا الحاذق أظهر صلابة فائقة وفهماً عميقاً للعقل الغربي، وهو الذي بدأ عمله في الاستخبارات الروسية في ألمانيا الغربية أيام الحرب الباردة، حيث عايش أسلوب الغربيين في تمرير المشاريع بسلاسة.
تمسك الرئيس الروسي خلال القمة بمركّبات موقفه كاملةً، ولم يخرج من بلفاست بتنازل واحد عن مندرجات هذا الموقف، مؤكداً أنه لم يكن وحيداً في دفاعه عن الرؤية الروسية لحل الأزمة في سوريا، ليخرج البيان الختامي متضمناً السعي نحو عقد مؤتمر جنيف بأسرع وقتٍ ممكن، وإدانة استخدام الكيميائي من قبل أي طرف. وأصرّ بوتين على عدم وجود دليل يؤكد استخدام النظام السوري لهذا النوع من الأسلحة.
وفي حين أجبر بوتين المجتمعين على عدم التطرق لمصير الرئيس السوري في البيان الختامي للقمة، كان الأسد منكباً على مسألتين تختصر طبيعتهما اتجاه المعركة (كما ظهر في مقابلته الأخيرة مع الصحيفة الألمانية): حماية مخزونات الغاز السوري في المتوسط، وسبل إعادة اللحمة إلى النسيج الاجتماعي وإعادة بناء العقل السوري «بعد الحرب».
وقد اختصر وجه بوتين المتجهم خلال لقائه أوباما تشدد الموقف الروسي حيال «ألعاب الخفّة» الأميركية حين يتعلق الأمر بمسائل الأمن القومي، وهو لم يتفاعل في كل مرة حاول فيها الرئيس الأميركي الحديث عن رياضة الجودو التي يتقنها سيد الكرملين.
لم يذهب بوتين إلى القمة ليلعب الجودو، بل أتى ليكمل جولة شطرنج بدأها حلفاؤه في القصير، وأسقطوا في لحظاتها الأولى «وزراء الشطرنج» الأميركي، وعليه فإن بوتين اتى ملوحاً بـ«إطاحة الملك»، دون السماح بالاقتراب من «ملكه»، الذي تفصل بينه وبين أعدائه جيوش دول، ومقاومات.
وبنتيجة ذلك كله، تقف واشنطن في موقف دقيق، أمام لحظة الحقيقة. فمن جهة، لن ينسى أوباما سؤال مارتن ديمبسي: «ماذا بعد الضربة؟»، ومن جهة أخرى لن يذرف أوباما دمعةً واحدة على ضحايا العنف في سوريا. ولذلك فإن استمرار الولايات المتحدة بصب الوقود في النار السورية له معنى تختزنه عبارة واحدة: إذا كان الأسد سينتصر، فلنضمن أن يحصل على سوريا مدمرة.
وهنا فقط، يصبح االسؤال حول إدراك المعارضة السورية لذلك، تراجيديا.
* باحث لبناني