أحدث الزلزال السوري هزّات ارتدادية في دول الجوار المشرقي، لا تخفى على أحد. ولعل من الجوانب الإيجابية للمأساة السورية أن يكتشف أهل منطقة سايكس _ بيكو وسان ريمو، أنهم أبناء مجال حضاري وثقافي وتاريخي واحد تتموضع، في قلبه، دمشق. وليس ذلك تأكيداً لعقيدة أو تمهيداً لأخرى، بل هو اعتراف بواقع ملموس ينبغي فهمه وتفسيره، بغية تحديد الشكل الأفضل، من وجهة نظر تقدمية، للتعامل معه من خلال رؤية فكرية _ سياسية جدية هي نتاج الفهم الديالكتيكي غير الكلاسيكي للسياسة. يراد لهذا الزلزال، إمبريالياً، أن يقود إلى مشهد إقليمي مختلف عما كان قائماً. وبينما تتقدّم فكرة التفتيت في سايكس _ بيكو 2، فإن تياراً مضاداً لإلغاء سايكس _ بيكو 1 يتقدم أيضاً. ما يجب التنبه إليه، ابتداءً، هو التوجّه الأميركي نحو مغادرة المنطقة، للتركيز على وسط آسيا وعملاقها الصيني. وسوف يترك هذا التوجّه وراءه نظاماً إقليمياً جديداً مختلفاً سيؤدي الدور الرئيس في تحديد مصائر المنطقة، لكنه بلا أي حضور جدي للعرب؛ فمن المعروف أن سوريا كانت الوحيدة ـ وخصوصاً بعد احتلال العراق ـ التي لها مثل ذلك الحضور في التحالف والمواجهة مع قوى الإقليم الثلاث، إيران وتركيا وإسرائيل. ومن الواضح أن ما جرى ويجري، في سوريا، من تدمير وخراب وقتل واستثارة للغرائز والأحقاد والنعرات المذهبية والمحاولات المحمومة لضرب «الدولة» ومؤسساتها الأساسية الجامعة وتفسيخ نسيج البلد الاجتماعي، سيقود إلى فترة غير قصيرة من إضعاف الدور الإقليمي لسوريا «ما بعد الحرب»، وبالتالي حصر بت قضايا المنطقة، إقليمياً، في الثلاثي غير العربي. وعلى هذه الخلفية، تتيح فكرة المشرقية، باعتبارها تعبيراً عن مجال جيوسياسي واحد يضم سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، إمكانية واقعية لبناء إطار سياسي تنسيقي موحد يملأ المقعد العربي في النظام الإقليمي الكبير المشار إليه. وهذه الإمكانية الواقعية تتحول إلى ضرورة إذا ما تنبهنا إلى التفات كل من سوريا والعراق، وهما الدولتان المركزيتان في المشرق، إلى «الداخل»، وانشغالهما، خصوصاً، بتنظيم عملية الدفاع الوجودي والكياني لإفشال الهجمة الإمبريالية الصهيونية الرجعية التي تتعرضان لها. وهو ما يشل أو يحد من تأثير كل منهما في الإقليم. فسوريا الجريحة والمدمرة والعراق المنهك باستمرار، فقدا، إلى حد بعيد، إمكانية توظيف واستثمار ميزاتهما الجيواستراتيجية في اللعبة الإقليمية، كلّاً بمفرده. أما بقية الدول فهي، فضلاً عن محدودية تأثيرها نسبياً، ليست أقل انشغالاً بالداخل أيضاً. وهي التي تعاني انقسامات عمودية حادة. ولقد أتاحت بعض الوقائع السياسية أخيراً، وفيها ما هو مدهش، التثبت من «ضرورة» انبثاق إطار يعبر عن مشتركات الدول المشرقية. فلقد كان لافتاً أن العراق والأردن ولبنان وفلسطين تبنّت، واقعياً، موقفاً رافضاً لإسقاط النظام السوري. ورغم استخدام هذه الحدود أو تلك، بهذا القدر أو ذاك، لعمليات تهريب أسلحة ومقاتلين من قبل الحلف المعادي لسوريا، فإن ذلك لم يكن يمثل سياسات منهجية أو سياسات «دولة»؛ بل وجدنا أن الأداء السياسي للأنظمة المختلفة ـ ونظيره لدى الحركات السياسية والشعبية الأكثر تأثيراً ـ تكاملا بشكل أدى إلى تكريس مواقف رافضة للتدخل ضد الدولة السورية. كذلك لفت امتناع الدول المشرقية، جميعاً، عن تطبيق العقوبات الاقتصادية «الدولية» التي فرضت على سوريا؛ أقله لأنها تعني، عملياً، إلحاق أضرار فادحة باقتصادات تلك الدول ومصالح شعوبها، وخصوصاً في ظل «اكتشاف» حجم الترابط والتبادلات بينها وبين سوريا. ولولا شدة الضغوط الخارجية، وتقليد الحذر وثقافة التردد وغياب الخيال السياسي لدى أنظمة المشرق، لكنا قد شهدنا، في وقت مبكر من عمر الأزمة السورية، تحول فكرة «دول الجوار العربي لسوريا» إلى إطار سياسي عملي يواكب تطورات الأزمة، ويؤدي دوراً إيجابياً في معالجتها. وهذه فكرة تأسيسية للمشرق «السياسي»، بما هي تعبير عما ظهر، واقعياً، من وعي لحجم المصالح والأخطار المشتركة، وعي يؤسس، بدوره، وعلى نحو عملي لا يحتاج مقدمات، لسياسات خارجية متقاربة. هكذا، ورغم اختلاف طبيعة الأنظمة والفروق في علاقاتها الخارجية وأدوارها السابقة، تبين، في مجرى تطور الأزمة السورية، وما كان يتكشف خلالها، أن الاقتصاد المحلي والبيني في الدول المشرقية، بترابطه الواقعي، والأخطار الخارجية التي ظهرت مشتركة أكثر من ذي قبل، مثّلت مبررات كافية «للتصرف» بتناغم تفادى الوقوع في «شبهة» التطابق، ولكنه، في الواقع، متقارب جداً في ما يتصل بالأزمة السورية.

ولذلك، بات ممكناً، اليوم، الحديث عن إمكانية توحيد جهود وطاقات هذه الدول وشعوبها من خلال الارتقاء إلى صيغة تنسيقية متطورة، سواء أكانت إطاراً كونفدرالياً أم مجلساً للتعاون. وسيمثل هذا التطور الكبير، ديناميات توحيدية مضادة لديناميات التفتيت، ورداً وطنياً صحيحاً على النسخ المختلفة لسايكس بيكو2 القائم على أساس دويلات طائفية ومذهبية واثنية ومآلها التناحر؛ فالسقوط الواقعي للحدود الاستعمارية لا يجوز بالضرورة أن يقود إلى «تقزيم» المساحات السياسية؛ فمن وجهة نظر تقدمية وحساسة لموجبات التاريخ والجغرافيا والتقدم الاجتماعي، سيسهم «توسيع» المساحات السياسية في التخلص من أثر الفروق الديموغرافية والدينية والطائفية والمذهبية والاتنية من جهة، وفي تعزيز فرص بناء الدولة الوطنية التنموية المستقلة من جهة أخرى. وهذا هو التجسيد الملموس لمعنى تحويل الأزمات إلى فرص؛ ففي مواجهة التفتيت، يمكننا التنسيق باتجاه تكاملي، وفي مواجهة ضعف الأجزاء ومحدودية أدوارها، يمكننا اكتشاف قوة الكل وتفعيل الدور المشترك والتأثير المتبادل.
من الواضح أن منظمة الجامعة العربية، قد ماتت، موضوعياً، بفعل آثار ونتائج الدور الخليجي المعادي لبقية مكوناتها. ونحن اليوم في سياق البحث عن صيغة جديدة للعمل العربي المشترك. لقد سبق لعصبة الأمم أن انهارت بسبب النازية، وظهرت مكانها هيئة الأمم المتحدة تعبيراً عن واقع جيوسياسي جديد، لكن نتائج الحرب الدائرة في المنطقة، اليوم، لن تقود إلى ظهور إطار توحيدي «أوسع» مكان الجامعة العربية، فمشروع «توليد» دويلات مشرقية جديدة في طريقه إلى الفشل، وفشله ليس منوطاً، فقط، بالحفاظ على الدول القائمة، وإنما، أيضاً، بجمع شملها في إطار وحدوي جديد.
وحين نواجه حقيقة أن الانقسام السياسي والثقافي، بين الخليج والمشرق، أصبح حقيقة استراتيجية لأمد بعيد، فإنه لم يعد مقبولاً أن تكون منظومة العمل العربي المشترك الواقعية والوحيدة – والمسكوت عنها - خلال عقود، هي «مجلس التعاون الخليجي» الذي بنى أبناء المشرق، معظم دوله.
إن قيام «مجلس التعاون المشرقي»، الواعي لذاته ولمصالحه المشتركة وموارده البشرية الكفوءة وثرواته الآخذة بالتضخم بفعل الاكتشافات النفطية والغازية، لا يشغل، فقط، الفضاء العربي في الإقليم، ولا يمثل فقط ناظماً لحركة انتقال الرساميل والخبرات والأيدي العاملة للبناء وإعادة الإعمار في الورشتين العملاقتين في كل من سوريا والعراق، بل هو يؤسس، أيضاً، لحركة الانتقال من «واقع» التجزئة إلى واقع أرقى باتجاه الأفق الوحدوي الذي تحمله «الفكرة» القومية. وهو بهذا المعنى خطوة إلى الأمام لا يجوز نقدها من زاوية تراجعها عن «واقع» قومي عربي مأمول. وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، لا مكان للخليج في منظومة قومية تقدمية هي الإطار الوحدوي الضروري الوحيد، إلا بعد إطاحة الأنظمة الخليجية الحالية، لمصلحة أنظمة قومية يمكنها الاندماج الايجابي في العالم العربي، وثانياً، إن مصر المنهكة مشغولة، موضوعياً، بذاتها، وستظل كذلك إلى أجل غير معلوم. وهو ما ينطبق على التفاعلات الجيوسياسية في المغرب العربي. وثالثاً، لأن قضايا المشرق، على كل المستويات، لها خصوصياتها المشرقية، ابتداءً من مقاومة التفتيت، ومروراً بالتنمية والعلاقات الاقتصادية البينية، وليس انتهاء بتجاوز الانشقاقات الطائفية والمذهبية والاثنية، وأخيراً، فإن إسرائيل، هنا، ليست فحسب عدواً قومياً، وإنما عدو جاثم في قلب الدار المشرقية.
* كاتب سياسي