زميلي الأستاذ جمال خاشقجي يقول ببساطة: يا صديقي الشيعي كن معي في موقفي وإلا فسأكون ضدك («الحياة» 22 حزيران (يونيو)». كي لا تختلط الأمور فالزميل لا يطالبنا بالخروج في غزوة بدر مثلاً، ولا يدعونا لتحرير الأراضي المحتلة، بل ولا حتى لنصرة الشعب السوري الجريح. المطلب المحدد للزميل الكريم هو ببساطة: أن تكون عدواً لإيران وحزب الله.


جوهر المسألة التي شغلت باله هناك ليس حق الشعب السوري في صناعة مستقبله بحرية، جوهرها ــ حسب ما يشرحه الأستاذ خاشقجي ــ هو وجود حزب الله وتأييد إيران للنظام. لا يحتاج الأمر إلى تفسير أو تحليل، فإما أن تكون عدواً لمن يعاديه الأستاذ جمال وإلا فأنت مصنف في جبهة أعدائه. ليس الأمر مهماً لو اقتصر على معاداة شخصية، لا سيما لو كان عدوك عاقلاً مثقفاً حصيفاً كالأستاذ جمال، لكن الأستاذ جمال لا يتحدث عن عداء شخصي ولا أظنه يفكر فيه. بل يقول كلاماً يؤدي ــ موضوعياً ــ إلى تبرير حالة استقطاب اجتماعي على أساس مذهبي: الأكثرية السنية في طرف والأقليات الشيعية في الطرف المقابل. تذكرت وأنا أقرأ مقالة الأستاذ جمال، خطبة بن لادن «أصبح العالم فسطاطين»، وتذكرت قسمة بوش الشهيرة «من لم يكن معنا فهو ضدنا». لا أظن خاشقجي يعنيها، لكن مقالته مجرد تبرير لهذا المنهج. فهو يخير مواطنيه الشيعة بين موقفين: أن يساعدوه، وإلا فلينتظروا انقسام المجتمع الوطني. طبيعة المساعدة هنا هي تقليد موقفه الشخصي. عنوان مقال خاشقجي يقول دون مداورة: ساعدني وإلا فسأكون طائفياً، أي عدواً لك. حسناً، لنفترض أني رفضت مساعدتك، فهل ستضحّي بوحدة الوطن وسلامه الاجتماعي من أجل سوريا؟ هل تسعى لانتصار السوريين ولو على حساب وحدة بلدك وأمنه واستقراره؟ خاشقجي وكل شخص آخر يتبنى مواقف بناءً على تحليله الخاص، أو انطلاقاً من دائرة مصالح ينتمي إليها. هذا ليس مشكلة، فلكل شخص حق ثابت في اتخاذ أي موقف ومناصرة أي طرف أو معاداته. لكننا لسنا بصدد قضية وطنية مشتركة، كي نقول إن مصلحة الوطن أو مستقبله أو أمنه يتوقف عليها. موضع الجدل هو الموقف من الثورة السورية، وبالتحديد مناصرة الجماعات المسلحة فيها. لطالما اختلف مجتمعنا حول الموقف تجاه قضايا خارجية. في الثمانينيات كانت الحماسة للثورة الأفغانية أوسع كثيراً من الحماسة الحالية للثورة السورية. ونعرف اليوم مآل تلك الثورة وما صاحبها من حماسة. هل أخطأ الذين رفضوا الانخراط في دعم الثورة الأفغانية يومذاك؟ هل يتوجب علينا القول إن قضايا الخارج يديرها أهلها وإننا مجرد مراقبين؟ هل يتوجب علينا الحذر من المبالغة في الانخراط العاطفي، لا سيما حين ينطوي على مخاطر مباشرة أو غير مباشرة على وحدة بلدنا وأمنه وسلامه الاجتماعي؟ لنفترض أن الشيعة جميعاً أبوا مناصرة الثورة السورية، فهل نهدد بلدنا بالانقسام عقاباً لهم على هذا الموقف؟ هل سمعتم بعاقل يرهن علاقته بمواطنيه لموقف سياسي، خارجي تحديداً، مهما كانت أهميته؟ أي عاقل يتعامل بهذا القدر من الخفة مع قضية بهذه الخطورة... أعني وحدة الوطن والسلم الأهلي؟
* كاتب سعودي