منذ بدء الأزمة السورية وسيرورة التفاعلات الداخلية في النظام الإقليمي والدولي لا تمضي على نمط ثابت. وسبب ذلك أنّ عناصر الأزمة تصاعدت مؤشرات خطورتها بسرعة قياسية، وكثُر الفاعلون من المؤيدين للنظام السوري ومناوئيه الذين ذهبوا في طريق التشابك وفي صراع مفتوح تعدّى إطار الأزمة السورية نفسها إلى إطار الأزمة في المنطقة والعالم بأسره، وكلٌ يريد تعديل ميزان القوى لصالحه.

بالنسبة إلى المحور المعادي لسوريا الذي وضع سوريا على لائحة المروق والشر إلى جانب إيران وكوريا الشمالية، كان «الربيع العربي» هو الوضع المثالي له لضربها وتقسيمها. بدت كل الأجواء مؤاتية لتخريب داخلي يصدّع البنية الاجتماعية والسياسية والعسكرية في هذا البلد تحضيراً لخريطة جديدة للمنطقة تكون فيها إسرائيل طرفاً مباشراً في تفاعلاتها، وصانعاً لجدول أعمالها.
بدا المحور طليق اليد. اصطفت أوروبا وتركيا ودول عربية وغيرها وراء أميركا التي ذهبت إلى حربها مع سوريا بسلاح الفتنة والإرهاب والإعلام والمال وجماعات التكفير والهجرة وكل سلاح يخطر ولا يخطر على قلب بشر. في خلال أيام كان الحضور الأميركي في الأزمة السورية هو الأساس والآخرون بيادق يأخذون أدوارهم حسب الحاجة
والطلب.
الأساطيل الإعلامية الأميركية والأوروبية والصهيونية والعربية تصادر معظم المشهد العالمي وصوته. وتحولت الأنظار بعد تونس ومصر وليبيا واليمن نحو سوريا فيما غابت فلسطين عن الواجهة نهائياً.
استنفرت أميركا كل حلفائها لإسقاط سريع للنظام، مستعيدة سيناريوهات إسقاط بغداد أكثر من مرة في محاولة يائسة لحسم المعركة. الحلف الأطلسي قدّم عروضات (تهويلية)، ومجلس الأمن لم يكف عن إصدار البيانات التي تدين النظام، والجامعة العربية نسيت فلسطين وقضايا الأمن العربي المشترك وتفرغت كلياً لمحاربة طواحين
الهواء.
في المقابل، محور المقاومة بدا خجولاً في الرد. اعتمد بداية على امتصاص الصدمة ودخل في تفسير أسباب الأزمة. وتوقف مليّاً أمام تحركات أميركا وإسرائيل لإحياء مشاريع صهيونية واستعمارية، وكذلك أمام تزايد النفوذ الأميركي والغربي في المنطقة العربية وصولاً لشرعنة وجود دولة يهودية نقية تظهر بشكل متزامن مع نشوء عدد من الدويلات الطائفية والمذهبية. وعلى هذا الأساس كانت كل العمليات العسكرية التي خيضت ضد الجيش السوري منذ بداية الأزمة تبدو كمقدمات للمشروع الأميركي ــ الصهيوني للإطباق على المنطقة برمتها وإنهاء القضية الفلسطينية.
مع تسارع التطورات الميدانية كانت القوات السورية توسع من انتشارها العام وتوغلها في المدن ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية. لكن حجم العمليات المحدودة للجيش لم يكن يتناسب مع حجم التحرك الكبير لأميركا وحلفائها على الأرض. انفتح باب الجدل العسكري حول الغاية النهائية الاستراتيجية لدخول الجيش في الأزمة. هنا بدت القيادة السياسية تعي حجم المؤامرة وخطورتها، وأنّ العدوان على سوريا يفترض إضعافها بكل السبل المتاحة وتدميرها، وصولاً إلى جعل الاستسلام هو الخيار الوحيد المتاح أمام القيادة، ما يعني إلجاء النظام للقبول بمعاهدة «فرساي» جديدة.
في المقابل، كان ثمة وعي عال لدى القيادة السورية عكس حجم إرادة المواجهة، والتصميم على صدّ الموجة العاتية. كانت القيادة تعرف أن الاستسلام على مستوى المبدأ سيوفر للأعداء انتصارات متتالية على المستوى الاستراتيجي. أما الثبات على المبدأ فإنه سيؤدي إلى حسم القيادة المعركة لصالحها وصالح خيار المقاومة وصولاً لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بما يتصل مباشرة بكسر إرادة الهيمنة الغربية ودحر العدو الإسرائيلي.
وفي هذا المجال من المفيد دراسة خلاصات المواجهة القتالية بين الجماعات المسلحة وبين الجيش السوري.
أولاً: الجماعات المسلحة: من ناحية الوقائع يمكن اختصار الأداء القتالي للجماعات المسلحة في نقاط أساسية.
1ــ فوضى عارمة على مستوى الانتشار والتموضع والحركة.
2ــ ارتباك في اتخاذ القرارات والإجراءات العسكرية.
3ــ خلافات بين جماعات الداخل وجماعات الخارج حول الإمرة والدور والنفوذ على الأرض.
4ــ تشتت وضبابية في تحديد الأهداف والخيارات الميدانية بدقة.
5ــ غياب قيادة مركزية تخطط وتدير العمليات.
6ــ تعدد الممولين للجماعات المسلحة حيث أن لكل ممول أجندة قتالية خاصة به.
7ــ الانفلاش العددي والانكشاف أمام العدو.
8ــ الخطأ في حسابات المواجهة مع الجيش والفشل في توقع صموده وتماسكه وفاعليته الميدانية.
9ــ الاعتماد على حركة الاعلام أكثر من الاعتماد على حركة الميدان والوقائع الفعلية.
أما من جهة الجيش السوري فإنه أضاف إلى عوامل قوته الأصلية ككيان مؤسسي عقائدي موحد خلف قيادته، يرتكز على مجموعة من الضوابط والآليات النظامية، نقاط قوة أخرى نذكر منها على سبيل المثال:
1ــ معرفة الأرض معرفة جيدة.
2ــ الثبات في الجغرافيا الاستراتيجية.
3ــ الاطمئنان إلى الحاضنة الجماهيرية والسياسية.
4ــ التدرج في استعمال السلاح والنار والتركيز على العمليات البؤرية.
5ــ الحد من الانفلاش الواسع والتمدد غير المجدي وترك مهمة الحفاظ على المدن والقرى والأحياء ومؤسسات الدولة لقوى الدفاع الشعبي الوطني.
6ــ حداثة سلاحه ومستواه النوعي وفاعليته ما يمنحه مزايا تفوق ما لدى العدو وأرجحية في حسم المعركة لصالحه.
7ــ تطوير أدائه القتالي بما يتناسب مع طبيعة المهام والظروف الميدانية.
8ــ تحسين قدراته اللوجستية والتخطيطية والتدريبية والتركيز المكثف على كيفية إدارة حرب العصابات والمدن.
9ــ الاستفادة من الثغر العسكرية والتنظيمية المتعددة في صفوف التنظيمات المسلحة.
10ــ المعنويات العالية لدى قادة وأفراد الجيش وعلى يقينه الحاسم بحتمية الانتصار.
لا شك أن الجيش العربي السوري يواجه منذ بداية الأزمة تحديات ليست سهلة ، ولكنه استطاع أن يذلل معظمها ويتجاوز العديد من الصعوبات على أكثر من مستوى، خصوصاً أنّ استهداف الجيش ومحاولة شقه كانت من أولى مهمات العدوان على سوريا، لكن الكل فوجئ بالمستوى العالي للانضباط والتماسك داخل المؤسسة العسكرية، ما أذهل وأدهش كل المعتدين.
في الاستنتاج يمكن أن نقول: إنّ الجيش كان بمستطاعه أن يحسم الأزمة منذ بدايتها لكن لو تم ذلك فإنه سيكون خطأ كبيراً وقاتلاً على الجيش نفسه.
اليوم الجيش يعرف أنّ هناك عدواناً كونياً على سوريا، وأنّ إدارة العدوان موزعة بين دول عدة منها واشنطن وتل أبيب وأنقرة، ويعرف أنه يقاتل لا ضد جماعات ومعارضات مسلحة تهدف للوصول إلى الحكم عن طريق العنف والسلاح، وإنما ضد مخطط استعماري جديد يسعى إلى إسقاط فلسطين والأمة كلها من البوابة السورية!
ومن هذا المنطلق فإنّ الجيش لن يسمح بـ«فرساي» أخرى توقّع فيها سوريا على صك الاستسلام للغزاة والأعراب!
* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية