كان البيان الصادر عن مصدر صحافي في رئاسة اقليم كردستان حول غرب كردستان (كردستان سوريا) صادماً في انحيازه الفجّ والصريح دون مواربة لأحزاب الاتحاد السياسي، التي تصوّر نفسها فرعاً سورياً للحزب الديموقراطي الكردستاني العراقي، وخطِراً لجهة تبنيه جملة من الاتهامات والافتراءات المفبركة والكاذبة التي تروجها وترددها أحزاب ذاك الاتحاد، بهدف تشويه صورة قوات «الأسايش» (الأمن) ووحدات الحماية الشعبية (YPG)، بما هي قوى ومؤسسات وطنية تحظى باجماع وطني حولها، ولا سيّما بعد ملاحمها البطولية في التصدي لكل من تسول له نفسه الاعتداء على الشعب الكردي في سوريا، وعلى مناطقه في غرب كردستان وحتى في أماكن حضوره في المناطق غير الكردية من البلاد، سواء من النظام أو من المعارضة المسلحة. وذاك ما شهدناه في سري كانيه، وتل تمر، وفي الشيخ مقصود، والأشرفية، فيما بعض أحزاب الاتحاد السياسي كانت تؤدي دور المرتزقة وحصان طروادة لتلك الجماعات الغازية الهادفة إلى احتلال المناطق الكردية، وإعادة احياء مشاريع التعريب تحت ستار «الثورة».


والحال أنّ البيان الصحافي الصادر عن رئاسة الاقليم إذ يعتمد سرديات الاتحاد السياسي المملة، يتغافل عن حقيقة أنّ غالبية أحزاب المجلس الوطني الكردي ذاته تقف ضد توجهات التكتل المسمى الاتحاد السياسي، الذي بات واضحاً أنّ له ارتباطات وأجندات مشبوهة تسيّره على خلفية صلاته مع بعض قوى المعارضة العربية العنصرية الشوفينية، التي تتنكر لأبسط مقومات الحق الكردي في سوريا. فالحري برئاسة الاقليم تبيان موقفها من السياسات المضرة التي تقترفها هذه الأطراف، والتي تعلن جهاراً نهاراً أنها تمثل النهج البارزاني في كردستان سوريا، ورفع الغطاء عنها وليس توفيره لها كما هو واضح عبر هذا البيان، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بتنسيق كامل بين الطرفين.

هو بيان مرفوض ومتشنج ولا يليق برئاسة الاقليم بما هي مؤسسة وطنية كردستانية، وهو أقرب إلى أن يكون بياناً معبّراً عن الحزب الديموقراطي الكردستاني، الذي ليس خافياً انحيازه لطرف الاتحاد السياسي على حساب بقية الأطراف. والخطير هو تكرار البيان ادعاءات تتعلق باتهام قوات الأسايش ووحدات الحماية بالقتل حتى، ما يجعله محض بيان حزبي يندرج في سياق خدمة المصالح والاعتبارات الفئوية الضيقة، التي تتعارض مع المصالح القومية العليا في كردستاني سوريا والعراق. ولعل اغلاق المعبر الحدودي بينهما من الجانب الكردي العراقي، تزامناً مع هذا البيان يعد ابتزازاً ممجوجاً ولا يسهم إلا في توتير الأجواء، وصبّ الماء في طاحونة جماعة الاتحاد السياسي، التي ما فتئت تدفع نحو افتعال الاقتتال الداخلي في كردستان سوريا، بغية ضرب المكتسبات القومية والديموقراطية المتحققة هناك، تحت مظلة الهيئة الكردية العليا تعويضاً عن عجزها وهزال حضورها ودورها على الأرض.

على رئاسة الاقليم بالفعل إعادة النظر في مواقفها من كردستان سوريا، كما ورد في البيان، عبر البقاء على مسافة واحدة من كافة الأطراف، لا الانحياز لجهة محددة. فاعلان هولير (أربيل) الذي تمخضت عنه الهيئة الكردية العليا يقتضي من راعي الاتفاق، أي رئاسة الاقليم، التصرف بحياد وفق منطق دعم التوافق والتوازن، لا تبني وجهة نظر جماعة صغيرة وضعيفة تعمل ليس على تقويض الهيئة الكردية العليا فقط، بل حتى المجلس الوطني الكردي أيضاً، في مسعى لا حاجة إلى تبيان عدميته.

ثم إنّ هذه النبرة البطريركية والوصائية ما عاد لها مكان في عصرنا هذا، والقول إنّ رئيس الاقليم السيد مسعود البارزاني هو السبب في حال الأمن والاستقرار في غرب كردستان مغالطة كبرى، مع تقديرنا لدوره في رعاية اعلان أربيل. فما تشهده كردستان سوريا من تبلور لأمر واقع الحق الكردي هو بالدرجة الأولى بفضل تضحيات ونضالات الشعب الكردي هناك، وطليعته السياسية ممثلة في حركة المجتمع الديموقراطي ومجلس الشعب لغرب كردستان (وهو بالمناسبة مجلس منتخب من قبل ربع مليون كردستاني، طالما أنّ ثمة إشارة عابرة إلى موضوعة الانتخابات في البيان). تلك الطليعة التي تميزت منذ انطلاق الثورة على نظام البعث القاتل بقراءاتها الاستراتيجية للوضع، والتي تثبت صحتها يوماً بعد يوم، حيث تكلل كل ذلك بتأسيس الهيئة الكردية العليا، بما هي الممثل الشرعي والوحيد لأكراد سوريا، وذراعها العسكرية الدفاعية (وحدات الحماية الشعبية). وعليه فعلى مختلف القوى الكردستانية خارج سوريا التعامل مع هذه الحقائق وعدم القفز على إرادة الشعب الكردي في سوريا، ومحاولة فرض الوصاية عليه ودعم جهود الانقلاب على الهيئة بل احترام خياراته ودعم مكتسباته وانجازاته التي هي بالمحصلة تنعكس ايجاباً على مختلف أجزاء كردستان، ومن ضمنها كردستان العراق.

* كاتب كردي