الشيخ شفيق جرادي*

ليس من الغريب في هذه المرحلة من التحولات السريعة في المنطقة، أن يبرز الحديث عن الديناميّات الصاعدة فيها، إلّا أنّ العجيب الذي يصعب تصوره هو أن يعتقد أحد أنّ بإمكان شعوب المنطقة أن تحتفظ بديناميّاتها فترة طويلة في هذا الجو المتقلّب والمتبدّل.

ولعلّنا لا نجافي الواقع لو قلنا: إنّ سرّ هذه التقلّبات يكمن في أمرين:
1_ سيادة واجتياح العصبيّة كافّة البلدان والاتجاهات الدينيّة والفكريّة والسياسيّة.
2_ معرفة تلك الأطراف بخطورة ما هي عليه وعدم قدرتها، رغم ذلك، على كبح الانزلاق المتسارع نحو مكمن الخطر.
وهذا ما يعني أنّنا بحاجة إلى خطوات ومواقف شديدة الجدّية وبالغة العمق والجرأة من أجل تأمين وتوفير ولو الحدّ الأدنى من ضبط الانزلاق الذي قد يزيح أدياناً ومذاهب وأيديولوجيات ورؤى، عن مضامينها ومبتنياتها.
إنّنا في هذه المرحلة بحاجة إلى إجراء نقد ذاتيّ صريح يشمل الذات في رؤيتها وقيمها ومواقفها وسلوكيّاتها. نقد، نتكيّف فيه مع قناعاتنا العميقة ـــ وأنا هنا أتحدّث عن الإسلاميين تحديداً ـــ فهل فعلًا أنّنا عباد الله الذين آلوا على أنفسهم أن ينصروا المظلوم، وأن يقولوا الحقّ ولو على قطع الرقاب، وأن يخدموا عباد الله، لأنّ في خدمتهم خدمةً لرب الأرباب، وأن القاعدة الذهبيّة في ذلك كلّه هي قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». أم أنّنا نحمل هذه المفاهيم في أذهاننا وتلوكها ألسنتنا، بينما ما نذهب إليه هو طلب السلطة ورضى السلطان، وتدمير القيم والجماعات والقوى وروابط التآلف الإنسانيّ كُرمى لعيون المطامح والتسيُّد على رقاب العباد.
أين نحن؟ ولماذا ما نحن عليه؟
عندما تجتاح دول المنطقة غضبة الثأر من كلّ شيء كنا متصالحين معه، المسلم ضدّ المسيحيّ والعكس صحيح، والسنيّ ضدّ الشيعيّ، وكذا الدينيّ ضدّ العلمانيّ، والكلّ ضدّ الكلّ، حتى بتنا ضد الذوات، ولا مسعى للتصالح إلّا مع أولئك الذين نعتقد أن علينا مسايرتهم لنحكم. أولئك الذين هم أعداؤنا الاستراتيجيون والعقائديون، من أمثال قوى الاستكبار والكفر والظلم والعدوان.
عندما يحصل ذلك، ألسنا مصداق قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة الروم، الآية 32)، ألم نتحوّل إلى أحزاب بمعنى الجماعات القاتلة في المذهب الواحد؟
ماذا فعل الشيعة ليتحوّلوا عند أهل السنّة، أو بعضهم، إلى تهمة يُدان عليها المرء، ومن المحظور أن تدخل الديار؟ وماذا فعل السنّة ليتحولوا عند بعض الأمزجة إلى خصوم؟ أليس السبب هو تلك الفتنة العمياء؟ إنّها فتنة العصبيّة.
قالوا لنا: إن الإسلام يرفض العلمنة لأنّها لا تحترم التشريع الإسلاميّ. والعجيب، أنهم يقدّسون الطائفة والعصبيّة وليس في العصبيّة الطائفيّة إلا التنكّر لكلّ قيم السماحة الدينيّة، فلِمَ يتمسكّون بالطائفيّة وهي قاتلة الأديان في نبضها وحبها ورحمتها؟ ويرفضون العلمنة لأنّها فكرة قالت بصراحة بإبعاد الدين عن الشأن العام؟
إنّي ليست مع العلمنة، لكنّي بتُّ أكفر بكلّ عصبيّة طائفيّة، وعندي أنّ العلمنة المهادنة والمتصالحة مع الإنسان أشرف بألف مرّة من طائفة تقتل الإنسان كلّ يوم ألف مرّة باسم الدين والقداسة المزيّفة التي عِمَّتُها وطربوشها اليوم «التكفير المجانيّ».
نحتاج إلى نقد ذاتيّ، وانطلاقاً من هنا، سأسمح لنفسي بعد هذا بأن أمارسه راجياً من الله الثبات.
* مدير معهد المعارف الحكميّة للدراسات الدينيّة والفلسفيّة