منذ الاستقلال وإلى الآن، كانت البرامج والخطابات/ الأدبيات الرسمية وغير الرسمية تحفل بكلام عن وجوب إصلاح/ تغيير النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي. وبقي هذا الكلام عموماً دون ترجمة عملية. والسبب الرئيسي، كما يبدو لنا، هو عدم توافر شرطين متلازمين: من جهة، عدم تشكل قوى/ كتلة اجتماعية وازنة عابرة للطوائف لها مصلحة بالتغيير وراغبة فيه، ومن جهة ثانية، إتاحة ظروف خارجية (دولية و/ أو إقليمية) تساعد هذه القوى على إحداث التغيير الذي لا عودة عنه.

فلقد ظهرت في لبنان أحزاب وتجمعات وأوساط واسعة نسبياً من المفكرين رأوا في إعادة النظر في النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي، على الأسس المذكورة، الشرط الضروري لإقامة الدولة القوية العادلة والمستقلة. إلا أنها لم تستطع القبض على ما يلزم من سلطة سياسية لإخراج برامجها وأفكارها إلى حيّز الواقع. ولم تستطع كذلك، من خارج السلطة السياسية، إحداث بعض الخروقات الجدية على هذا الصعيد. وهنا نذكّر بتجربة «الحركة الوطنية» في السبعينيات من القرن الماضي التي كادت، بمساعدة المقاومة الفلسطينية، أن تأخذ الحرب الأهلية نحو تغيير جدي في النظام لولا تدخل القوى الدولية والإقليمية. لكن اللافت أكثر هو أن مستلزمات/ مقتضيات بناء دولة حديثة في لبنان كانت، في أكثر الأحيان، حاضرة بشكل أو بآخر في البيانات والمواثيق التي تبنتها العهود والحكومات المتعاقبة في هذا البلد، لكنها لم تجد ترجمة عملية إلا في محاولة يتيمة (التجربة الشهابية) لم تتوافر لها شروط الاكتمال. فالبيان الوزاري لحكومة الاستقلال الأولى نص على أن «من أسس الإصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية... وأن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة إن شاء الله». ونصّ أيضاً على عزم الحكومة على اتخاذ سلسلة طويلة من الإجراءات التي من شأنها إطلاق عملية تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة ومتكاملة. علماً أن البيانات الوزارية للحكومات التي تعاقبت بعد ذلك تكاد تكون طبق الأصل عن هذا البيان، لناحية إعلان العزم على اتخاذ سلسلة الإجراءات نفسها على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، مع إضافة إجراءات أخرى من قبيل إصلاح القضاء، ومكافحة الاحتكار والاستغلال، والقضاء على الفساد والرشوة، والاهتمام بقضايا العمل والعمال...
المهم هو أن معظم ما تضمنته البيانات الوزارية من نصوص بهذا الخصوص بقي حبراً على ورق، بسبب بقاء الدولة في قبضة ما سمي الإقطاع السياسي الطائفي المتحالف مع كبار التجار، في ظل الهيمنة السياسية الاقتصادية للمعسكر الغربي الرأسمالي على المنطقة العربية. إلى ذلك أضف النمو المتسارع لقطاع الخدمات (الناتج من سلسلة التحولات التي شهدتها هذه المنطقة العربية من الاحتلال الصهيوني لفلسطين إلى ارتفاع عائدات النفط المالية، مروراً بالانقلابات العسكرية) الذي ساعد على ترسيخ أسطورة «الازدهار» الاقتصادي.
شكّل مجيء الرئيس فؤاد شهاب إلى الحكم في أواخر عام 1958 نقطة تحول مهمة في نظرة الدولة في لبنان إلى دورها الاقتصادي والاجتماعي. فلأول مرة تسعى السلطة السياسية في هذا البلد إلى تكوين رؤية تنموية وتعمل على وضعها موضع التنفيذ. وليس من باب الصدف أن يأتي هذا التحول في أعقاب حرب أهلية خاطفة رأى فيها الحكم الجديد ناقوس خطر يدق مهدداً وحدة لبنان إن لم يكن وجوده. ليستنتج بالتالي أن إزالة هذا التهديد تتطلب الذهاب إلى أبعد من رؤية الأسباب السياسية المباشرة التي كانت وراء هذه الحرب، ومعالجة أسبابها العميقة المتمثلة باختلالات البنية الاقتصادية الاجتماعية التي كشف عنها تقرير بعثة «ارفد»، والتي لم يستطع «الازدهار» الاقتصادي التخفيف منها. نعني التفاوتات الحادة بين قطاعات الإنتاج (هيمنة قطاع الخدمات مقابل ضعف قطاعي الزراعة والصناعة) وبين مناطق البلاد (الاستقطاب الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي الكبير حول بيروت على حساب المناطق الأخرى) وبين الفئات الاجتماعية (4% من السكان يستأثرون بنحو ثلث الدخل الوطني مقابل50% من الفقراء). وبالفعل بدأ الحكم الشهابي بإقامة الأطر المؤسسية القانونية والإدارية اللازمة لانخراط الدولة في دورها التدخلي الجديد. فكان إنشاء البنك المركزي ومجلس تنفيذ المشاريع الكبرى والتفتيش المركزي ومديرية الإحصاء المركزي ومصلحة الإنعاش الاجتماعي والمشروع الأخضر والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلخ... ثم جرى وضع وتنفيذ خطة لتوسيع وتطوير البنية التحتية والهياكل الأساسية، نتج منها وصل معظم الأراضي اللبنانية بشبكة من الطرقات المعبدة وتزويدها بالكهرباء والمياه الصالحة للشرب. لكن لم يتسنّ لهذه التجربة أن تذهب أبعد من ذلك؛ فلم يحدث تغيير جذري في طبيعة النظام السياسي الطائفي، وانحصرت المشاريع التنموية في معالجة المشاكل الناتجة من اشتغال النظام الاقتصادي الليبرالي المتطرف. كل ما هنالك أن شهاب، في ظل التفاهمات الدولية الإقليمية (الأميركية - المصرية) التي وضعت حداً لحرب 1958 وجاءت به إلى الحكم ورعت تجربته التنموية، وبالاستناد داخلياً إلى الأجهزة الأمنية ومجموعة من الموظفين الإداريين الأكفاء، استطاع أن يبقي الدولة على مسافة معينة من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضيقة للزعامات التقليدية الطائفية المناطقية والبورجوازية التجارية الخدمية. لذلك رأينا التجربة الشهابية نفسها أخذت بالتراجع مع انفراط عقد التفاهمات الدولية الإقليمية التي حضنتها في أعقاب حرب 1967. وأدى هذا الانفراط، مع تدخل العامل الفلسطيني، إلى ولوج لبنان مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، انتهت باندلاع حرب أهلية مدمرة استغرقت خمس عشرة سنة. وكما هو معلوم، لم تضع هذه الحرب أوزارها إلا نتيجة لتفاهمات دولية إقليمية جديدة (غربية - سعودية - سورية) جرت الأطراف اللبنانية المتنازعة إلى الموافقة على ما سمي «وثيقة الوفاق الوطني» (اتفاق الطائف). ويبدو من بعض النصوص التي تضمنتها هذه الوثيقة أن واضعيها قد استخلصوا الدروس التي ينبغي استخلاصها من مسيرة التطور السياسي والاقتصادي الاجتماعي للبنان منذ الاستقلال؛ إذ يظهر بوضوح ربطهم مسيرة السلام في هذا البلد بمعالجة التشوهات العضوية التي رافقت هذا التطور. فعلى الصعيد السياسي نصت الوثيقة على وجوب تشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، والبدء بإجراء انتخابات خارج القيد الطائفي، مع استحداث مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف، وتحقيق المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في السلطتين التشريعية والتنفيذية والمناصب الإدارية من الفئة الأولى. وعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي نصت الوثيقة في مبادئها العامة على أن «الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً هو ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام»، ونصت أيضاً على «العمل على تحقيق عدالة اجتماعية شاملة من خلال الإصلاح المالي والاقتصادي والاجتماعي»، وتحت باب «الإصلاحات الأخرى» نصت الوثيقة نفسها على «اعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً».
يضيق المجال هنا عن الدخول في تفاصيل التطور السياسي الاقتصادي الاجتماعي للبنان في ظل التفاهمات الدولية الإقليمية الجديدة التي وضعت لبنان تحت الوصاية السورية. تكفي الإشارة إلى أن مجرى الأمور العملي ذهب بعيداً من نصوص اتفاق الطائف. فعلى الصعيد السياسي، اقتصر الإصلاح على إدخال نوع من التوازن الطائفي لمصلحة الطرف المسلم. لكن السلطة السياسية أصبحت بالمقابل، وبشكل فاضح، أداة للمحاصصة وتوزيع المغانم بين ممثلي الطوائف للمال العام ومؤسسات الدولة، وذلك بالتلازم مع تخليها عن أهم وظائفها السيادية: السياسة الخارجية والأمن الداخلي أصبحا في عهدة الوصاية السورية، تحرير أراضي الجنوب المحتلة أوكلت مهمته إلى المقاومة الإسلامية، مشروع النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار ترك حكراً على الرئيس رفيق الحريري. أما على الصعيد التنموي، فقد أدت السياسات النقدية والمالية والاقتصادية التي اتبعت في إطار المشروع المذكور إلى تقليص القاعدة الإنتاجية للاقتصاد وتضخيم النشاطات الريعية، بالترافق مع إعاقة النمو الاقتصادي وتكبيل البلد بمديونية خطيرة، وتعميق التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق والفئات الاجتماعية، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهجرة.
إن أسباب بقاء نصوص اتفاق الطائف، التي كان يمكن أن تشكل مرتكزات لبناء دولة مدنية تنموية، حبراً على ورق هي نفسها الأسباب التي كانت دائماً وراء تعثر بناء الدولة منذ الاستقلال، والتي تتلخص بعدم تشكل قوى اجتماعية جديدة وازنة عابرة للطوائف، تحمل همّ بناء دولة على أسس مغايرة للأسس التي قامت عليها دولة الاستقلال، وتستظل بقوى خارجية تدعمها في هذا الاتجاه. فقد أوكل أمر تنفيذ هذا الاتفاق إلى مركب/ تحالف من ممثلي الطوائف، تختلط فيه إلى حد بعيد السياسة بالمال، تركت الوصاية السورية أطرافه يتنازعون، تحت إشرافها، على تحاصص المواقع السياسية والإدارية والمال العام والاحتكارات الاقتصادية. ذلك أن النظام السوري رأى في إشرافه على عملية التنازع/ التحاصص هذه وإدارتها ضرورة لتعزيز دوره لاعباً رئيسياً على الساحة الإقليمية. هذا في وقت فرضت فيه الأحادية القطبية الأميركية ونيوليبراليتها المتوحشة نفسها على معظم بلدان العالم. بذلك لم يتوافر لمرحلة الخروج من هذه الحرب ما توفر لمرحلة الخروج من حرب 1958 الصغيرة من ظروف تدفع نحو التغيير: أي السلطة السياسية المستقلة نسبياً عن المصالح الفئوية لتحالف أمراء الحرب وحيتان المال والأعمال، ومناخ دولي اقليمي ملائم.
بعد إعلان الولايات المتحدة الحرب على «الإرهاب» وعزمها على إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة، وما استتبع ذلك من احتلال للعراق، عادت الصراعات لتحتدم في هذه المنطقة، ما أدى إلى انفراط عقد التفاهمات الدولية والإقليمية التي كانت قائمة في ما يخص لبنان. فدخل هذا الأخير منذ اغتيال الرئيس الحريري والخروج السوري في عام 2005 في أزمة جديدة، اشتد فيها الصراع المزدوج بين ممثلي الطوائف على السلطة السياسية (منهم من يريد تحسين موقعه الذي حجمته الوصاية السورية، ومنهم من يريد المحافظة على الموقع المكتسب في ظل هذه الوصاية) وعلى موقع لبنان في الاصطفافات الدولية الإقليمية الجديدة. إلى أن وصل هذا الصراع إلى صدامات مسلحة خطيرة في عام 2008، عادت التفاهمات الدولية الإقليمية معها لتنتج إتفاقاً آخر هو اتفاق الدوحة الذي أدى الى تسوية، ما لبثت أن انفرطت مع تحول الحراك الشعبي في سوريا ضد النظام إلى صراع دولي إقليمي، ما جعل الأزمة في لبنان تعود لتصل إلى حدود بالغة الخطورة: انقسامات ونزاعات طائفية ومذهبية متزايدة الحدة، أزمة اقتصادية معيشية خانقة، تلاشي وتحلل ما كان قد بقي للدولة من وظائف ومظاهر سلطوية على مختلف الصعد: الأمن، القضاء، الإدارة العامة، الاقتصاد، المرافق العامة، العلاقات الخارجية إلخ...
ومع تكاثر وتصاعد الحوادث والصدامات المسلحة الموضعية، أصبح اللبنانيون يعيشون في حالة من الخوف، بل من الرعب من أن تتحول هذه الاخيرة، بين عشية وضحاها، إلى حرب أهلية مفتوحة لا تبقي ولا تذر. من هنا كثرة الأصوات التي ترتفع في الوقت الحاضر مطالبة بإعادة بناء الدولة/ العبور إلى الدولة/ إصلاح الدولة، باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد للخلاص من شبح الحروب الأهلية ودوامتها الجهنمية. لكن ما يمكن أن يشكل موضوع إجماع عند اللبنانيين على هذا الصعيد، يتوقف عند هذا الحد؛ إذ يعودون، تبعاً لاصطفافاتهم الحزبية/ الطائفية، للاختلاف على معالجة الإشكالية الرئيسية للمسألة والمتمثلة بالكيفية التي يجب أن تجري بها عملية إعادة البناء/ العبور/ الإصلاح والأسس التي يجب أن تقوم عليها. فنحن، في هذا المجال إزاء رؤى وشعارات متنافرة، تطرحها القيادات السياسية الحزبية الطائفية المتحكمة بحركية الاجتماع السياسي في لبنان وأوساط واسعة من المفكرين والمثقفين، كل من زاوية مصلحته الخاصة. رؤى وشعارات تركز على ضرورة معالجة مسائل/ مشاكل جزئية ترى أن الخصم وحده هو مسببها، من قبيل الاستئثار بالسلطة، الفساد، السلاح غير الشرعي، الارتباطات الخارجية إلخ... ويفوتها، أو بالأحرى لا تريد أن ترى، أن هذه المشاكل ما هي إلا نتائج/ إفرازات لآلية اشتغال النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي، وأن معالجتها وغيرها من المشاكل الكثيرة التي تعانيها الدولة اللبنانية إنما تتطلب إعادة بناء هذا النظام على أسس جديدة. بالمقابل، بقيت الاصطفافات والاستقطابات السياسية الطائفية والمذهبية تقف سداً منيعاً أمام تشكل قوة اجتماعية، عابرة للطوائف والمذاهب، وازنة وقادرة على طرح وتنفيذ مشروع إنقاذي متكامل. ففي غمرة الحراك الثوري العربي في سنة 2011، شهد لبنان بداية حراك مماثل رفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». لكن هذا الحراك ما لبث أن توقف بعد عجزه عن حشد ما يكفي من قوى دون التعرض لمصادرته من قبل بعض أطراف النظام. وإذا وضعنا جانباً هذه المحاولة الطموحة الفاشلة، نلاحظ أن القوى، من أحزاب و«منظمات مجتمع مدني»، التي تعتبر نفسها خارج النظام، بقيت عاجزة أيضاً عن جر القابضين عليه إلى إحداث بعض الخروقات الجدية التي من شأنها أن تشكل، منفردة أو مجتمعة، مدخلاً لبناء الدولة الوطنية القوية العادلة والمستقلة: كسنّ قانون انتخابي جديد خارج القيد الطائفي يقوم على النسبية، أو تحسين القدرة الشرائية للرواتب والأجور و/ أو إقامة شبكة تأمينات اجتماعية شاملة ومتكاملة بتمويل من الضرائب على الريوع والمداخيل العالية والثروات الكبيرة، أو حتى قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية...

مدى توافر الشروط اللازمة لإعادة بناء الدولة في الوقت الحاضر

على الرغم من استمرار ذوي النيات الحسنة في محاولاتهم إحداث خروقات جدية في بنية النظام، والجهود التي تبذل من قبل أطراف كثيرة داخل الحكم وخارجه لوقف تدهور الأوضاع نحو الأسوأ، فإن الجميع يدرك الآن أن لا حول ولا قوة محلية ذاتية إزاء تطور الأوضاع في لبنان في المدى المنظور. فمسألة اندلاع حرب أهلية جديدة في هذا البلد أو بقاء الأوضاع على ما هي عليه حالياً أو تهدئتها، تتعلق في نهاية المطاف بمسار الصراعات الدولية الإقليمية في المنطقة، وعلى وجه الخصوص بما سيؤول إليه الصراع في سوريا وعليها.
لكن ماذا بخصوص مسألة تغيير النظام وإعادة بناء الدولة في هذا السياق؟
تميّز لبنان عن بقية بلدان المنطقة العربية بنظامه السياسي الاقتصادي. هذه الفرادة جعلت، كما سبق أن رأينا، احتدام الصراعات الدولية/ الإقليمية في هذه المنطقة وعليها ينعكس فيه باستمرار أزمات عنيفة ومدمرة. وإذا وضعنا الانقلابات العسكرية جانباً، نلاحظ أن بقية بلدان المنطقة العربية لم تشهد صراعات/ أزمات سياسية اجتماعية داخلية عنيفة شبيهة بتلك التي كانت تعصف بلبنان. الأمر يختلف الآن؛ فمع المتغيرات المستجدة في موازين القوى على الصعيد العالمي نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وفشله في أفغانستان والعراق، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ هذه المنطقة. نعني مرحلة الحراك الشعبي الذي انطلق من تونس في أواخر عام 2010 ولا يزال يتفاعل بشكل أو بآخر في معظم البلاد العربية. فالصراعات لم تعد تدور في هذه الأخيرة بشكل رئيسي بين أنظمة هذه البلدان أو مع الخارج الأجنبي، بل انتقلت أيضاً إلى داخلها بهدف تغيير الأنظمة نفسها. وبناءً عليه، لا يبدو لنا أن النظام اللبناني لا يزال، ضمن هذه المعطيات، قادراً على العودة إلى تجديد نفسه. لقد أصبح مصيره مرتبطاً بشكل عضوي بما ستؤول إليه الأنظمة في المنطقة العربية المجاورة، وخصوصاً النظام في سوريا. هذا يعني أن لبنان هو الآن، كما بلدان المنطقة، أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما الانحلال والشرذمة، وإما انطلاق الدولة المدنية التنموية الديموقراطية المتحررة من التبعية للأجنبي.
طبعاً هذا لا يعني أن تبقى قوى التغيير الفعلي في لبنان مكتوفة الأيدي بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في المنطقة؛ إذ ليس أمامها من خيار سوى أن تستمر في بذل ما بوسعها من جهود لتهيئة الظروف الذاتية والموضوعية التي من شأنها التمهيد لقيام الدولة المنشودة. وبهذا الخصوص يمكن هذه القوى، بل يجب عليها، أن تؤدي دوراً محورياً في العمل على إقامة إطار مناسب لتجميع الجهود وتنسيقها بين مختلف قوى التغيير العربية. ليس فقط لأن في ذلك تسريعاً لعملية التغيير في لبنان، بل أيضاً لأنه ضمن المعطيات الدولية الراهنة وظروف البلاد العربية الخاصة، أصبح الإطار القطري لكل بلد عربي يضيق عن توفير متطلبات التنمية المتوازنة والمستقلة، ما يجعل من الضروري أن يعمل التغييريون العرب مجتمعين، على إيجاد إطار سياسي اقتصادي مناسب للتعاون والتكامل في ما بين بلدانهم، أكثر فعالية من الأطر القائمة شكلياً في الوقت الحاضر.
* أستاذ جامعي وباحث اقتصادي