إن كان يوم 15 آذار 2011 لدى بعض السوريين ذكرى انطلاق الثورة ضد النظام السوري، ولدى آخرين جزءاً من المؤامرة التي تستهدف سوريا وموقعها المقاوم، فإن الأيام المقبلة تطرح تساؤلاً: ما مستقبل الشعب السوري؟! في حاضر يحمل نازحين ولاجئين ودماراً وشهداء، حاضر اهتزت فيه المياه الراكدة في المجتمع السوري لتطفو على السطح مشاكله وأزماته الداخلية. تساؤلات داخلية لا ترحمها القوى الاقليمية والدولية من فرض أجوبتها عليها للسيطرة على الثروات الباطنية.

معمودية الدم والنار والفكر التي يمر بها الشعب السوري لن تعود به إلى ما قبل 15 آذار، ولن تخرج به كما تمنى كل طرف من أطراف الصراع، فالمرحلة التي تمر بها البلاد يمكن تسميتها «الطفرة التاريخية»، وهي اللحظة التاريخية التي يبدأ فيها المجتمع بالتطور من حالة إلى أخرى، وهذه الطفرة لا يمكن تحديد توقيت بدايتها ولحظة انتهائها مسبقاً، فالزمن عبورٌ مستمر من الماضي إلى الحاضر، فهو جزء من الحركة التاريخية التي يمر بها المجتمع، وهذه الحركة الدائمة والطفرة التاريخية هما تفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية لتصل إلى مرحلة معينة، إما أن تتحول إلى وعي مجتمعي، ومن ثم إلى نهضة عامة، أو أن تذهب إلى الفوضى والعشوائية التي تنتج تقسيماً للبلاد وحروباً أهلية.
ليس الصراع في سوريا معركة من أجل السلطة فقط، هو جدل بين الثابت والمتغير في المجتمع بمختلف أبعاده الوجودية. هذه الجدلية الدائمة في مسيرة الشعوب، التي تطرق أبواب الهوية والدين والانسان والفكر في تحدّ واختبار للقيم المجتمعية في مدى إمكانية تطورها على نحو إيجابي، أو تدهورها بطريقة سلبية. فالهوية السورية جدليتها الحالية هي في العلاقة بين الريف والمدينة والفروق الاقتصادية والثقافية بينهما، كما تطرح جدلية الطائفة والعشيرة والمواطنة، دون أن ننسى مفهوم العروبة والمشرقية وضرورة إعادة النظر في صورتهما الحقيقية. الفكر الديني وخاصة الفكر الاسلامي هو جدل يتعدى حدود الدولة السورية، فالصراع بين أفكار وحركات تكفيرية تهدف إلى هدم الدين الاسلامي من داخله، ونهضة فكرية إسلامية تحافظ وتحصن قيم التسامح والرحمة، وهذا ما يحتاج إلى طفرة فكرية دينية في الفقه والاجتهاد تقف في وجه المد الوهابي.
إن جدلية الثوابت والمتغيرات في هذه اللحظة التاريخية تتطلب من الانسان السوري، الانسان المجتمعي لا الفرد، حكمة وإدراكاً مفادهما أن كفة الميزان تميل نحو الماضي، أي نحو الركود والجهل واستحضار القديم لانزاله على الحاضر والابتعاد عن الابداع والاجتهاد. ولا تعدل كفة الميزان بالتوجه نحو المتغيرات على نحو عشوائي، كما حصل في بدايات القرن العشرين، حين عاش بعض المفكرين العرب نشوة الاشتراكية والأفكار الغربية، وحاولوا تطبيقها على مجتمع غير مهيئ لها بعد خروجهم من الاحتلال العثماني والانتداب الأوروبي. فالمطلوب هو محاولة إقامة التوازن بين الكفتين بإدراك أنه ليس هناك حاجز بين المستقبل والماضي، وإنما طريق يتطور وينتج، يحوي التراث ويجعل منه قوة دفع للحاضر من جهة، ويعمل بعقل منفتح ومبدع من أجل الانتقال من المجتمع الاستهلاكي إلى الانسان المنتج من جهة أخرى. ليس الهدف الوصول إلى الحالة المثالية، بل تحقيق التوازن المطلوب والواقعي.
كيف نحقق هذا التوازن الذي ينتقل بالطفرة التاريخية نحو الوعي المجتمعي؟ يجري التداول محلياً وإقليمياً ودولياً بالمرحلة الانتقالية والتسوية السياسية التي تخرج البلاد من أزمتها، ويجري الحديث عن الحكومة الانتقالية والانتخابات الرئاسية ودور النظام والمعارضة في كل منها.
في لعبة الأمم هذه المرحلة واقعية وضرورية، لكن في الواقع الوطني، علينا تغيير المفاهيم وتسميتها المرحلة الإنقاذية. والمطلوب عودة الأمن والأمان والاستقرار، والمحافظة على سيادة الدولة السورية وهيبتها، وإعادة هيكلية بناء جسور الثقة من خلال العدل الاجتماعي، وتهيئة أجواء الحوار، وتوجيه قراراته على نحو صحيح على الأرض. هذه المرحلة هي التي تضمن تطور اللحظة التاريخية نحو الوعي.
المرحلة الانتقالية هي التي تلي الإنقاذية، أي المرحلة التي يبدأ فيها الوعي المجتمعي بالنضج متجهاً نحو البدء بمسيرة النهضة، وهذا النضج يجري ضمن شراكة مجتمعية تكون الدولة هي صاحبة اليد الطولى في التحكم فيه، لكن بالتعاون والتوازي مع كافة شبكات المجتمع الحزبية والمدنية والمؤسساتية. فالمرحلة الانتقالية تعيد هيكلة مؤسسات الدولة، ويعيد المجتمع صياغة كيانه، حيث تؤدي المعرفة والثقافة والتربية دوراً مهماً فيها، وهي المرحلة التي ينتقل فيها المجتمع والدولة، لا السلطة فقط نحو صياغة نظام اجتماعي جديد كخطوة تأسيسية للنهضة.
الحاجة إلى النهضة أكثر من الحاجة إلى الثورة والإصلاح، فهي تشمل كافة شرائح المجتمع، لا فئة واحدة منه فقط، وتدخل في تكوين الدولة، لا في مجرد مؤسسة واحدة منها. النهضة تبدأ من الانسان والأسرة والحي والمحافظة والدولة بكل ما تحمله هذه المتحدات الاجتماعية من علاقات اقتصادية وثقافية. إن عامل الوقت ضروري، لكونه يتطلب منا عملاً مستمراً مع إعطاء كل مرحلة حقها في نموها وتطورها وتكوين ذاتها للانتقال إلى مرحلة اخرى.
التركيز على المراحل الداخلية لا يجوز أن يعمي عيوننا ويصمّ آذاننا عن سماع أصوات آلات حفر النفط ومد أنابيب الغاز التي تحولت إلى مسطرة وقلم تقسم على أساسها دول المنطقة. فالتوازن السياسي بين الداخل والخارج أمرٌ ضروري، وخاصة أن دولنا من نتائج اتفاقية سايكس ـــ بيكو التقسيمية، فنحن مستعدون مرة جديدة لإعادة التقسيم بطريقة أسوأ من التي عاشتها بلادنا في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين.
يتحدث الكاتب نسيم طالب في كتابه «البجعة السوداء» عن أنّ هناك أحداثاً تاريخية غير متوقعة تمر بها الشعوب، وهي تشبه تلك البجعة السوداء التي كان يعتقد العالم الغربي باستحالة وجودها، لأنه لا يعرف إلا البجع الابيض. فالمستحيل لم يعد موجوداً، بل أصبحت التحولات التاريخية تحدث على نحو غير متوقع، والمطلوب هو إما التعامل معها أو أن تخلق هذه المجتمعات بجعتها السوداء وتنتقل إلى مرحلة جديدة. فهل ينتظر السوريون القرار الروسي والأميركي لكي يطلقوا البجعة السوداء في تسوية الأزمة السورية، ويتلقوها ويجعلوا من هذه اللحظة التاريخية بداية جديدة، أم أن الفرص الضائعة ستبقى مرافقة لتاريخ ومستقبل شعوب المنطقة.
* كاتب لبناني