يمرّ الصراع السياسي القانوني التاريخيّ الطويل من أجل كفّ يد السلطة الدِّينية في لبنان والمشرق عامّة عن التحكّم بالأحوال الشخصيّة في مرحلةِ ترنُّح وتراجُع تحت وهْم التقدّم، أو هو يتقدّم نحو الهاوية! هذا لأنّ طرْح القانون الوطنيّ للأحوال «الشخصية»، ومن ضمنها الزواج المدنيّ، بات لا يأتي إلّا مدموغاً بوصفة، بل وصمة «الاختياري»! اختياري أقرب إلى المزاج لا إلزاميّ كما القانون! اختياري ليناسب أفراداً لا إلزامي ليعبّر عن مجتمع ويصونه؛ اختياريّ ككونفيدراليّة طوائف لا إلزاميّ كدولة مركزيّة موحَّدة!


والحال، فالنقاش ما عاد مفتوحاً على المدافعين عن الأحوال الشخصيّة الطائفيّة فقط، بل تعدّاه إلى الراضين بالأحوال الشخصيّة المدنيّة اختياريّاً.
في البدء ملاحظتان ضروريّتان:
الأولى، أنّ الأحوال الشخصيّة بتسميتها «شخصيّة»، خدّاعة ميّاعة، إذ إنّها توحي بأنّ الأمر خاص، ولا علاقة للدولة كمؤسّسات أو للمجتمع كمتَّحدٍ حيٍّ به.
صحيح أنّ خيار الزواج وشخص الحبيب أو الحبيبة مسألتان خاصّتان، ولكنّ القانون الذي ينظّم ويضبط الزواج وما يترتّب عليه أمر حقوقيّ جامع ومن مسؤوليّة الدولة كأيّ قانون آخر. إنّ الزواج والطلاق والإرث أحوال «شخصيّة» بالاسم أمّا بالفعل فاجتماعيّة بامتياز لأنّها ترسي أسساً وتنمّي علاقات وأخلاقاً وتعكسها في آن معاً عن المجتمع ومفاهيمه وحقوقه في ما يخصّ العائلة وأفرادها.
والثانية، أنّ للـ«اختياريّ» دائماً وقعاً نفسيّاً أفضل من الـ«إلزاميّ»، إذ إنّ الإنسان بطبيعته ميّال إلى اختيار الاختيار لا الخضوع للإلزام، وبالتالي، فهو أكثر قبولاً للزواج المدنيّ لو أتى «اختياريّاً» منه ملزِماً. غير أنّ المسألة هنا، مجدَّداً، قانونيّة، وعلى العقل الواعي أن يغلب اللاوعي، كما وعلى التفكير أن يعلو على الانطباع الأوّلي.
فالإلزام في قانون الأحوال الشخصيّة المدنيّة، ككلّ قانون آخر، ليس تعدّياً على الحرية الشخصية بل التزام بالدولة ومرجعيّتها.


■ ■ ■


ولكن، قبل تفنيد النقاط التي توجب أن يكون أي قانون وطنيّ للأحوال الشخصيّة إلزاميّاً بالضرورة وليس اختياريّاً، وبعيداً عن مقاربة فلسفيّة للموضوع، كالفرق بين علاقة الإنسان مع الآلهة ــ الأفكار والعلاقة مع الدولة، وفي ماهيّة مصدر التشريع وغايته، وفي هل الزواج سرّ إلهيّ أم طبيعة بشريّة أم تنظيم إنسانيّ. لا بدّ من لفتة سريعة نحو رأس حربة القوى الرافضة للأحوال الشخصيّة المدنيّة:
على رجال الدِّين أن يفهموا أنّ كتب الدِّين التي يقدّسون تُلزِمهم وحدهم بمضمونها ولا تُلزِم مَن لا يؤمن بها من المواطنين كتاباً مقدَّساً أزليّاً سرمديّاً. تُلزمهم ولا تلزم الدولة! لها عند الكثيرين والكثيرات كما لأيّ كتاب في مكتبة، الاحترام ولكن ليس القداسة!
وعلى رجال الدِّين أن يقبلوا أنّ الإله «الله» الذي يردّون إليه مصدر «التشريع» هو للكثير من المواطنين والمواطنات ليس أكثر من فكرة، كالإله «شمش» الذي اعتبره حمورابي ملك بابل مصدر شريعته وآمن بذلك البابليّون. وتماماً مثلما رجال الدِّين واثقون من وجود «الله» ووجوب طاعته في تشريعاته، يثق آخرون، مواطنون لبنانيّون أيضاً، بعدم تأثيره في الحياة وعليها في السياسة والقضاء والاقتصاد والاجتماع والفنّ والعلم أكان موجوداً أم لم يكن. فيما يثق آخرون، موطنون لبنانيّون أيضاً وأيضاً، بعدم وجوده إلّا اختراعاً إنسانيّاً كمرحلة ابتدائيّة في التفكير والمعرفة الإنسانيّين.
وعلى رجال الدِّين أن يعتادوا فكرة أنّهم في الدولة اللبنانيّة مواطنون ورأي الفرد منهم يساوي بقيمته الإنسانيّة والقانونيّة، رأي الفرد من غير المؤمنين بكتبهم وتفاسيرهم. لا أكثر ولا أقلّ. ومصدر التشريع في دولتنا اللبنانيّة، هو العقل البشريّ، إذ لا ذكر أنّ أيّاً من الإسلام أو الكنيسة أو غيرهما مصادر تشريع.
على رجال الدِّين أن يفهموا وأن يقبلوا وأن يعتادوا!

■ ■ ■


غير أنّ الخطر على مشروع الأحوال الشخصيّة الوطنيّة لا يأتي هذه المرّة من الروافض فحسب، بل وأيضاً من بعض دعاتها أنفسهم، الراضين باختياريّتها، وهم في ازدياد، أحزاباً وجمعيّات وأفراداً. أولئك، ورغم مقاصدهم/هنّ الطيّبة، إلّا أنّهم/هنّ يخطئون:

أوّلاً: في الدستور

إنّ نقطة الانطلاق لتشريع قانون وطنيّ إلزاميّ للأحوال الشخصيّة هي السيادة! فالمادّة 16 من الدستور تنصّ على أن: «تتولّى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النوّاب»، فيما الدّولة اللبنانيّة تتنازل عن حقّ التشريع القانونيّ بمواضيع الأحوال الشخصيّة وتسلّمه إلى هيئات طائفيّة موظَّفة لديها؛ هيئات هي أقلّ من الدولة حتماً ولكنّها تُملي على الدولة وتسود عليها! ما يعني أنّ في لبنان مواطنين غير منتخَبين يشرّعون لمواطنين! مواطنون، يمتهنون مهنة رجال دين، يشرّعون في زواجٍ وإرث وطلاق وولادة وممات لمواطنين يمتهنون مئات المهن الأخرى!
أمّا كيف تسلّم الدولةُ الهيئات الطائفيّة حقّ التشريع، فبهرطقة المادّة التاسعة: «... الدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى... تضمن للآهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصيّة والمصالح الدِّينيّة». الدولة تحترم النظام! الكلّي يحترم الجزئيّ. الأصل يحترم الفرع. الثابت يحترم المتغيّر. نِعمَ المشرّعون! أمّا مِن أين أتى «نظام» الأحوال الشخصيّة، فليس من الدستور، بل من خارج الدولة، وتحديداً من متصرّفيّة ملل ونحل القرن التاسع عشر والقائمقاميّتين وما قبل!
والنقطة التالية هي المساواة التي تضمنها مقدّمة الدستور في الفقرة «ج»: «لبنان جمهوريّة برلمانيّة، تقوم على احترام الحرّيّات العامّة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل»، كما ومع المادّة السابعة: «كلّ اللبنانيّين سواء لدى القانون وهم يتمتّعون بالسواء بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامّة دونما فرق بينهم»، فيما تؤدّي الأحوال الشخصيّة الطائفيّة إلى عدم المساواة بين اللبنانيّين.
ما يفيد بأنّ قوانين الأحوال الشخصيّة الطائفيّة المشرَّعة من هيئات غير ذي صلاحيّة ينتج منها حقوق وواجبات مختلفة بحسب كلّ طائفة، هي غير شرعيّة لأنّها في تناقض واضح فاضح مع مقدّمة الدستور والمادّتين 7 و16.
من الغريب إذاً أن ينصّ المبدأ الأوّل الإصلاحيّ الذي وضعه أنطون سعاده للحزب السّوري القومي الاجتماعيّ عام 1932: «فصل الدِّين عن الدولة»، والثاني الإصلاحيّ: «منع رجال الدِّين من التدخّل في شؤون السياسة والقضاء القوميّين»، والثالث الإصلاحيّ: «إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب»، مبادئ حاسمة وواضحة ولا تحتمل الزغل، بينما يقدّم الحزب في العام 1997 مشروعاً اختيارياً فقط للأحوال الشخصيّة. بل من المعيب!
ومن الغريب أنّ يلحظ مشروع قانون جمعيّة شمل المبدأ السياديّ في ثالث الأسباب الموجبة التي يذكرها: «لا وجود لدولة مستقلّة وذات سيادة، إن لم تكرّس سيادتها من خلال تشريعاتها وقوانينها الذاتيّة، ولا سيادة لدولة لبنان الديمقراطيّة البرلمانيّة إلّا من خلال استكمال سنّ قوانينها المدنيّة. هذه السيادة للدولة اللبنانيّة ما زالت ناقصة ومنتقصة في مجال الأحوال الشخصيّة...»، وفي الآن نفسه، تتصدّر مقدّمة المشروع: «بات واجباً على الدولة اللبنانيّة إقرار قانون مدنيّ ينظّم الأحوال الشخصيّة لمَن يختار عقد زواجه وفق أحكام هذا القانون...»! فأيّ تناقُض! السيادة على منحر الاختياريّ! عبارة المطلع تنسف إيجابيّات المشروع وأسبابه الموجبة اللاحقة وتعطّلها. فالتشريع المدنيّ فقط لمَن يختار عقد الزواج مدنيّاً لا يلغي قوانين الطوائف غير الصادرة عن مجلس النوّاب. والحال، تبقى السيادة مخترقَة ومسلوبة ومخطوفة! فأيّ إشراك بالدولة ومعناها أعظم؟!

ثانياً: في الغاية

ليست غاية الزواج الوطنيّ المدنيّ تأمين التسهيلات العمليّة لأفراد مهما زاد عددهم، ولا توفير كلفة السفر إلى قبرص أو غيرها ولا هي مسألة ترتيبات، ولا هي إيجاد مخرج ملائم أو مهرب أو مسرب للراغبين في الزواج بتحاشي طوائفهم، ولا حلاًّ لشخصين من طائفتين أو دينَين مختلفين كي يتزوّجا مع بقاء كليهما على طائفته. أيّ تسخيف هذا لجوهر المسألة!
إنّ الغاية هي في المنطلَق نفسه! أي انّ الدولة، عبر مشرّعيها المنتخَبين، هي المرجعيّة المسؤولة عن سَنّ القوانين العامّة بما يؤمّن الوحدة القانونيّة ــ السياسيّة ــ الاجتماعيّة لها، وليست أي جهة أخرى.

ثالثاً: في الوظيفة

للقوانين وظيفة تعبيريّة مستقبليّة وليس فقط وظيفة تمثيليّة راهنة، وللتشريع قوّة شقّ مسارات إلى ما تراه الدولة المُرتجى والأفضل، إلى ما يؤمّن سلامتها ويضمن استمراريّتها وتطوّرها ونموّها ووحدتها وسعادتها. التشريع تفجير حياة لا مراوحة فوق قبور! فتشريع قانون للأحوال الشخصيّة موحَّد هو في آن واحد قانون موحِّد للمجتمع! لقد تأخّر القانون الوطنيّ للأحوال الشخصيّة عن الصدور عشرات السنين، وتفكُّك المجتمع وانحلاله في ازدياد يوماً بعد يوم، واقتتالاً إثر اقتتال، وقانون انتخاب إثر قانون انتخاب! ومن واجب السلطة التشريعيّة في الدولة اللبنانيّة أن تساهم بما هي مخوَّلة به لضمان وحدة الدولة مجتمعاً وأرضاً ومؤسّسات، لا بالمَكيَجة الاختيارية، بل بما يدعم بناء الوحدة الحقوقيّة ــ الاجتماعيّة، عبر تشريع أحوال شخصية وطنية.

رابعاً: في الاستخدام

إنّ الدولة اللبنانية هي المرجعية المسؤولة عن المواطنين وتنظيم إضباراتهم ورصد تغيّر أحوالهم الشخصية وما يترتّب على ذلك من تغيّر في الضرائب الواجبة... إلخ؛ الدولة لا الطائفة! والدولة هي المسؤولة عن توقُّع النمو السكاني ووضع الخطط لتنظيم المدن والقرى وما يلزمها من مشاف وجامعات ومدارس رسمية... الدولة لا الطائفة! والدولة هي الجهة الرسمية المكلفة بجمع أموال المعاملات الناتجة من الزواج والولادة والممات والطلاق، لإدخالها في ميزانيّتها؛ الدولة عبر مؤسّساتها الرسمية حيث للناخبة والناخب القدرة على والحقّ بالمراقبة والمحاسبة، لا الطائفة حيث القطيع المُطيع!

خامساً: في النتائج

افتراضاً أنّ السلطة الطائفيّة والمؤسّسات الدينية سمحَت بقانون اختياري للأحوال الشخصية كلّها في المستقبل القريب أو البعيد، فستنشأ مع الوقت طائفة جديدة هي طائفة «العلمانيّين» أو «المدنيّين»، التي لها قانونها الاختياريّ إلى جانب القوانين الطائفية الاختيارية الأخرى، وتتقزّم المدنية العلمانية إلى طائفة بحجم قرار المندوب «السامي» للاحتلال الفرنسيّ رقم 60 ل.ر.! فما يبدو تراجعاً للسلطة الدينية ــ الطائفية لن يكون إلّا في الشكل، أما في المضمون فيتثبّتُ منطق الطوائف. إنّ الطوائف الممسكة بلبنان، فيما هي تتناهش وتتذابح، تعرف تماماً أنّ تشريع أحوال «شخصية» وطنية مدنية سيصيبها في لبنانها التي خيّطته من أقليات وأكثريات، ويهدّدها كلها في سلطتها وسلطانها، وفي دورها وتالياً مكانتها، وفي مالها وإذن... مآلها! لذا، أظهرت طوال عقود تشدّداً ضد قانون وطني إلزامي وشهرت السواطير مراراً، وإن ارتضت الآن القانون اختيارياً... فليخرج من قبّعة النظام أرنب طائفة جديد!
لا يجدر بالحراك اللاطائفي المدني أن ينتهي به الحال بعد عشرات سنين الصراع مجرّد رأس يناطح رؤوس النعاج ــ الطوائف المصطفّة حول معلفها ليصل هو إلى المعلف ذاته! أو لعلّها ذئاب مصطفّة حول طريدتها! بل عليه أن يطيح هذا المشهد الزوولوجي المعيب، ويؤسّس لواقعٍ قانوني جديد إنساني اجتماعي حديث.
من ناحية ثانية، إن إقرار قانون اختياري يُسقط أي إمكانيّة بعد ذلك على المديين القصير والمتوسّط للمطالبة بجعله إلزامياً، لأنّ حجّة سلطة تحالف الطائفيّين ورجال الدِّين ستكون أنّ الزواج المدني الاختياري مُقَونَن ومفتوح للذين يريدونه، وأنّ الديمقراطيّة والقبول بـ«الآخر» تفرض السماح لأيّ كان باختيار الأحوال الشخصية الطائفية التي يريد.
ومن ناحية ثالثة، وفي ظلّ محيط طبيعي وإقليمي يزداد طائفية من الشام والعراق وصولاً شرقاً إلى باكستان والهند، وأحزاب طائفية وإعلام طائفي ونظام طائفي وبيئة طائفية وعائلة طائفية وهواء طائفي ومجلس شيوخ طائفي مرتقب، وفرق رياضية طائفية... ألخ. ومادّة عاشرة في الدستور اللبنانيّ، هي الأخرى بحاجة إلى تعديل، تضمن التربية الطائفية وتنصّ على: «التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العام... ولا يمكن أن تمسّ بحقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصّة...»، توازياً مع تفليس المدرسة الرسمية الوطنية الجامعة؛ في ظلّ ذلك كلّه، سيظلّ التقليد الطائفي في الزواج وتوابعه هو الغالب اجتماعياً، ولن يكون الزواج المدني الاختياري أكثر من... مخرج ومهرب ومسرب أو موقف لبعض المرحليّين من الحزبيّين والمبدئيّين أو للراغبين بالتوفير!

سادساً: في العملانية

تتخبّط الحملة لتشريع أحوال شخصية مدنية في الخطأ بل الخطيئة التاريخية التي عادة ما تقضي على مرتكبيها: المساومة على المبدأ بحجّة البراغماتيّة وفنّ الممكن؛ المطالبة بالأقلّ ظنّاً أنّ وقْعه معقول مقارنة باستحالة المطالبَة بالأكثر. وأمّا التاريخ فيشهد على عكس ذلك، ولنا في فلسطين شاهد على عقم منطق البراغماتية «العربية» والتراجع التدرّجي، إضافة إلى أحزاب عريقة قضت على نفسها ووهجها ونهضاتها بسبب استعاضتها عن الأساس والمتن والمعنى بما ظنّته الممكن المعقول المقبول!
قانون مدنيّ «اختياريّ»، تقول حجّة «المرحليّين» و«الواقعيّين»، أفضل من لا قانون مدنيّ على الإطلاق. ولكن، وبناء على ما تقدّم كلّه، فإنّ البقاء على القانون الطائفيّ الواضح، مع إنضاج حركة الصراع والضغط سياسياً ومدنياً وحزبياً وثقافياً واجتماعياً للوصول إلى القانون الحقّ الذي يعبّر عن معنى الدولة ويضمن صحّة المواطَنة، لأفضل كثيراً من خطر إقرار قانون مدنيّ اختياريّ يُغشي ويقزّم المواطَنة ويحيلها طائفة، ويثبّت دولة الطوائف، فيستجلب الكسل في الصراع من وهم الانتصار.
وأن يتحدّى الراغبون بالزواج السلطات الطائفيّة ويتزوّجواً مدنياً وعلناً وبفخر، وعلى رؤوس الأشهاد في الوطن ويأخذوا الشرعية الاجتماعية شعبياً وإن بغياب قوانين مدنية ــ كما يفعل البعض، ومثلاً لا حصراً عبدالله محسن من مشغره وهيام نصر الله من الحدت، والداي، اللذان تزوّجا مدنياً حزبياً في احتفال علنيّ في أوتيل أوريونت بالاس في دمشق في 31 تمّوز 1954 ــ ثمّ يسجّلون الزواج إن شاؤوا معاملتياً أينما انتقوا مع الاستمرار في التنظيم والصراع، لأفعل من أخذ الشرعيّة من قبرص أو من أن يُخدعوا ويُحشروا في القرار الفرنسي «الطائفيّ ــ المدنيّ» 60 ل.ر. وحتماً أن يورقوا وإن أشجاراً متفرّقة لأزهى من العيش في مدى تقليديّ يصرّ على اليباس!
لن تتحقّق غاية اللاطائفيّين بدولة علمانية مدنية إن ضحّوا بالأسس والمعنى والنتائج المبتغاة كسباً للحظة مكسورة.
صحيح أنّ اللاطائفيّين في تَوق إلى انتصار، أيّ انتصار. ولكن الاحتفال بزواج مدنيّ اختياريّ، رغم جمال الاحتفال وصدقه، سيؤجّل الاحتفال الحقيقيّ بقانون وطنيّ سياديّ للأحوال «الشخصيّة».

■ ■ ■


وليس آخراً، وعلى هامش البحث في تفاصيل مواد القانون الوطني للأحوال الشخصيّة، المرأة أدرى بجسدها وخصوصيّته من السلطة الذكوريّة الخائفة على بذرتها! فلسنا بحاجة إلى العدّة والعديد ومشتقّات العدّ كلّها بعد الطلاق لضمان عدم حمل المرأة قبل طلاقها. وفي حال نشوء وضع استثنائي يشكّك فيه متضرِّرٌ محتمَل، فإنّ تحديد هويّة الأب بات أكثر دقّة من العدّ على الأصابع وعضّها بفضل فحوصات الـD.N.A.!
* أستاذ جامعي