الفراغ والحاجة هما ما دفع بعض الشخصيات ذات التاريخ والتجربة الوطنيين للتفتيش عن صيغة حملت منذ سنتين اسم «الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي». وكانت الحاجة نفسها، ووفق فهم مختلف لها ولنتائجها، قد حفزت محاولات أخرى، وُلد بعضها ميتاً، فيما يستمرّ بعضها الآخر تعبيراً عن إرادة استمرار البحث في العنوان نفسه والحاجة ذاتها.

يعنينا هنا أن نتناول، تحديداً، تجربة «الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي»، لمناسبة انعقاد مؤتمرها غداً، وأملاً، أيضاً، في تعزيز الحوار بشأن صيغ العمل الوطني ــ الديموقراطي المستقلّ، الذي أُجهضت آخر صيغه عام 2004، حين قرّر فريق في قيادة الحزب الشيوعي (وكان قد انتُخب حديثاً آنذاك) الانسحاب (دون تبرير أو نقاش، لا في الحزب ولا مع الشركاء) من تجمّع كانت القيادة السابقة قد أدت دوراً مؤثراً في إنشائه وفي تنظيم نشاطاته.
أول ما تجدر ملاحظته أنّ تقرير «الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي»، قد تجاهل أو تجنّب إعداد (أو توزيع) تقويم عن عمل الحركة وهيئاتها وتجربتها خلال السنتين الماضيتين. لا أبالغ إذا قلت إنّ امتلاك مثل هذا التقويم هو أولوية في مثل هذه التجربة الحديثة. فثمة منذ تأسيس مشروع الحركة أسئلة وتباينات لا بدّ من تقديم إجابات بشأنها، ولو في صيغة إشكاليات مطروحة لبلورة توجه بشأنها، الآن، أو بعد فترة قد تمتد لشهور أو حتى لسنوات. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: تركيب الحركة ووجود جهات فيها، حزبية أو مستقلة، هي أيضاً، شريكة في تحالف الثامن من آذار. والسؤال هنا: هل كانت مثل هذه «الخلطة» إيجابية ومفيدة؟ وهل تمكنت الحركة من بناء دينامية تفعيل للجوانب التي تتميز بها وتتمايز من خلالها (مبدئياً) القوى أو الأحزاب ذات العضوية المشتركة بين الحركة وتحالف الثامن من آذار؟ والسؤال الثاني الأساسي، هو سؤال البرنامج. وهو سؤال شديد الأهمية والمصيرية أيضاً: ألا تبدو الحركة أشبه بجبهة مساندة لفريق الثامن من آذار، بينما من شروط قيامها، واستمرارها، أن تكون ذات برنامج مستقل، وأن يكون نقد بعض ممارسات تحالف الثامن من آذار جزءاً أساسياً من هذا البرنامج؟ لا يمنع ذلك من أن تكون الحركة أقرب لجهة من جهة. وأن يكون مستوى نقدها لبرنامج وممارسات ومواقف فريق 14 آذار أكثر جذرية واتساعاً وحِدّة، لكن هذا يجب ألّا يعني أبداً التغاضي عن أخطاء فريق الثامن من آذار، وخصوصاً في الانخراط في التحاصص الطائفي والمذهبي، وفي إضعاف سلطة الدولة لمصلحة الدويلات، وفي تعزيز مناخات الانقسام الطائفي والمذهبي، وفي الملف الاقتصادي الاجتماعي، وفي العلاقة مع الخارج...
وفي امتداد ذلك، وكنتيجة له، قيادة الحركة مطالبة بأن تدلي بما لديها بشأن محاولات تعزيز الحيّز المستقل في تركيبتها وفي مواقفها وممارساتها. ما هي الجهود التي بذلتها من أجل ذلك؟ وما هي العقبات التي واجهتها؟ وما هي الاقتراحات والخلاصات التي تطرحها للنقاش أو للمعالجة. ودائماً من أجل تعزيز الحيّز الاستقلالي للحركة من أجل أن تبقى وتستمرّ. ذلك أنّ هذا الحيّز هو شرط استمرارها دون أدنى شكّ، وإلّا فستصبح كأمانة 14 آذار لجهة الشكل دون الفعالية والقدرة على النشاط والمبادرة، كما هو الأمر بالنسبة إلى الأمانة المذكورة.
ويتصل بذلك أنّ «التقرير السياسي» المقدم للمؤتمر، قد حفل بالكثير من العموميات، رغم أنه يُشخّص جيداً الكثير من المسائل في الوضعين الإقليمي والمحلي، وكذلك في ما انتهى إليه من مهمات وعد بأن تكون مستندة إلى موازين القوى، فإذا بها في غاية الطموح والتطلب غير المستندين إلى موازين القوى الحقيقية.
وفي السياق نفسه، نتوقف عند الأزمة السورية، بكل ما تعنيه سورياً ولبنانياً وعربياً. نقول «الأزمة»، رغم أنّ هذا التوصيف لا يعجب البعض. للأسف إنّها أكثر من أزمة: هي نكسة، بل هي محنة سورية وعربية ما زالت مفتوحة أيضاً على مزيد من السلبيات والخسائر الفادحة. هذه الأزمة ذات أسباب مركبة داخلية وخارجية، وليس أحداهما فقط!
في هذه الأزمة، لم تختبر السلطات السورية، بجدّية، سوى الحل الأمني، الأمر الذي كشف تشبثاً بالواقع كما هو، وتقديم صورة لـ«الممانعة» متعارضة مع إشاعة الديموقراطية، أو الحدّ الأدنى من تطبيقها في المجتمع. ولقد أدى ذلك إلى تعطيل الحوار مع «المعارضة الوطنية» الرافضة للعسكرة والتدخل الخارجي، كما استخدم ذريعة من قبل القوى المتآمرة على دور سوريا في الاعتراض على المشاريع الأميركية والصهيونية، لكي تدفع باتجاه العسكرة والسعي إلى تأمين شروط التدخل الخارجي على غرار ما فعلت في ليبيا. وينبغي في امتداد ذلك، أيضاً، انتقاد واستسهال لجوء أنظمة المواجهة إلى استخدام محدود أو غير محدود للعامل الديني أوالطائفي أو المذهبي. فما ذكره التقرير السياسي لجهة أنّ القوى الإمبريالية المتآمرة «تشجع النزاعات الدينية والمذهبية بين السنّة والشيعة، لإضعاف المنطقة عموماً وقوى المقاومة والممانعة خصوصاً»، إنّما يستدعي، إذا صحّ، وهو صحيح، مراجعة توجهات وسياسات قوى المقاومة والممانعة لإدراك مسؤولياتها، هي أيضاً، في تسهيل مهمة التآمر الاستعماري وإضعاف الجبهة الداخلية.
أما الصراع في سوريا بما هو، أيضاً، مشكلة داخلية لبنانية، فسيحتاج حتماً إلى مزيد من المتابعة والاستنتاج في مجال كشف الخلل في الوضع اللبناني (في حقلي الطوائفية والتبعية) وتلمّس الحلول لمعالجته.
يبقى أن للمبادرين في إنشاء «الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي» فضيلة السعي إلى محاولة معالجة ما سماه التقرير السياسي «عجز فريقي الموالاة والمعارضة عن تقديم الحلول الإنقاذية للأزمتين الوطنية والاقتصادية ــ الاجتماعية المتفاقمتين». هذا يتطلب بناء موقع فاعل ومبادر، يحاول من خلال النضال والدأب وإشراك وتعبئة القوى الشعبية ــ السياسية (ذات المصلحة) ممارسة دور مؤثر، وحتى إنقاذي في الخريطة السياسية اللبنانية.
*كاتب وسياسي لبناني