يُشغل العالم اليوم، بمحاولة فهم السياسة الخارجية الروسية، ولا سيّما في الفترة «العربية» الأخيرة. وبالقدر نفسه، يثير الوزير سيرغي لافروف بشخصيته المقاتلة، حيرة الكثيرين؛ فالرجل الذي يتذكره مشاهدو محطات التلفزة، في مقعده بمجلس الأمن الدولي، كصاحب وجه معذب لا يلوي على شيء، لم يعد كذلك منذ أن استُدعي إلى دخول مقر وزارة الخارجية الروسية، وزيراً عام 2004. ومنذ ذلك الحين، أيضاً، تغيّرت السياسة الخارجية الروسية، بل وتغيرت روسيا نفسها؛ كما عادت الخارجية الروسية، بمقرها المهيب، لتتصدر نشرات الأخبار، كصورة لشيء تحيل عليه الأحداث اليومية.

في الواقع، لم يكن السرّ في مجرد عودة الدبلوماسي، المبعد منذ أواسط التسعينيات إلى المندوبية الدائمة بالأمم المتحدة في نيويورك، بل بعودة السياسة الخارجية الروسية، نفسها، إلى هذا المبنى، الذي يختزل فصولاً لا تنتهي من أمجاد الدولة السوفياتية، ويختزن بين جدرانه مفاتيح وأسرار علاقتها مع العالم، ومع السياسة.

الشقيقات السبع

يحتل مقرّ وزارة الخارجية الروسية، السوفياتية سابقاً، واحدة من بنايات عديدة توزعت على أطراف مركز موسكو. أراد من خلالها الزعيم السوفياتي الشهير جوزيف ستالين أن يعيد رسم وجه العاصمة، بما يعكس المهابة والمنعة والضخامة التي تليق بهذه القوة العظمى. هذا المشروع، الذي توقف بوفاة ستالين وانقلاب خلفائه عليه، نجح بالتجسد على الأرض من خلال سبع بنايات من أصل تسع، تلفت النظر بتشابهها وتماثل طرازها المعماري، ومهابتها رغم تباينها في الحجم والمساحة.
الزائر الجديد لموسكو، يصطدم بهذه البنايات السبع واحدة بعد أخرى، وقد يختلط عليه الأمر، فيعتقد لوهلة أنه يشاهد نفس البناية. لكنّه لا يلبث أن يدرك حالة التكرار، وحينها لن يغفل عن معناه وهدفه الواضح، وهو تأكيد فكرة العظمة التي تحيط بالدولة، في مجتمع يستند (يا للمفارقة!) إلى أيديولوجيا تبشر بزوال هذه المؤسسة القمعية. وهذه ليست مصادفة أو حدثاً عرضياً، فالرجل الذي يقف وراء ذلك، كان يدرك أنه بالأساس مجرد بؤرة متمردة في عالم رأسمالي، وأن مهمته العاجلة تتمثل في توطيد أركان «ديكتاتورية» البروليتاريا، وكان قد قطع مشواراً كبيراً في تجاوز الأفكار الثورية المرتجلة، التي تتحرج من فكرة الدولة وتحاول الاعتماد على صيغ هشة، ليس لها طابع الديمومة والاستقرار!
هذا الحال بالذات، يمثل تفصيلاً مهماً في فهم «الخارجية» الروسية، السوفياتية سابقاً؛ إذ لم يكن احتلال «الخارجية» لواحدة من هذه البنايات، التي يشار إليها عادة بوصفها «الشقيقات السبع» أو «ناطحات السحاب الستالينية السبع»، مجرد مصادفة، بل جاء في سياق تبلور قناعات الزعيم السوفياتي بأنّ الدولة هي قدر الثورة، وأنّ العلاقات الخارجية لا يمكن أن تبقى علاقة ثورة بأحزاب شقيقة، وأنها لا يمكن أن تنحصر في روابط أيديولوجية، بل علاقات قوة ومصالح.

«المفوضية» تعود وزارة

من المثير هنا، أن نتذكر أنّ ذلك الخط من التفكير بدأ عشية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً منذ عام 1939 ويعبّر عنه التفاهم السوفياتي الألماني، الذي كان مهندسه فيتشسلاف مولوتوف، مفوض الشعب للشؤون الخارجية حينها، ووزيرها لاحقاً. وكانت قد سبقت ذلك، بما يشبه المقدمة الدرامية اللازمة، عمليات التطهير الحزبي ومحاكمات موسكو الشهيرة، التي صفّت بقايا العقل النظري للحزب (بوخارين) والرموز الحزبية التي ارتبط اسمها بالثورة، وتحييد الأفكار التي تؤكد على استحالة صمود الثورة في بلد واحد.
وبالمناسبة، فإنّ هذا التفكير الذي أدى إلى ما أدى لاحقاً (1943) إلى إنهاء الأممية (الكومينترن) في بادرة حسن نية تجاه حلفاء الحرب الغربيين، هو نفسه ما استدعى أيضاً العودة بـ«الخارجية» والمؤسسات السيادية السوفياتية عموماً من مفوضيات إلى وزارات، بعدما كان «الخجل» الثوري والرغبة الجارفة في الانتساب إلى التغيير، قد دفعا بأهل الثورة إلى تحويلها إلى مفوضيات، واستبدال لقب وزير بلقب مفوض «قوميسار».
في هذا السياق بالذات، جاء القرار ببناء مقر جديد لـ«الخارجية»، وأن يكون هذا المقر جزءاً من المنظومة المعمارية الجديدة التي أشرف الزعيم السوفياتي بنفسه على تصميمها واختيار مواقع بنائها وتحديد وظائفها. وجاءت الحرب العالمية الثانية لتوجد وعياً جديداً لدى النخبة الحزبية، التي وجدت في ظرف لافت أنّ زعامتها لا تتعلق بالحزب فقط، بل أيضاً بالشعب والجيش الذي عاد يتصدر الوجاهة الشعبية والعناوين الوطنية الأولى، ما أنهى عملياً المشاعر الثورية البوهيمية، ليحلّ مكانها وضع جديد يتوجه الاعتراف بالقدر المحتوم، الذي يدعونه «الدولة».
كان ذلك وضعاً جديداً، أخذت فيه الدولة السوفياتية، وفي داخلها الجيش والشعب، مكانهما الحاسم إزاء الحزب (المارشال جوكوف، مثالاً)، في ظرف حتّمت فيه نتائج الحرب الاعتراف بصدارة الدولة، التي يمكنها أن تجلس على مائدة المفاوضات مع الدول الكبرى، تحقيقاً للتكافؤ واللغة المشتركة بين المتفاوضين. وفي الواقع، كانت هناك مرحلة جديدة، تحتاج فيها علاقات الدولة السوفياتية وشؤونها الخارجية إلى وزارة غير عادية. وتحديداً، إلى قلعة دبلوماسية تكون بمثابة المعمل، الذي تطبخ وتدار فيه الشؤون الخارجية!

الكومنتيرن و«الخارجية»

يجب أن نتذكر أنّ تفكير «الرفيق ستالين» بـ«الخارجية» لم يكن مجرداً، ولم يقتصر على تغيير مبناها، بل ومعناها كذلك. وهو قبل ذلك، يمثل مباركة وتدشيناً لعهد جديد يخدم «الدولة» الموجودة، ولا ينشغل بالثورة الموعودة في بلدان العالم. وهنا، تجد الخصومة والعداء السياسي المبكر بين ستالين وتروتسكي (أول مفوض لـ«خارجية» روسيا الاشتراكية)، معنى واضح الدلالات، حيث المقاربة المختلفة واضحة؛ فالدولة عنوان، والثورة المستمرة عنوان آخر. والجزم بأنّ الثورة قد تعيش في بلد واحد هو طريق، والقول بأنّ حياتها مرهونة بانجاز الثورة في بقية البلدان يمثل طريقاً آخر. وفي ايلاء الأهمية لـ«الكومينتيرن» هو شيء، وفي حلّه لصالح ابداء كامل الاهتمام بـ«الخارجية» شيء آخر.
وبهذا، لم يكن الأمر مجرّد تغيير في الأسماء، ولا تبديل مبانٍ. لقد كان ذلك ايذاناً بنهاية عهد الثوريين والحزبيين الخالصين، الذين ماتوا أو جرت تصفيتهم أو تحولوا إلى رجال دولة، فيما انتقلت «الشؤون الخارجية» إلى حقل يتعلق بمصالح الدولة، لا إلى جزء من العلاقات الحزبية والثورية. بينما الحزب نفسه أخذ طريقه في التحول من حزب قائد إلى واحد من أجهزة الدولة.
وهذا الوضع الجديد، جرى تدشينه بتسليم الخارجية لمقرها الأسطوري، الذي بني على الطراز الـ«نيوكلاسيكي». ويمتلك مهابة سوفياتية لا تخفى، تقصدت منافسة أفضل ما لدى الولايات المتحدة الأميركية، القوة الرأسمالية الصاعدة لتسلم قيادة العالم. ولم يكن ذلك غريباً، فالزعيم السوفياتي الذي استشعر مبكراً المنافسة المقبلة مع زعيمة العالم الجديدة، دشن تلك المنافسة بحرصه على أن يأتي تصميم مبانيه الأثيرة، متجاوزاً أهم وأكثر الآثار المعمارية الأميركية رصانة ومهابة، وكانت عينه في ذلك على نيويورك، ومانهاتن تحديداً.
كان الزعيم السوفياتي رجلاً يجيد الحصول على ما يريد، فتحقق له من مشروعه الطموح، الذي كان من المخطط أن يضم تسع بنايات، سبع شقيقات مذهلات وغامضات يعكسن ما أراد من مهابة وعظمة، لا بل أضحين ينافسن الكرملين وكنيسة القديس فاسيلي، ذات القباب اللولبية الملونة في الإشارة إلى موسكو، بينما تُعتبر «الشقيقات السبع» حتى يومنا هذا أعظم تماثيله الشخصية، وأكثرها بقاء، إضافة إلى أنهنّ، جميعاً، يحملن رموزاً سوفياتية عصية على الانتزاع، أو التحوير، أو الطمس، أو الإخفاء، ومنها تحديداً شعار الاتحاد السوفياتي، الذي يعلو جبين قلعة الوزير لافروف: وزارة الخارجية.
وقدرة ستالين الأسطورية على نيل ما يريد لم تخب هنا، أيضاً. لقد جرت ترجمة اهتمامه الخاص بوزارة الخارجية بتحولها إلى أيقونة للبعض، يهبون حياتهم لها منذ الطفولة حتى الممات (ومنهم الوزير الحالي)، ورمزاً لعظمة الدولة (السوفياتية) ومهابتها، رغم أنّ مقرّها هو ما قبل الأخير في التسلسل بين شقيقاته السبع من حيث الضخامة والحجم والارتفاع. في تسلسل يضمّ شقيقات شهيرات مثل مقر جامعة موسكو، وفندقيْ «أوكرايينا» و«ليننغراد».

مدخل وعشرات المخارج

يثير المبنى ذو السبعة والعشرين طابقاً، الذي يرتفع مئة واثنين وسبعين متراً، بتصميمه وضخامته، انطباعاً بأنّه لا يمكن أن يكون له إلا مدخل واحد ووحيد، وعشرات المخارج غير الظاهرة؛ فيفكّر المرء ملياً في السبب الذي يثير هذا الانطباع ويرسم هذه الفكرة غير المعقولة ولو بصورتها المجردة، بل ويمكن أن ينزلق إلى التساؤل طويلاً عن السر الممكن الذي يمنع المخارج من أن تكون بوابات للدخول، أو لمَ يجب أن يكون للمبنى مدخل واحد. رغم أنّ هذا مجرد انطباع لا يمت إلى الواقع بصلة، اللهم سوى حقيقة أن موسكو تخبئ تحتها، في أنفاقها التي بنيت سراً خلال عهود وعقود، العديد من الأسرار، ومنها مداخل ومخارج، يجهد كثير من الباحثين لمعرفة من أين تخرج، وإلى أين تدخل. الهوية السوفياتية حاضرة بشكل مؤصّل ومكثف على المبنى، الذي تبلغ مساحته الإجمالية نحو 65 ألف متر مربع. فالمبنى يرتفع لطوابق عديدة، قبل أن يظهر في وسطه برج يتناقص عرضه ليتشكل بما يشبه المثلث، وفي هذا البرج، على ارتفاع 114 متراً من الواجهة الأمامية، التي تعرض نفسها باعتداد، يستقرّ شعار الدولة السوفياتية المعروف. وهو هذه المرة ليس مجرد رسم، بل مجسّم معماري مشغول بالباطون المسلح، بحجم يبلغ 144 متراً مربعاً. فلا يرى أحد المبنى دون أن يختزن شعار الدولة كعنصر أساس من التكوين المعماري لهذا المبنى. وفي الواقع، فإن هذه التفاصيل ليست قليلة الأهمية والتأثير على ما يزيد عن ألفي موظف وعامل يعملون في المبنى، إلى جانب عشرات الآلاف من الشباب الطموح الذي يسعى لدخوله وأن يكون يوماً من أهله. أما تأثيره على ملايين المواطنين الروس فواضح من مجرد نظرة الاحترام المقرونة بالشعور بمهابته واقترانه بعظمة وأهمية بلادهم. من المؤكد أنّ للمبنى، بوصفه واحداً من «سبع شقيقات» طموحات كنّ يردن إعادة رسم وجه العاصمة، ولطبيعة الدور الذي قام به في الماضي ويقوم به حالياً، تأثيره الفريد والعميق. وهو يمتلك كذلك، كمبنى مفرد مكتفٍ بذاته وبأهمية وغموض ما يجري داخله، حضوره وتأثيره الخاص ليس على عقول من ينظرون إليه من الخارج، بل وعلى أولئك الذين واتاهم الحظ، وسمح لهم قدرهم، بالدخول إلى عالمه الداخلي، فقضوا فيه أوقاتاً تناهز الأوقات التي قضوها في بيوتهم الخاصة، أو في أي مكان آخر.

علاقة انكشارية

على هذه الخلفية، فإن سرّ الأسرار في التحولات الروسية يتمثل في إعادة الاعتبار لـ«الوزارة» في رسم وتنفيذ السياسة الخارجية لبلد لا يزعم ولا يتوهم أنه «الاتحاد السوفياتي»، لكنه يصرّ على أنه وريثه الشرعي والوحيد. وأنّ عظمة الدولة السوفياتية ليست سوى واحدة من تجليات قدر روسيا نفسها: أن تكون دولة عظمى، أو مأساة وطنية كبرى تتسلى بها الأمم.
ومن يعرف «الخارجية» الروسية، السوفياتية سابقاً، كمبنى، لا بدّ أن يعرف ويستوعب الخارجية الروسية اليوم بتعابيرها التي يجسدها، ويكررها، ويعبر عنها الوزير لافروف، الذي يبحث البعض عن تفسير لأدائه في إرث أيدولوجي يربطه بالحزب الشيوعي. وهم يخطئون، لأن ليس عليهم أن يبحثوا في مكان أبعد من المبنى العريق الذي كان يرنو إليه في مراهقته، وأعدّ نفسه لدخولِه من خلال خياراته الدراسية العليا، فأمضى فيه، وبين أهله، زهرة شبابة وكهولته، بل حياته العملية كلها. ويمكن توقع الروح القتالية من وزير يبدو ارتباطه بـ«الخارجية» كعلاقة انكشارية، تبدأ منذ الطفولة المبكرة ولا تنتهي إلا بالممات!
غداً: ظلال الأسلاف السوفيات
*كاتب أردني