قدمت مراجعات للكتاب، أولاها نصّ الدكتور مسعود ضاهر (الحياة،13/5)، ثم نصّ الدكتور خالد غزال (النهار، 27/5) والأستاذ إبراهيم حيدر (النهار، 27/6)، وأخيراً نص الأستاذة ريتا فرج (الأخبار، 29/6). وهي قالت إنّه «بصرف النظر عن أهمية العمل، يشعر القارئ بخيبة أمل (...)». لعل مصدر هذه الخيبة أنه لم يُصر إلى تضمين الكتاب استراتيجية عمل تكون ترجمة للقراءة النقدية المقدمة.


1. الأسئلة التي طرحها الكتاب والأجوبة عنها

تعيّن الأدبيات النظرية حول بناء الدولة مقدار عصرية دولة ما، من خلال استيفائها شروطاً أربعة: إلى أيّ مدى هي دولة قانون، وإلى أيّ مدى هي قادرة على صون سيادتها، وإلى أيّ مدى جسّدت دولة ـــ أمة أو دولة وطنية ناجزة، بمعنى تحقيق الانصهار الوطني، وهل أسهمت الخيارات الاقتصادية التي اعتمدتها في إعاقة أو تسهيل بناء الدولة فيها.
كان الجواب أنها ليست دولة قانون، لأنّ النخبة السياسية فيها مكوّنة من «رؤساء شبكات محاسيب»، «يفرضون أنفسهم بالقوة»، وبالتالي فهم «فوق القانون»، ولأنّ الإدارة العامة فيها لا تخضع في عملها للنصوص القانونية الوضعية، بل تعطي مجالاً واسعاً لكي يجيّر السياسيون الموارد العامة لتحقيق منافع خاصة. هذان التعريفان للنخبة السياسية والإدارة العامة يختصرهما مفهوم «الدولة النيو ـــ بتريمونيالية»، الذي ينتسب إلى القراءة الفيبرية لتاريخ الدولة الحديثة. وهي ليست دولة ذات سيادة، لأنّ السياسيين يفتئتون على القاعدة المؤسِّسة للدولة، وهي الاحتكار القانوني لاستخدام العنف. وهو ما جرى توضيحه من خلال معاينة موقع المؤسسة العسكرية في النظام السياسي، والمقارنة بنموذجين حققت فيهما المؤسسة العسكرية التنمية الاقتصادية، كما في كوريا الجنوبية، والتنمية السياسية بمعنى المشاركة السياسية والحفاظ على السلم الأهلي، كما في تركيا الكمالية. وهي دولة فاشلة كدولة ـــ أمة ودولة وطنية، لأنها لم تنجح في بناء مجال سياسي متجانس يمنع انفراط المجتمع إلى مكوناته ما ـــ دون الوطنية. وهي دولة أسهمت خياراتها الاقتصادية في ضرب مشروع بناء الدولة، لأنها اعتمدت نموذج الدولة الليبرالية بمعنى الالتزام بتوازن الموازنة العامة على حساب التنمية، واعتمدت قاعدة «اليد المرفوعة»، بمعنى تخلي الدولة عن أية مسؤولية في دعم الاستثمار، واعتمدت حرية التبادل التي حرمت المنتجين منافع الحمائية، وأعطت الأولوية لمصالح أصحاب الريوع المالية، أي المودعين في المصارف، على حساب الرأسماليين الصناعيين والمنتجين بوجه عام.

2. المختلف الذي قدمه الكتاب

أ- الخروج من القراءة الطائفية للتجربة اللبنانية
انتقد الكتاب القراءة الطائفية للحالة اللبنانية في أكثر من موضع. ونأى عن القراءات التي تصف السياسيين بـ«قادة للطوائف» دون الذهاب أبعد من ذلك، وتعطي شرعية للخطاب الطائفي، كما تفسّر كل شيء من هذا المنظار. أشار إلى عملية «تجهيل الفاعل» التي سادت مع هيمنة النخب الطوائفية وعنفها الهاذي، من خلال إلصاق التهم بالطوائف، هرباً من تحميل المسؤولية لقوى وأحزاب سياسية بعينها تولّت نشر العنف الطائفي. ورأى أنّ القراءة الطائفية للحالة اللبنانية هي جزء من أزمة لبنان الدائمة، لا عنصر في حلها. وأكّد أهمية كتابات مايكل جونسون في قراءة تجربة لبنان. وصف جونسون النظام باعتباره قائماً على الاستزلام السياسي، أفراده «رؤساء شبكات محاسيب»، وأضاف إلى المقاربة المتداولة هذه في توصيف نخب العالم الثالث، كون هؤلاء الأفراد «يفرضون أنفسهم بالقوة». وهي خاصية تتشارك فيها نخب البحر المتوسط، ذهب جونسون في تأصيلها إلى تجربة اليونان القديمة.
استفاد الكاتب من القراءات التي قدمت لتجربة الحروب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة، وخصوصاً كتابات فالير غانيون لإظهار أنّ الحرب الأهلية (1975-1990) لم تكن في الأساس حرباً طائفية، بل عكست استراتيجية نخبة الستاتيكو لنزع تعبئة الشعب اللبناني من أجل إصلاح النظام السياسي في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
ب- الإضاءة على دور الولايات المتحدة في صنع تجربة لبنان المعاصرة
أظهرت كتابات كريستوفر كلافام الدور الطاغي الذي تؤديه العلاقات الدولية في إعطاء الشرعية وتوفير شروط البقاء لدول كثيرة هي أشباه ـــ دول، تتمتّع بالاعتراف الدولي بها، لكنها تعجز عن صون سيادتها الخارجية والداخلية. وأظهر كتاب أسامة مقدسي، الذي تضمّن الفصل الثالث مراجعة له، دور التدخل الخارجي في صنع تجربة لبنان خلال القرن التاسع عشر، بما في ذلك مذابح 1860. والخارج يصنع تاريخ لبنان منذ ذلك التاريخ من خلال تحكّمه في النخب السياسية اللبنانية، أو الأصح من خلال ذهاب النخب بنفسها إليه وتوسّلها تدخله. لم أكن قد قرأت كتاب أيرين غندزير الصادر عام 1997 حول التدخل الأميركي في لبنان والشرق الأوسط حتى 1958، حين إعداد الكتاب. استندت إلى مساهمتها في الكتاب الجماعي الذي صدر عام 1988بإشراف حليم بركات. واستعنت بمقالة مروان بحيري حول التدخّل الخارجي في تجربة لبنان. انفردت الباحثة من بين كل الباحثين في التجربة اللبنانية في تعيين دور الولايات المتحدة الرئيسي في صنع هذه التجربة. وقد وجدت الولايات المتحدة أنّ نخبة لبنان السياسية تمشي دون سؤال في تنفيذ أجنداتها الإقليمية، ما أعطى هذه النخبة حظوة لديها، وجعلها تعوّل عليها لتعبئة جمهورها من أجل تنفيذ أجنداتها مرّة بعد مرّة. هذا ما يوضحه الفصل الثاني حول السيادة. كان لغياب هاجس السيادة لدى النخبة اللبنانية نتائج مدمّرة اقتصادياً، كانت أزمة بنك إنترا أحد تجلياتها خلال الستينيات. وأسقط غياب هذا الهاجس شرعية الدولة اللبنانية، وجعل لبنان يدخل جحيم الحرب الأهلية عام 1975. وآخذاً بالاعتبار دور الولايات المتحدة في افتعال حروب لبنان الأهلية، ذهب الكاتب إلى اقتراح أن يلاحق لبنان وشعبه هذه القوة العظمى أمام المحاكم الدولية، لدورها المباشر في افتعال حروب لبنان الأهلية.
ج- نقد الديمقراطية التوافقية كنظام حكم
عرض الكتاب كيف أن توصيف النظام اللبناني تغيّر بعد سبعينيات القرن الماضي. فبعدما طغى التوصيف للنظام باعتباره نظاماً للإقطاع السياسي، أصبح منذ حقبة الحرب الأهلية يوصف باعتباره نموذجاً لديموقراطية توافقية. ناقش الكتاب في أكثر من موقع مسألة التوافقية، بوصفها أعطت شرعية لنخب الحرب الطوائفية، وكانت في أساس «اتفاق الطائف» الذي حدّد طبيعة النظام لحقبة ما بعد الحرب. واعتمد نصوص كميل حبيب وعامر محسن، وخصوصاً بول براس، لتعريف التوافقية. وأورد موقف هذا الأخير الحازم في رفض التوافقية كنظام حكم للبنان في كتابه الصادر عام 1992. وعرض في موضع آخر أدبيات آخرين منهم الباحثة رادا كومار، ممن قرأوا تجارب التقسيم واللامركزية وما نجم عنها من فشل ذريع في إعادة الاستقرار وصون السلم الأهلي، وصولاً إلى اقتراح صياغة دستور جديد يمنع إنشاء أحزاب طائفية.

3. الأسس التي تصلح لبناء الدولة

أ- العروبة
تبدو مرجعية المؤرخ كمال الصليبي رئيسية في هذا الجزء من الكتاب. والصليبي المقصود هنا هو الذي يطل من كتاب «بيت بمنازل كثيرة (...)»، حيث جرى تعيين الخلل المدمّر لكيان الدولة الوطنية في رفض جزء من النخب المسيحية فكرة العروبة. والصليبي يقول باختصار إنّ «الشرط الوحيد الذي كان يمكن أن يجعل من الهوية الوطنية مشروعاً ناجحاً هو وضعها بشكل عقلاني وواقعي ضمن إطار الاعتراف بعروبة البلد أساساً (...)» (داغر: 88). واستند الكاتب إلى نصوص أخرى، أولها للصليبي، عرض فيه هذا الأخير أصول الطوائف العربية واللبنانية، لتأكيد عروبة اللبنانيين، ومنهم الذين شكّكت نخبهم في أصولهم العربية. واستند مجدداً إلى كمال الصليبي، وفرج الله صالح ديب، وعادل إسماعيل لدحض أطروحات شائعة، وتأكيد عروبة الموارنة (داغر: 51-58). أعطت أعمال الصليبي وتبنيها من قبل الكاتب الأساس الذي ينبغي في رأيه أن يُبنى عليه مشروع الدولة الوطنية في لبنان.
ب- تدخّل الدولة في الاقتصاد
أشرنا أعلاه إلى الأسس الأربعة التي اعتمدت لتعاطي الدولة مع الاقتصاد، وهي توازن الموازنة و«اليد المرفوعة» وحرية التبادل وأولوية أصحاب الريوع المالية على المنتجين. وهي أعطت إحدى أسوء التجارب الاقتصادية قاطبة، لتسببها في زوال شعب لبنان بالهجرة.
استعاد الكتاب التجربة اللبنانية الليبرالية منذ القرن التاسع عشر، بوصفها ترجمة لـ«السياسة بمنطق الأعيان» كما عرّفها ألبرت حوراني، التي كانت قائمة أيام العثمانيين، وعكست خضوع الدولة لإملاءات النخب السياسية والاقتصادية في الأقاليم. وأظهرت القراءة للتجربة أولوية مصالح أصحاب الريوع المالية كعائق أمام بناء اقتصاد منتج. لم تكن الدولة تنفق لئلا يتأثر سعر صرف الليرة سلباً بعجوزات الموازنة، ويحدّ من دخول الرساميل التي تبحث عن توظيفات مالية. وأظهرت أنّ سياسة توازن الموازنة هدفت إلى تحقيق فائض في الموازنة على حساب الحد الأدنى من الإنفاق التنموي على امتداد سنوات الاستقلال حتى 1975. وأظهرت أنّ هذه السياسة ذاتها استعيدت خلال حقبة ما بعد 1990. وأظهرت أنّ سياسة «اليد المرفوعة» المعتمدة منذ أيام المتصرفية جعلت المنتجين «ينتزعون شوكهم بأيديهم». وهم فعلوا ذلك بالهجرة، التي اتخذت منحىً كارثياً في أواخر عهد المتصرفية وخلال الحرب الأهلية (1975-1990)، وخلال حقبة ما بعد 1990، التي شهدت هجرة ثلث القوى العاملة خلال 15 عاماً. وأظهرت أن حرية التبادل التي كانت مفروضة فرضاً من القوى الاستعمارية على السلطنة العثمانية وأقاليمها المختلفة، استمرّت خلال حقبة ما بعد الاستقلال، بل لقد تدخّلت الدولة للتشجيع على الاستيراد، وذلك على نقيض ما قامت به الغالبية الساحقة من بلدان العالم الثالث، التي اعتمدت الحمائية بهدف بناء اقتصاد منتج. وقد استعاد الجزء الثالث والأخير من الفصل الرابع تجربة دولة الاستقلال مع الريف، وأوضح بالوقائع مسؤوليتها المباشرة في إفراغه من أهله.
وأظهر الكتاب أنّ النقاش حول التنمية في لبنان كان ضعيفاً، وأن القراءات التقريظية للتجربة كانت طاغية قبل عام 1975. وقد جاء أناس وأنشأوا مصارف لتستقطب مدخرات ورساميل ذات منشأ خارجي، وعملت الدولة على تسهيل ذلك. وأعطى الناس أهمية خاصة لثبات سعر صرف الليرة، الذي من شأنه تشجيع التوظيفات المالية، أي الودائع الآتية من الخارج. وأسهم دخول هذه الودائع في تثبيت سعر صرف الليرة، وفي خلق فائض سنوي في ميزان المدفوعات. وكانت واجهات المصارف في بيروت، وثبات سعر صرف الليرة، وفائض ميزان المدفوعات كافية لكي ينال النموذج اللبناني تقريظاً مستمراً. أما مسؤولية هذا النموذج في إفراغ لبنان من أهله وفي نكبة ريفه الديموغرافية، فقلّة هم من رأوا الأمور من هذا المنظار. استعاد الكتاب مواقف سليم نصر، وبطرس لبكي، وأحمد بعلبكي، وروجر أوين، وكارولين غايتس، كنصوص أساسية في قراءة التجربة اللبنانية.
وقد وفّر الفصل الخامس والأخير قراءة للسياسة الاقتصادية خلال الحقبة الأخيرة، وعيّن البدائل المطلوبة لبناء اقتصاد منتج. فنّد في أكثر من موقع المقاربة النيو ـــ ليبرالية للتنمية السائدة في الغرب منذ أكثر من ثلاثين عاماً، من خلال نقد صيغها المتعاقبة، من «الودية تجاه قوى السوق» إلى «الحاكمية الصالحية»، كتنويعات أُدخِلت على الخطاب النيو ـــ ليبرالي لإبقائه على قيد الحياة. وقد برزت في هذا الإطار مرجعية التيارين المؤسساتي (institutionalist) والما-بعد-كينزي (post-keynesian)، في قراءة تجربة الدولة التنموية الآسيوية وكيفية استيحائها لوضع سياسة اقتصادية بديلة للبنان. وقد استوحى الكاتب إسهامات أليس أمسدن، وبيتر إيفانز، وروبرت واد، وها-جون شانغ، واستعان بالنظرية النيو-كلاسيكية المحدثة للتجارة الدولية التي توفر تسويغاً لدور الدولة وللحمائية من أجل بناء اقتصاد منتج.
ج- العمل السياسي المطلوب
تتكامل نصوص بول براس، وفالير غانيون، وغيللرمو أودونيل، في تعيين طبيعة العمل السياسي المطلوب. تقدم نصوص أودونيل تعريفاً للديموقراطية الليبرالية الغربية بوصفها تقوم على توفير الحقوق المدنية أولاً، ثم الحقوق السياسية للمواطنين. وأول الحقوق المدنية، حق المواطنين في الأمن، الذي هو سابق لحقهم في التعبير السياسي والعمل السياسي. وهي تجعل الكلّ «تحت القانون»، أخذاً بالمبادئ الثلاثة، الديموقراطي والجمهوري والليبرالي، المؤسِّسة للدولة الغربية الحديثة. وترى في المحاسبة بأشكالها العمودية والأفقية والمجتمعية، أساس الديموقراطية الليبرالية الغربية لا مجرّد الانتخابات. وقد أتاح استخدام مفهوم «الديموقراطية بالإنابة» التي هي أشبه بالديموقراطيات المقتصرة على الاستفتاء، إظهار بعد التجربة اللبنانية عن الديموقراطيات الغربية الأصيلة. والمهم أيضاً في كتابات أودونيل أنها عرّفت المسار الانحداري للديموقراطية في العالم الثالث، بوصفه نتيجة انحسار رقعة «الدولة القانونية»، لأنّ النخب السياسية استوعبت لاعتبارات انتخابية أناساً خارجين على القانون، يتحكّمون في مناطق جرت خصخصة السلطة فيها لمصلحتهم، سماها مناطق «بنيّة». أي إنّ العمل السياسي المطلوب هو الذي يقوم على رفض من يعرّضون أمن المواطن للخطر، والذين هم «فوق القانون»، والذين يكون العنف أداتهم في العمل السياسي.
وفنّدت نصوص غانيون المقاربتين الليبرالية والواقعية في العلاقات الدولية، التي سوّغت فرط الدول الوطنية إلى مكوناتها الإثنية أو المذهبية تحت شعار «التعددية الثقافية الليبرالية». والعمل السياسي المطلوب هو الذي يقف على طرف نقيض من القوى والأحزاب التي ترمي بفكرها وممارساتها إلى تعميق الفرز على أساس إثني ومذهبي. وفنّدت كتابات بول براس المقاربة تحت عنوان التوافقية بوصفها تقوم على العزل العمودي لمكونات المجتمع بعضها عن بعض، ولأنها تعطي شرعية سياسية لمقاولين سياسيين من فئة الخارجين على القانون. وهي تتيح تأسيس العمل السياسي على قاعدة رفض التوافقية وأحزابها.
تتيح هذه القراءات مجتمعة التأسيس لرفض القوى السياسية التي تعتمد «التعبئة على قاعدة الهوية» كما تقول ماري كالدور، وسيلة لبلوغ السلطة، والتي تقوم مشاريعها، إما على تقاسم السلطة على قاعدة التوافقية، أو التي تجعل هدفها فرط الدولة الوطنية لمصلحة مكوناتها الإثنية. ويوفّر الكتاب مادة لعمل سياسي سمّته ماري كالدور «السياسة التي لها مضمون» (substantive politics) (كالدور، 2001: 64-65). ويكون هدفه تحقيق السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية كمعلمين رئيسيين في بناء المستقبل. والمقصود بالعدالة الاجتماعية هنا ليس مجرّد إعادة توزيع الدخل بالطرق التقليدية، بل فتح مجال العمل واسعاً أمام المواطنين، أكانوا من العاملين بالأجر أم من أصحاب المشاريع. ويوفّر بالتالي أساساً لعمل سياسي يقع على نقيض ما يجترحه أصحاب مشاريع «التعبئة على أساس الهوية»، الذين همهم الوصول إلى السلطة، أي تحقيق مكانة سياسية (procedural politics)، من دون أي برنامج أو اكثراث بما يهمّ الناس في حياتهم اليومية.

4. ما لم يقدمه الكتاب

انتقد الدكتور مسعود ضاهر الكاتب لأنّ 80 بالمئة من مراجعه بالأجنبية، ولأنّه أغفل نصوصاً قيّمة بالعربية. وهو محق. وأفضل طريقة لإظهار ما لم يقدمه الكتاب، المقارنة بين كريستوفر كلافام في قراءته لأزمة دولة العالم الثالث، التي اعتمدها الكاتب، وماري كالدور في قراءتها للحروب الأهلية، التي غفِل الكاتب عن نصوصها. صدر كتاب كلافام في 1996 وكتاب كالدور في 1999. يحتل الكتابان رأس لائحة المراجع المعتمدة للتدريس في الجامعات الغربية. فهذه الأخيرة تقدم علماً لا أيديولوجيا فقط. ولو أخذنا كتابات كالدور كمرجعية لظهر واقع لبنان أكثر سواداً مما يظهر في الكتاب. وفي قراءة هذه الأخيرة لحالة البلدان التي شهدت حروباً أهلية، لا تنفك النخب «اليائسة» تجر بلدانها مرّة بعد مرّة إلى جحيم الحرب الأهلية.
* أستاذ جامعي لبناني

المراجع
ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 2012، 224 صفحة.
Clapham Christopher., Africa and the international system: the politics of state survival, Cambridge : Cambridge University Press, 1996.
Kaldor Mary, New and old wars organized violence in a global era, Stanford CT : Stanford University Press, 1999.
Kaldor Mary, Robin Luckham,”Global Transformations and New Conflicts”, I D S Bulletin, 2001.