يبدو ان نوري المالكي يستريح من عناء سنوات ثقيلة في الحكم. لنقل أنه في مرحلة استجمام. انتقى الحاكم الأميركي المالكي من بين أربعة مرشّحين في 2006 بعد أن توصّل إلى قناعة أن إبراهيم الجعفري لم يعد يصلح للمهمّة المنوطة به. لم يكن اختيار رؤساء الوزراء، لا بل الوزراء، من عمل الشعب العراقي بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003. هناك مَن يريد ان يروّج لمقولة ان الاحتلال الأميركي كان يسيطر على كل شيء في العراق، لكنه كان مسؤولاً في تلك الفترة لكن مستقلّ (كما حال الذين تبوّأوا المسؤوليّة في لبنان في سنوات سيطرة النظام السوري وهم يعترفون من ناحية أن النظام كان يسيّر الأمور، لكن يصرّون من ناحية أخرى على انهم كانوا مستقلّين ومعارضين للنظام السوري). لا يستقيم الزعمان.

طبعاً، لا يمكن الركون لتحليلات وتعويذات إعلام النفط والغاز في الحديث عن المالكي. يكاد هذا الإعلام ان يقنعك أن الرجل وحده، مع غريمه بشّار الأسد، يشكّل العقبة الوحيدة امام نشر الديمقراطيّة والحريّة وتداول السلطة السلس في العالم العربي. لماذا توحي أبواق أمراء آل سعود بأن النظم الديمقراطيّة المنتشرة في الخليج لا تريد إلا بسط سلطة الحريّة والقانون في كل أنحاء العالم العربي، وان الشيعة وتنظيماتهم هم وحدهم مَن يمنعهم من تحقيق ذلك؟ لو أن لفكر آل سعود الوهّابي ان ينتشر وان يوطّد دعائمه في كل أنحاء العالم العربي، لكان العرب في خير وحريّة. هكذا يروّجون في إعلامهم.
تقاعد نوري المالكي. قرّر المُحتلّ الأميركي ان يقصيه عن موقعه. ضاق ذرعاً به، وهذا يحدث لأميركا مع حلفائها ومع وكلائها. ألم يقرّر الاستعمار البريطاني في صيف 1970 ان قابوس بن سعيد أصبح جاهزاً لإقصاء والده؟ قاوم الراعي (الآخر) الإيراني بعض الشيء قرار إقصاء المالكي، لكن توصّلت أميركا إلى اتفاق غير مباشر مع إيران على استبداله. عاند المالكي بعض الشيء، لكنه رضخ بعد ان جاء الأمر من أقوى رجل في العراق، بعد رحيل (معظم) القوّات الأميركيّة المحتلّة عن البلاد، أعني المرجع علي السيستاني. قرّر السيستاني ان استبداله يصلح للمضي في مسيرة سياسيّة وعسكريّة جديدة تقتضي توحيد جهود العناصر الطائفيّة الشيعيّة والسنيّة على حدّ سواء.
لم يكن المالكي معروفاً في أوساط الشعب العراقي أو العربي. هو كان معروفاً في أوساط معارضة المنفى العراقيّة، وكان يجمع في موقعه في حزب «الدعوة» بين التنسيق مع النظام الإيراني والنظام السوري. لكن تنظيمه كان أقرب إلى النظام الإيراني، عقيدة وسياسة. لكن زلماي خليل زاد كان يزهو بأنه هو الذي اكتشف المالكي وانتقاه بين منافسيه لأنه أكثر حزماً وأقلّ تردّداً. يُحكى عن مباريات خضع لها المرشّحون العراقيّون من قبل أجهزة عسكريّة واستخباريّة أميركيّة. وتشجيعاً للمالكي، قام بوش شخصيّاً بزيارة العراق في حزيران 2006 بعد توليّه المنصب لتزكيته وتبريكه. هكذا كان يُدار العراق في سنوات الاحتلال الأميركي، ولم يتراجع دور المُحتلّ بعد انسحاب معظم القوّات الأميركيّة. ويزداد عدد القوّات الأميركيّة المسلّحة التي تختار متى تقصف ومتى تضرب ومتى تقتحم. هي ربّ المنزل والشعب العراقي مجرّد ضيف عابر.

هناك علامات
استفهام حول عدد من مواقف الحزب إزاء الوضع العراقي بعد 2003

وقبل أن تقبل الحكومة الأميركيّة بتعيين حيدر العبادي، استحصلت منه، وفق الإعلام الغربي، على وعد بمنع أية ملاحقة قانونيّة ضد جنود الاحتلال الأميركي مهما فعلوا وكيفما قتلوا ودمّروا. ومن المعلوم ان الحكومة الأميركيّة استحصلت على قانون خاص بها بمجرّد أن أحكمت السيطرة على العراق في عام 2003. أي إنها كانت تريد أن يحتفظ جنودها بحق ارتكاب جرائم حرب، وهي لا تزال تحتفظ بهذا الحقّ. نوري المالكي شهد عمليّات جرائم حرب من قبل القوّات الأميركيّة ومن قبل قوّات المرتزقة التابعة للشركات الأمنيّة المتعاقدة مع قوّات الاحتلال، لكنه لم يرفع صوته إلا مرّات قليلة نادرة وبخجل شديد. حميد قرضاي، الذي ذهب اسمه مثلاً للرضوخ التام للمحتلّ الأميركي، جاهر بنقد قوّات الاحتلال اكثر بكثير من قرضايات العرب (أنهى قرضاي حكمه على خصام شديد مع المُحتلّ الأميركي).
من المفهوم أن يأتي المالكي إلى لبنان. الرجل يمثّل فريق الطائفيّة الشيعيّة في الحكم في العراق (باسم «دولة القانون»، أي قانون المُحتلّ) ويريد ان يلوذ بأبناء الطائفة القويّة في لبنان. لكن من غير المفهوم ان يحتفي حزب الله، كأم العروس، بالضيف العراقي. عانى حزب الله ولا يزال يعاني من تهم بالطائفيّة. بعض هذه التهم لا تستحق الردّ أو الدحض لأنها تأتي من قبل متمرّسي الطائفيّة الوهّابيّة في النظام السعودي الإقليمي. حزب الله استقبل المالكي على أنه ينتمي إلى فريقه، أي فريق الممانعة والمقاومة. لكن هذا الاستقبال وهذا الاحتفاء يستوجب من الحزب تعريفاً للمقاومة وللمانعة.
من المفهوم أن الحزب يعاني عزلة عربيّة ومن المفهوم أنه يحتاج لبناء شبكة علاقات عربيّة وهي شبه معدومة بسبب الحصار الطائفي المذهبي الذي فرضته دول الخليج عليه. لكن الخروج من هذه العزلة لا يكون عبر بناء أو توطيد شبكة العلاقات الطائفيّة التي يقيمها أو أقامها الحزب. لم يكتفِ الحزب بتكريم المالكي، بل اصطحبه وفد رفيع من القيادة، ضمّ محمّد رعد، لزيارة متحف المقاومة الرائع في بلدة مليتا الجنوبيّة. كان مشهد المالكي في المتحف مزعجاً للعين والعقل معاً. ما علاقة المالكي بالمقاومة، إلا إذا اعتبر المرء تعريفاً طائفيّاً أعوجاً للمقاومة.
إن المالكي رئيس حكومة معادية للمقاومة العراقيّة في العراق. وقد قاد حملة شعواء ضد كل أشكال المقاومة، حتى السلميّة، في العراق وبالتعاون مع قوى الاحتلال الأميركي الذي رعى حكمه. كما أن المالكي كان الرجل الثاني في حملة اجتثاث البعث في العراق، وتلك الحملة كانت من بنات أفكار الصهيوني بول وولفوتز (وكنعان مكيّة وغيرهم) وقد تحوّلت إلى حملة ذات مضامين طائفيّة زادت من النقمة الطائفيّة ضد حكم الأحزاب الطائفيّة الشيعيّة في العراق. إن حملة اجتثاث البعث في العراق خدمت مخطّط الفتنة كما خدمها الإعلام السعودي.
إن حزب الله ـ يُسجّل له ـ كان سبّاقاً في التحذير من المغبّات والعواقب الطائفيّة للحرب الأميركيّة عام 2003. وكان حسن نصرالله والراحل محمّد حسين فضل الله من القلائل الذين حذّروا من فتنة مذهبيّة سيفجّرها الغزو الأميركي. وكان نصرالله قد دعا إلى عمليّة «طائف عراقيّة» لتفويت الفرصة على الاحتلال الأميركي الذي كان سيفجّر صراعات وانشطارات في المجتمع العراقي. وانزعجت قيادة «المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق» («المجلس الأعلى الإسلامي العراقي» لاحقاً) آنذاك من تصريحات نصرالله (وحدثت قطيعة) لكن إمكان الحلّ السياسي كان مرفوضاً من قبل معارضة الخارج العراقيّة التي علّقت كبار الآمال على الغزو الأميركي. وقد تلاقى في ذلك أجنحة إيران وأجنحة السعوديّة وأجنحة أميركا وأجنحة العدوّ الإسرائيلي في صفوف المعارضة العراقيّة في المنفى.
كان موقف حزب الله متميّزاً في شدّة إدانته للغزو الأميركي ورفض متربّاته، لكن أداء الحزب السياسي وتعاطيه مع الملف العراقي ساهم في تبثيت تهمة الطائفيّة عليه من قبل أنظمة الخليج الساعية دوماً وأبداً إلى إذكاء نار الفتنة الطائفيّة. الحزب تردّد في ما بعد، عندما توطّدت دعائم حكم الأحزاب الطائفيّة الشيعيّة، وكان موقفه يتراوح بين إدانة الغزو الأميركي وبين مهادنة الأحزاب الحاكمة (وترافق ذلك مع موقف مهادن من النظام الإيراني). لكن هذا لا يجب ان يغفل ان الحزب والنظام الإيراني عمداً إلى دعم فصائل عراقيّة مقاومة وكانت نسبة عمليّات المقاومة من قبل الفصائل المدعومة من حزب الله وايران أكثر من 70% من مجمل عمليّات المقاومة في آخر سنوات الاحتلال الأميركي المباشر (وفق أرقام أميركيّة).
لكن هناك علامات استفهام حول عدد من مواقف الحزب إزاء الوضع العراقي بعد 2003.
أولاً، لماذا سكت الحزب عن أداء «الحوزة الصامتة» المتمثّلة بموقف السيستاني الذي هادن الاحتلال وامتنع عن تأييد عمليّات المقاومة ضد قوى الاحتلال. علمت الحكومة الأميركيّة ان كسب السيستاني إلى جانبها، من خلال انتهاج سياسات طائفيّة صريحة لدعم وصول الأحزاب الطائفيّة الشيعيّة إلى الحكم من خلال حكم محاصصة طائفيّة — لا يقلّ بشاعة عن النظام اللبناني ــــ ضرورة أمنيّة (لها). وهي قامت بتدريب ميليشيا قبليّة لحمايته في وقت كان مقتدى الصدر يضغط باتجاه تقويض دعائم «الحوزة الصامتة». يزهو أنصار السيستاني بأنه لم يلتقِ بأي مسؤول أميركي لكنه كان يلتقي بمبعوثين أميركيّين من أصل عربي (مثل الليكودي اللبناني، فؤاد عجمي وغيره) وذلك من أجل تبادل الرسائل مع قوّات الاحتلال. لا يمكن التقليل من حجم الضرر الذي ألحقه موقف السيستاني المهادن للاحتلال ليس فقط لهدف مقاومة الاحتلال الأميركي ولتفويت الفرصة على مشاريع الإمبراطوريّة الأميركيّة في كل المنطقة العربيّة، بل أيضاً على وضع العلاقات السنيّة-الشيعيّة. لو أن السيستاني أفتى بضرورة مقاومة الاحتلال عسكريّاً لكان زمن الاحتلال الأميركي أقصر بكثير، ولكان وضع العلاقات بين الطوائف أفضل بكثير، ولكانت فرص نجاح الفتنة المذهبيّة المنطلقة من الخليج أضعف بكثير. لم يصدر نقد واحد من الحزب لليسستاني، كما ان الحزب لم يصدر عتباً على مواقف الرجل الضعيفة إزاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربيّة، وإزاء عدوان العدوّ. لم يصدر عن السيستاني نقد قوي للدور الصهيوني-الإسرائيلي في العراق من ضمن مشروع الاحتلال الأميركي.
ثانياً، لم يقم الحزب في موقفه من النظام العراقي بربط مشروع المقاومة بمعايير تحالفه. لم يشرح الحزب، في زمن الفتنة الطائفيّة المُدمّرة، عن أسباب تحالفه الواضح مع الأحزاب الشيعيّة الطائفيّة الحاكمة في العراق. ما الذي يجمع بين الحزب الذي قاد مقاومة العدوّ الإسرائيلي في لبنان وبين أحزاب تحالفت مع عتاة صهاينة واشنطن؟ إن تنصيب الأحزاب الطائفيّة الشيعيّة في بغداد أتى عبر مشروع وضع لبناته المحافظون الجدد.
ثالثاً، كيف يمكن لحزب لا تنفكّ الحكومة الأميركيّة عن محاربته ان يعقد صلات وروابط صداقة وتحالف مع أدوات المشروع الأميركي في العراق؟ من المعروف ان المالكي هذا كان يجلس في كرسيّه مرّة كل أسبوع في عهد بوش ويعقد اجتماعاً معه عبر الفيديو وذلك لتلقّي الأوامر التفصيليّة من السيّد في البيت الأبيض. هذا هو نوري المالكي على حقيقته. هناك من يقول ان المالكي قاوم رغبة أميركا في الحفاظ على قوّة احتلال عسكريّة بعد موعد الانسحاب الرسمي، لكن ذلك حدث بعد ان استنفدت أميركا أغراضها منه، كما أن حميد قرضاي أنهى سنوات حكمه على خلاف مع الحكومة الأميركيّة، التي استبدلته بمَن هو أكثر طاعة منه.
رابعاً، لم يعقد الحزب صلات مع أطراف غير شيعيّة في المقاومة العراقيّة. قد يكون ذلك بسبب تجنّب إغضاب حلفائه الشيعة في الحكم. اما النظام السوري فقد أقام علاقات مع تلك القوى ما سببّ أزمة في العلاقة بين المالكي وبين النظام السوري، وقد اتهم الأوّل النظام بدعم الإرهاب.
خامساً، صحيح ان عزو تحالف الحزب مع النظام السوري إلى عامل مذهبي غير صحيح لكن التهمة لا يمكن ردّها في علاقته مع النظام العراقي. لا يسهل على معارضة الخارج السوريّة (الموالية لأنظمة الفتنة الخليجيّة) ان تلصق تهمة الطائفيّة على علاقة حزب الله بالنظام السوري لأن لعلاقة الحزب مع النظام السوري تاريخ من الصراع والحروب والتوتّر. لم تصلح العلاقة بين حزب الله وبين النظام إلا في عهد بشّار الأسد، إذ ان النظام كان يفضّل حركة «أمل» على الحزب، وكان يصرّ على زيادة التمثيل السياسي للحركة على حساب الحزب. كما ان العقيدة الإثناعشريّة ليست متطابقة مع المذهب العلوي (بالرغم من فتوى سياسيّة لموسى الصدر في عام 1973). لكن الطائفيّين لا يعترفون بفروقات بين مَن يكرهون من «الرافضة». لكن كيف يمكن الجمع بين سياسة وعقيدة الحزب المقاتلة-المُقاومة وبين النظام الطائفي الحاكم في العراق؟ ما الذي يمكن ان يجمع بين حزب الله ومقاومته وبين شخص وحركة نوري المالكي؟
سادساً، لم يحسن الحزب التعاطي مع الحملة الطائفيّة المجنونة التي شنّها ضدّه وضد عموم الشيعة النظام السعودي وحلفائه في منظمة التحالف الخليجي-الإسرائيلي. قرّر النظام السعودي، وبمباركة أميركيّة، شنّ حرب شعواء ضد الشيعة بعد 2003، وخصوصاً بعد فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006، من أجل تقويض دعائم المقاومة العربيّة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولقد فشل الحزب فشلاً ذريعاً في التصدّي لهذه الحملة. صحيح ان قدرة الحزب على التصدّي ضعيفة لأن طائفيّة الحزب (إن من خلال عقيدته الدينيّة المذهبيّة، أو من خلال تركيبته الاجتماعيّة أو من خلال ظروف نشأته) حقيقة وليس خيال. لكن الحزب، للإنصاف، لا يستعمل اللغة والخطاب السياسي قطّ وهو يفعل المستحيل لمنع جرّ جمهوره الى حلبة المواجهة الطائفيّة. والحزب فعل المستحيل كي يتجنّب الانجرار إلى مواجهة طائفيّة في لبنان وفي خارجه، لكنه أخطأ في أكثر من موقع في التجنّب. أعلن الحزب بشخص زعيمه، حسن نصرالله، في 7 أيّار 2008 ان الفتنة انتهت لكنها كانت تستعر ولم يزدها الحدث إلا استعاراً. لم يحسن الحزب في بناء جبهة غير طائفيّة لمساندة المقاومة ومشروعها في لبنان، وحصر علاقاته السياسيّة في نطاق التحالفات الطائفيّة. كما ان الحزب تقوقع أكثر إعلاميّاً بعد عدوان تمّوز ما سمح لإعلام النفط والغاز بأن يسود في العالم العربي، وأن يسيطر على الخطاب والمصطلحات السائدة.
إن استقبال حزب الله للمالكي واحتفاء نصرالله به سيعزّز الانطباع العربي (الشعبي) السائد عن صبغة طائفيّة للحزب. يخال المرء ان قيادة حزب الله، وحسن نصرالله شخصيّاً، لا يدرك مدى تغيّر صورة ومكانة الحزب في نفوس معظم العرب (وهناك إستطلاعات عالميّة تدلّل على ذلك)، هذا مع ان معظم هذا التغيّر يرجع لنفاذ التحريض الطائفي ونجاحه في تحوير الأنظار عن خطر العدوّ الإسرائيلي. وقد تجاهل الحزب ان حكم المالكي إتسم بممارسات إضطهاد وقتل طائفيين، كما أن الفساد وسم سنوات حكمه (مع أخبار عن ضلوع لأفراد من عائلته بالثمار). وقد صدر بعد لقاء نصرالله مع المالكي بيان جاء فيه ان نصرالله قدّر للمالكي «شجاعته ومواقفه ضد أميركا والسعوديّة». أي شجاعة ضد أميركا، والرجل نُصّب في الموقع من قبل أميركا نفسها، وكان المنفّذ المُطيع لسياسات بوش، ويتلقّى الأوامر عبر الفيديو أسبوعيّاً. صحيح ان أميركا لم تعد راضية عنه في السنتيْن الماضيتيْن لكن ذلك يعود لاستنفاده لدوره ولأنها باتت تفضّل عليه مرشّح آل سعود، أياد علاّوي. إن غضب أميركا الحالي على حميد قرضاي لا يعني ان الرجل لم يكن مضرب المثل في خدمة أميركا، وفي كونه أداة أميركيّة منذ النشأة السياسيّة.
وأضاف البيان الإعلامي (عن لقاء نصرالله مع المالكي) ان «القراءة (بين نصرالله والمالكي) كانت متطابقة حول الخلفيّات والأهداف وسبل المواجهة». كيف سيفسّر الرأي العام العربي هذا البيان؟ إن المالكي كان متحمّساً (ومستفيداً) من الغزو الأميركي للعراق، هل ان الحزب غيّر تقييمه للغزو وأصبح من مؤيّديه؟ أن المالكي كان حاكماً بالأمر الأميركي وكان ينفّذ سياسات قتل المقاومين العراقيّين، هل أصبح الحزب معادياً للمقاومة العراقيّة مع انه أسهم في دعمها؟ كما ان المالكي في سنوات حكمه كان حاضراً في كل التجمّعات العربيّة والدوليّة التي كانت أميركا تأمر بها، هل بات الحزب يماشي تلك التجمّعات؟ وكان الدور الدبلوماسي للعراق في سنوات المالكي متماشياً مع السياسات الأميركيّة فكيف يكون الحزب موافقاً عليها؟
يحتاج حزب الله إلى وقفة لمراجعة سياساته وخطابه وصمته. إن الفتنة الطائفيّة تمعن خراباً في الجسم العربي والإسلامي، ومشروع المقاومة يعاني من جراء نجاح خطاب وسياسات الفتنة في العالميْن العربي والإسلامي. لم تعد مسألة مواجهة الفتنة ضرورة حزبيّة أو حتى دينيّة، إنها ضرورة حيويّة وعسكريّة من منظور المقاومة. وهذه الضرورة كان يجب ان تمنع الحزب من الاحتفاء بنوري المالكي.
* كاتب عربي
(موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)