على هامش الملتقى الوطني للحوار الاقتصادي حاولت متسائلاً معرفة موقف الدكتور محمد العمادي، وزير الاقتصاد السابق، من مستقبل السياسات الاقتصادية في سوريا، وهل نحن مقبلين على تحرير كامل للاقتصاد. فكان في رده رفض واضح لسياسات كهذه، وتخوف من نتائجها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكنت حينها أدرك جيداً أن من يحدد السياسات الاقتصادية، كان يضع آليات التحرير الاقتصادي موضع تنفيذ تدريجي ممنهج، بغض النظر عن انعكاساتها الكارثية. وكان هذا بعد أن وضع الدكتور عبدالله الدردري المداميك الأساسية للاقتصاد الحر.


أما الآن فإن السوريين يتساءلون عما إذا كانوا سيترحّمون على أيام الدردري، وعلى اللحظات التي كانت فيها الدولة تلحظ مصالح الفئات الشعبية الأكثر فقراً. والسبب في تساؤلات كهذه يعود إلى اشتداد حدة الصراع وازدياد تعقيداته المتداخلة والمركبة وانعكاسه على مجمل تفاصيل الحياة اليومية. وهذا بحد ذاته يتطلب من الحكومة التخفيف من تداعيات الأزمة، وتوفير الحاجات الأساسية للمواطن. فاستطالة الصراع وازدياد حدة الانهيارات الاقتصادية وتعمّق التصدعات الاجتماعية والإنسانية يسحق السوريين.
وفي سياق بحثي عن أسباب ونتائج تحرير سعر حوامل الطاقة، أستذكر كتاباً صدر قبيل الأزمة بعنوان «لا خبز ولا حرية». وبغض النظر عن محتويات الكتاب، فإن عنوانه يدل على أسباب وملامح الأزمة التي تحولت إلى كارثة وطنية عميقة. أما الآن فإن عموم السوريين لم يعودوا يفتقدون إلى «الحرية» والعدالة الاجتماعية فقط، بل يفتقدون «وطناً» يضمن وحدة واستقرار وأمان مكوناته الاجتماعية. ويعزز هذا الواقع سياسات حكومية تزيد الهوة بين المواطن ووطنه، وتدفع إلى تحلل وتصدّع العلاقة الجدلية والعميقة التي تربط بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهذا لا يعني أن نغضّ الطرف عن عوامل الصراع التي تَحُد من إمكانات الحكومة. لكن تردي أحوال السوريين، لا ينحصر في سنوات الأزمة الراهنة. ومع هذا لا يوجد مجال للمقارنة بين أوضاعهم قبل الأزمة، وأحوالهم الكارثية في اللحظة الراهنة. إذ إن حوالى 90% باتوا يفتقدون إلى الحدود الدنيا من الأمن الغذائي. وكذلك فإن أحلامهم بالحرية التي كانت تشكل هاجسهم الأساس تزداد تحطماً. ولا نقصد هنا الحرية بمعناها المبتذل الذي يحاول البعض تسويقه، وتحميل من طالب بها سلمياً المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع، بل نقصد الحرية بمعانيها ومقاصدها السامية والرفيعة التي تُعتبر هدفاً لشعوب العالم كافة. وبالتأكيد فإن السوريين لا يختلفون عن تلك الشعوب التواقة إلى الحرية والانعتاق،

استقرار المجتمع
وتطوره يرتبطان عضوياً وبنيوياً ببنية الاقتصاد



لكن حلمهم بالحرية والعدالة الاجتماعية يحطمه يومياً الصراع الدائر على أرضهم.
بالعودة إلى تداعيات تحرير سعر حوامل الطاقة، نرى أنه من الضروري تحديد انعكاساته على معيشة المواطن الذي بات يعاني بشكل مستمر ومتزايد من انخفاض القيمة الشرائية لدخله. حتى بات ما يتقاضاه عند أول كل شهر، يتبخّر قبل أن يقبض عليه. أما بعد رفع سعر المازوت والبنزين، فإن مستوى معيشة الأسرة انخفض إلى أكثر من 30%، وهذا يعني أن قيمة القدرة الشرائية انخفضت بالنسبة ذاتها. ولا يتوقع السوريون في الأيام المقبلة إلا الأسوأ، وتحديداً بعد تسريبات تفيد بأن الحكومة ستعمل على تحرير سعر حوامل الطاقة. وهذا يستدعي التساؤل عن واجبات الحكومة، وكيف سيكون مستقبل السوريين في حال اعتمدت سياسات كهذه، وإذا تخلت الجهات الحكومية عن مسؤوليتها في تأمين المشتقات النفطية وتحديد الأسعار لبعض التجار الذين لا يهمهم إلا تكديس الأرباح حتى لو كانت على حساب معيشة الإنسان. كذلك فإن تحرير سعر حوامل الطاقة يعني تعويمه، وهذا يعني أن حركته سترتبط بشكل مباشر بالسعر الدولي الذي يدرك الجميع أنه خاضع للسياسات والمصالح الدولية، وأيضاً لمستوى العرض والطلب العالمي. وهذا يعني أن وضع المواطن سيصبح في مهب الريح، كونه سيكون مرتهناً للمتغيرات الإقليمية والدولية.
ونتائج هذا التحوّل لا تتوقف فقط على مازوت التدفئة، بل ستنعكس تداعياته على مستويات وأشكال الحياة كافة. فاستقرار المجتمع وتطوره وإمكانات تحقيق العدالة الاجتماعية ترتبط عضوياً وبنيوياً ببنية الاقتصاد وأشكال تغيره ومعدلات النمو والكيفية التي ينعكس فيها على الفئات الاجتماعية. وهذا بدوره مرهون بدور الدولة.
رغم تصريح وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية همام الجزائري أن الحكومة لم تزل تدعم المازوت، فهو كما يقول: إنّ ليتر المازوت المقرر بيعه بـ 80 ليرة «يكلّف الدولة ما بين 150 و160 ليرة. بالتالي ما زالت الحكومة تدعم السعر». فإن مجريات الواقع والتسريبات تشي بأن الحكومة ذاهبة بشكل مباشر إلى تحرير سعر حوامل الطاقة، ورفع يدها عن بقايا أشكال الدعم. وهذا يستدعي منّا توضيح بعض القضايا الأساسية:
ـ إن تحرير سعر حوامل الطاقة سينعكس على مجمل مستويات العملية الاقتصادية وأشكالها، إذ إن كلفة الإنتاج سترتفع بشكل ملحوظ. وهذا يعني أن تحرير سعر حوامل الطاقة سوف يسهم في ارتفاع سعر المواد الأولية الداخلة في العملية الإنتاجيةـ ارتفاع أجور النقل ـ ارتفاع تكاليف التسويق ـ ارتفاع أجور اليد العاملة ـ ارتفاع تكاليف الصيانة وسعر قطع التبديل ـ تراجع القدرة التنافسية للسلع الوطنية في الأسواق الدولية. وهذا يعني: ازدياد ظاهرة تهريب السلع الأجنبية إلى داخل سوريا ـ إفلاس مزيد من القطاعات الإنتاجية، وتوقف الكثير منها. أي إننا سنشهد انهيارات متسارعة للصناعة الوطنية ـ هجرة أصحاب الرساميل الصناعية إلى الخارج ـ ازدياد ظاهرة التهرّب الضريبي. أما القطاع الزراعي فإنه سيشهد تراجعاً واضحاً في المساحات المزروعة وتحديداً المروية منها. وهذا لا يتوقف فقط على ارتفاع سعر المحروقات، أو حتى تحريره، بل يتعلق بارتفاع سعر الأسمدة والبذار والأدوية، هذا إضافة إلى نضوب المياه السطحية والجوفية. وهذا يعني بالضبط، هجرة المزارعين لأرضهم. إن التداعيات التي سيتركها تحرير سعر حوامل الطاقة على القطاعات الإنتاجية وحتى الخدمية، ستترك آثارها بشكل واضح وملموس على مستوى معيشة شرائح اجتماعية واسعة. أي إن أعداداً كبيرة من السوريين سيعانون من المجاعة. وليس فقط من تداعيات الفقر الذي بات أحد سمات المجتمع السوري.
ـ أما في ما يتعلق بدور الدولة، فإننا نرى وكذلك غالبية السوريين، ضرورة التمسّك بدورها التنموي والاجتماعي ودفعه إلى مستويات أفضل ـ التمسك بدورها في دعم القطاعات الأساسية ـ ضرورة اشتغال الحكومة على القطع مع السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية. وهذا يعني رفض نهج تحرير الاقتصاد الذي يؤكد دعاته أولوية التخلّص من دور الدولة في الإشراف وضبط وتحديد آليات وأهداف الخطط التنموية وكيفية تحقيقها. والإبقاء على دورها في حماية حركة رؤوس الأموال والاستثمارات وتوفير البنى التحتية اللازمة لذلك. ونشدد على أن من يحاول إلغاء دور الدولة في ضبط ميول وسياسات الاقتصاد الكلية، وأيضاً إلغاء دورها الاجتماعي، ودعمها القطاعات الأساسية. لا يقل خطورة عمن يقتل السوريين بالرصاص.
ـ أما في ما يخص الحكومة، فمن المفترض أن تكون حكومة أزمة. أي حكومة تعمل على تجاوز الأزمة بكل تفاصيلها وحيثياتها لا أن تعمل على تعميقها. وهذا يعني أن تعمل على وضع الأسس اللازمة والضرورية والمناسبة لتوفير الحدود الدنيا من العيش الكريم. وأن تعمل على توفير الأمن والآمان وتحديداً في المناطق التي ما زالت تُعتبر تحت سيطرة الدولة. لا أن تزيد أعباء المواطن نتيجة إعادة إنتاج سياسات اقتصادية ومالية تساهم في تعميق التصدعات والانهيارات التي يعاني منها الاقتصاد السوري. وبات من المعلوم أن تلك السياسات كانت من أسباب معاناة المواطنين قبل الأزمة. إضافة إلى ذلك فقد بات واضحاً بالنسبة إلى غالبية السوريين، أن الحكومات التي تم تشكيلها في سياق الصراع. كانت بالإجمال تعمل على تكرار سياسات الدردري، متجاهلة بذلك الحقائق التي تشير إلى أن تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين معدلات النمو، وضمان انعكاس آثاره الإيجابية على معيشة المواطن، يحتاج إلى سياسيات تخالف بشكل كامل سياسات الاقتصاد الحر. وقد بات واضحاً أن السياسيات الاقتصادية الكلية والجزئية، للفريق الذي كان يقوده الدردري، لا تعدوا أن تكون تعبيراً عن وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين كانا يدفعان إلى تحرير الاقتصاد والأسواق والأسعار، وبشكل خاص سعر حوامل الطاقة، لما له من آثار سلبية في الاقتصاد بشكل كامل، والقطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية بشكل خاص. وهذا بداهة سيترك آثاره الكارثية على معيشة المواطن. مع العلم أن هذه التحولات والميول لم تنتهِ برحيل الدردري. وما يشير إلى ذلك هو اشتغال الحكومات المتعاقبة على إعادة إنتاج هذه السياسات في سياق إعادة هيكلة الاقتصاد. ويبدو أن هذه السياسات تُمثل رداً انتقامياً على كل من يفكّر في إقامة اقتصاد تنموي اجتماعي يسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا يستوجب تأكيد ضرورة التمسك الشعبي والحكومي بانتهاج سياسات اقتصادية تقطع مع السياسات النيو ليبرالية كونها تُشكل في بلداننا مدخلاً إلى تدمير الدولة والمجتمع.
* باحث وكاتب سوري