فيما يخطو باراك اوباما نحو السنتين الأخيرتين من رئاسته، يقترب من دخول المرحلة التي تسمّى في السياسة الأميركية «البطة العرجاء»؛ أي حين لا يعود الرئيس قادراً على اقرار سياسات كبرى، ويقلّ تعاون الحزبين معه، ويصير الاهتمام منصبّاً على اختيار الادارة الرئاسية القادمة. هذه ايضاً هي المرحلة التي يبدأ فيها تقييم اداء الرئيس وإرثه. حلفاء اميركا في بلادنا لم يحبّوا اوباما وهو لن يترك لديهم ذكرى طيبة. هذا ينعكس في اعلامهم حيث تجد خيبة دائمة من تردّد اوباما و»ضعفه»، وترحّماً على بوش الابن وايامه. اوباما، من وجهة نظرهم، «جبان» ينقصه الاقدام: ترك العراق لأعدائهم، ولم يتدخّل في سوريا، ولم يضرب ايران – بل تفاوض معها!


المشكلة هي في انهم يتوهّمون أنّ هيلاري كلينتون، لو كانت هي الرئيس، أو حتى بوش نفسه، لاختلفت السياسة الاميركية باختلاف الشخص. وبالمناسبة، فإنّ سياسات الانسحاب من العراق، وعدم التورط بارسال جنود الى المنطقة، والكلام مع ايران، كلّها أُطلقت في عهد بوش الابن قبل مجيء اوباما.
يتكلّم الفيلسوف جان بودريار على شخص الرئيس كمثال على الطابع الصوري للنظام الاميركي (هو يعتبر اميركا النموذج الأعلى والوحيد للحداثة الرأسمالية)، حيث العناصر كلّها قابلة للاستبدال، وشخص الرئيس لا يعني شيئاً «سياسياً». الرئيس الاميركي هو «بوتس» - الاحرف الأولى لـ «رئيس الولايات المتحدة»، وهو التعبير الذي تستعمله قوات الحماية عند الاشارة الى الرئيس – والشخص نفسه ليس أكثر من واجهة. بهذا المعنى، اوباما لم يكن الّا فرداً طموحاً ومحظوظاً بشكلٍ استثنائي؛ تلاقت العوامل في الوقت المناسب لدفعه الى قمّة المؤسسة السياسية. حتّى خلفيته العرقية، التي تشكل «»فرادته»، ما هي الا دليلاً اضافياً على فكرة بودريار. اوباما اسود بمعنى لون البشرة فحسب، فهو قد نال تربية ثريّة «بيضاء» مع امّه الاميركية، وابوه ليس «افريقياً اميركياً» خاض تجربة التمييز والحرمان في احياء اميركا السوداء، بل كان كينيّاً درس في هارفارد - ومن نخبة النخبة في بلده.
اوباما جاء في عصرٍ صارت المؤسسة فيه تحتاج الى شخصيات «سوداء» في الواجهة؛ وهذا، بلا شكّ، قد خدمه في مسيرته - منذ اختير تلميذاً ليكون «أول رئيس اسود» لمجلة هارفرد للقانون، الى أن صار «أول رئيس أسود» لأميركا.
هذه المفارقة، التي تلخّص جوهر اوباما، التقطها الممثّل القدير بيل شاتنر («كابتن كيرك» في مسلسل «ستار تريك» الشهير) حين قال عنه في دورٍ تلفزيوني، واوباما ما يزال مرشّحا ابتدائياً قليل الحظوظ: «انه يتكلّم الأبيض بطلاقة ويتكلّم الأسود بطلاقة. لن يتمكن أحد من ايقافه».