نشرت صحيفة «السفير» قبل أسبوع استطلاعاً لمؤسّسة «الدوليّة للمعلومات» أظهر أن نسباً صغيراً جدّاً في كل الطوائف ترى في دولة العدوّ الإسرائيلي الخطر الأوّل الداهم في لبنان (لم تتعدّ النتيجة نسبة العشرين في المئة فيما ترواحت في أقلّ من ٧٪ عند عدد من الطوائف). هالني الأمر. كيف يمكن ألّا يجمع اللبنانيّون واللبنانيّات (حتى هؤلاء الذين ينتمون إلى فريق دعم المقاومة) على أن دولة العدوّ الإسرائيلي، لا «داعش»، تشكّل أكبر خطر، الآن وغداً، ضد لبنان ومصالحه الاستراتيجيّة؟ ماذا حدث للوعي بخطر العدوّ، قلتُ في نفسي؟

كيف يمكن أن تتفق الطوائف المتناحرة والمتنازعة، على كل شيء، في مسألة التخفيف من الخطر الإسرائيلي الداهم (منذ الغزوة الاستعماريّة الصهيونيّة الأولى في القرن التاسع عشر)؟ وهناك أيضاً استطلاع نشره موقع مرتبط بالذراع الفكرية للوبي الصهيوني في واشنطن، اي «مؤسّسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، وزعم فيه «مُحلّله» ان صفر في المئة من السكّان في لبنان فقط يتعاطفون مع «داعش». الغريب في الأمر أن المؤسّسة المذكورة رفضت ان تنشر اسم المؤسّسة التي حضّرت وأجرت استطلاعها في عدد من الدول العربيّة لمعرفة أهواء الناس حول «داعش» (وتغييب اسم المؤسّسة من المخالفات البديهيّة لمصداقيّة استطلاع). لكن هل الذين أووا وموّنوا وهرّبوا مقاتلي «داعش» في أنحاء مختلفة من لبنان كانوا أشباحاً لا بشراً؟ هل من المعقول أن صفراً في المئة فقط تتعاطف مع «داعش» في لبنان فيما يجاهر سلفيّو لبنان المتعاظمي الشأن بتعاطفهم مع «داعش» (ومع جبهة «النصرة» التي تحوّلت بفتوى من مراكز صنع القرار في واشنطن إلى نموذج للإرهاب المعتدل)؟ هل هناك خطأً ما؟
ثم كانت الانتخابات النيابيّة الأخيرة في لبنان حيث تنافست قوائم وتنافست مراكز استطلاع للرأي في توقّع النتائج قبل حدوثها (والتوقّع في السياسة ولو بوجود الحواسيب ووسائل الاستطلاع ليس علماً، وكانت حنة أرندت تقول إن التوقّع ليس في حقل السياسة، مثل العلوم).

الاستطلاعات المبنيّة
على عيّنات عشوائيّة دُشّنت في أميركا عام 1915
وحزب الله، اعتمد على مركز استطلاع للرأي طمأنه أن نتائج الانتخابات مضمونة لصالحه، ما دفع نعيم قاسم إلى أن يلقي خطبة قبل الانتخابات بأيّام يُعلن فيها ان الحزب سيفوز بها وأنه سيفكّر في أمر التحالف مع الآخرين (حتى لو كان الحزب سيفوز، من بديهيّات النصر الانتخابي ألا يتصرّف الحزب الفائز بنفسيّة المنتصر كي يحثّ الناخبين من أنصاره على الاقتراع بكثافة). واستطلاعات الرأي باتت ظاهرة شبه يوميّة في الحياة السياسيّة العربيّة. هناك استطلاع يجرى كلّ يوم تقريباً في مكان ما. والاستطلاعات في الحياة العربيّة على أنواع ثلاثة: المحليّة التي تجرى داخل البلد العربي، وتلك التي تجرى على مستوى العالم العربي، والعالميّة االتي تجريها مؤسّسات عالميّة - أميركيّة غالباً.
إن الحديث عن رأي عام، أو رأي العامّة، شأن قديم في الفكر السياسي. والإغريق القدماء نبذوا الرأي العام من أساسه، كما نبذه الآباء المؤسّسون للجمهوريّة الأميركيّة الذين حذّروا من عواقب احترام «الأهواء العابرة» للعامّة أو الغوغاء. أما تاريخ استطلاعات الرأي العام المعاصرة فهي أميركيّة صرفة، بعمر قرن من الزمن. هناك من يعود بالتاريخ إلى ما يُسمّى بـ «استطلاع عيدان القش» من قبل مطبوعة في بنسلفانيا في أوائل القرن التاسع عشر. لكن هذا النوع من الاستطلاعات لا يُعتمد لأنه يخلو من المعايير العلميّة للاستطلاعات. لكن الاستطلاعات المبنيّة على عيّنات عشوائيّة دُشّنت في أميركا قبل انتخابات وودرو ولسن في 1915. لكن الرائد في الاستطلاعات كان جورج غالوب (مؤسّسة «منظمّة غالوب» المعروفة عالميّاً اليوم) والذي كان أوّل من اعتمد المعايير العمليّة الإحصائيّة في انتقاء العيّنة للاستطلاع، وتوقّع على أساس استطلاع فوز فرانكلن روزفلت في 1936.
لم يحترم الفلاسفة لا الرأي العام ولا تستطلاعاته. نيتشه عرّف مفهوم الرأي العام على أنه «كسل خاص (في كتاب «إنساني، إنساني جدّاً»، القسم الأوّل). هيغل، مثله مثل ألكسس دو توكفيل، كان يكنّ مزيجاً من الآراء في موضع الرأي العام وقال فيه: «إن الرأي العام يستحق الاحترام والاحتقار في آن» («فلسفة الحق»، فصل 318). والرأي العام يعني العامّة كما يعني المصلحة العامّة. وكانت تطوّر الديمقراطيّة، خصوصاً الأميركيّة، يدفع إلى تطوير صناعة - لا علم - الرأي العام، لا استطلاعاته. لم يكن تطوير صناعة الرأي العام من أجل احترام رأي العامّة، بقدر ما كان من أجل فهم توجّهاته لتطويعه وتوقّع نتائج الانتخابات بالنسبة إلى الصحافة. كانت استطلاعات الرأي في أميركا صنواً للانتخابات، تتطوّر مع تطوّرها المطّرد. لكن عالم الاجتماع الأميركي جون زالر قلب مفاهيم الرأي العام، من المنظور الأكاديمي على الأقلّ، عندما نشر كتابه المفصلي، «طبيعة وجذور رأي الجماهير» عام 1992. قد يكون زالر قد أهان التقليد الأميركي عندما صارح الجمهور بأن الرأي العام الأميركي ليس وليد أفكار حامليه، وليس وليد تأمّل ومعرفة بل هو نتيجة تأثير إعلام أو تواصل النخب. وأوضح زالر أنه من الممكن التأثير في الرأي العام من خلال خطاب النخبة. وأعطى عدداً من الأمثلة، عن أن إجماع النخب في أميركا يؤدّي إلى تكوين موافقة بين الناس. (عاد زالر وخفّف من وطأة حكمه القاسي فيما بعد عندما قبل فكرة أن بعضاً من الجمهور يحمل بعضاً ممّا نسميّه «الثوابت»، أي تلك المبادئ التي لا تتأثّر بخطاب ومناقشات النخب. وكان زالر في أطروحته الأولى رافضاً لوجود «الثوابت» إلا في حالات). طبعاً، الخبراء والناشطون السيّاسيّون أقلّ عرضة للتأثير. وفي أميركا تتطغى عناوين الحزبيْن على التأثير: فالمواطن (او المواطنة) المنتمية للحزب المعيْن تتأثّر برأي النخبة التي تنتمي إلى حزبها، والعكس صحيح، ومن دون ان يكون لها رأي أو معرفة بالموضوع.
أراد استاذ السياسة في جامعة تكساس في أوستن، جيمس فيشكن، في التسعينيات ان يُثبتَ ان أراء العامّة جاهلة لأنها لا تعتمد على معرفة بالمواضيع السياسيّة المطروحة. تلقّى تمويلاً من مؤسّسات كي يثبتَ ذلك بالدليل الحسّي: كان يدعو عيّنة عشوائيّة (نحو ألف، مثل تلك التي تُستخدم في استطلاعات الرأي) إلى مدينة أوستن، ويستضيفهم على مدى أيّام. وكان يبدأ المؤتمر باستطلاع العيّنة حول آرائهم السياسيّة، ثم يبدأ المؤتمر بعقد ندوات وإلقاء محاضرات عن مواضيع سياسيّة شتّى، وكان على الحضور متابعة كل ما يشاهدونه ويسمعونه. وفي نهاية المؤتمر، كان يستطلع الحضور (مرّة ثانية) ليكشتف أن أراءهم تغيّرت جذريّاً على مدى بضعة أيّام. هذا يذكّر باستطلاع لـ«واشنطن بوست» قبل سنوات عندما سألت عيّنة من الأميركيّين عن رأيهم بالدعم الأميركي المالي لدولة العدوّ الإسرائيلي، وكان نحو 70 في المئة موافقاً على هذا الدعم. لكن السؤال الثاني للعيّنة، أضاف معلومة عن أن هذه الدولة تتلقّى أكبر عون مالي من أميركا بين كل الدول، وأن نسبة الدعم تفوق (حينها) مجمل ميزانيّة الأمم المتحدة، فتدنّت النسبة إلى أقلّ من النصف. ووسائل الاستطلاع في أميركا وفي بلادنا ذات نواقص كثيرة: ففي أميركا، تعتمد شركات الإحصاء على الهواتف الأرضيّة لإجراء الاستطلاع مّما يقصي من العيّنة الشباب الذين واللواتي لا يملكون هذه الأيّام هواتف أرضيّة (يكتفون بالخليوي ويسري هذا في البلاد العربيّة أيضاً).
أما في العالم العربي، فنحن نشهد غزوة للاستطلاعات الرأي، والأخطر أن هناك في العالم العربي من يتعامل مع استطلاعات الرأي على أنها علم لا يُردّ، كما أنه ليس هناك من تفريق بيْن أنواع مختلفة من الاستطلاعات. إنّ استطلاعات الرأي على الإنترنت، مثلاً، هي أدنى أنواع الاستطلاعات لأن العيْنة مُنتقاة ذاتيّاً، وفق مصطلحات علم الإحصاء. والاستطلاعات تُستخدم في بلادنا هذه الأيّام من قبل أجهزة استخباراتيّة بهدف التأثير في الرأي العام. ومؤسّسات «دعم الديمقراطيّة» التابعة للحزبيْن في أميركا تقوم بإجراء استطلاعات رأي دوريّة في بلادنا وذلك بهدف التوصّل إلى نتيجة ملائمة للصهيونيّة. كأن يُسأل الناس عن رأيهم في ضرورة السلام، فتوافق أكثريّة على هدف السلام، فتقوم المنظمّة بنشر عنوان أن العرب يريدون التطبيع مع دولة العدوّ.
وهناك نماذج عديدة للاستخدام السياسي لاستطلاعات الرأي في بلادنا. أبرز تلك النماذج هو استطلاع اللاجئين الفلسطينيّين من قبل «المركز الفلسطيني للبحوث السياسيّة والمسحيّة» في رام الله. ففي عام 2003 - في الحقبة البوشيّة، يا للصدفة - أعلن خليل الشقاقي، مدير المركز، ان استطلاعاً لعيّنة من اللاجئين (شملت العيّنة 4500 عائلة وهذه الرقم يثير الشبهات لأنه يفوق العدد المطلوب للشعب الفلسطيني، إذ ان الاستطلاع المقبول للشعب الأميركي البالغ من التعداد 213 مليون لا يحتاج إلى أكثر من 1000 أو 1200، وإلا تكون النتيجة مُكرّرة)، أعلن فيه ان اكثريّة فيه تتخلّى عن حق العودة (وقد أثار استطلاعه غضبة الرأي العام الفلسطيني، إذ اقتحمت مجموعة من الشباب الفلسطيني - اللاجئ - مكتب المركز احتجاجاً). وتداولت المراكز الإسرائيليّة والصهيونيّة، والحكومتيْن الأميركيّة والإسرائيليّة، بنتائج الاستطلاع ونشرته وروّجت له بصورة كبيرة، وذلك لتكريس إهمال حق العودة بلباس فلسطيني. لكن بعد أكثر من سنة، اتضح ان البحث لم يكن علميّاً البتّة وأن النتائج لم تكن كما أُعلنَت، وأن المركز اتبع وسائل غير أمينة وغير مركونة، إذ إن الاستطلاع استبق السؤال عن الحق العودة بإبلاغ المُستطلع انه في حال منع حق العودة، هل تقبل بالتخلّي عنه، أو كلام من هذا القبيل. أي ان المركز اتبع أجندة مسبقة وأهداف سياسيّة مبيّته في سؤال اللاجئين.
ثم أن مراكز الاستطلاع الغربيّة تعمل حثيثاً في بلادنا وتستطلع بصورة دوريّة في الدول العربيّة والإسلاميّة (زاد هذا الاهتمام بصورة دراماتيكيّة من قبل هذه المراكز بعد 11 أيلول، وكانت الحكومة الأميركيّة تطلب بدورها إجراء استطلاعات، لكن نتائجها تبقى غير معلنة). سألتُ مدير «مؤسّسة غالوب»، وهي أعتق مؤسّسة استطلاع في أميركا والعالم عن أساليب وطرق الاستطلاع. فكان الجواب انه يجرى في بلادنا عبر مترجمين وان الحكومات تكون على علم بالاستطلاع، وتعطي تصريحاً بذلك للمؤسّسة. ويقوم فريق عمل محلّي بإجراء المقابلات بعد وضع ترجمة حرفيّة للأسئلة التي تردهم من المركز في أميركا، ومن دون الأخذ في الحسبان الفروقات اللغوية والثقافيّة والسياقيّة. وصياغة الأسئلة بالإنكليزيّة وترجمتها كما هي إلى العربيّة تضيّع المعنى بالكامل، ويؤدّي ذلك إلى عكس المعنى أحياناً. خذ مثلاً الأستاذ رونالد إنغرهارت في جامعة ميتشيغان، والذي أجرى أوسع وأشمل استطلاعات دوريّة حول العالم، وهو يتابع الاستطلاعات لرصد التغييرات. ولقد نشر بعضاً من أبحاثه في كتاب ضخم له بعنوان «قيم إنسانيّة». من جملة الأسئلة التي سألها سؤال «مَن تفضّل ألّا يكون من جيرانك؟». ولقد سأل هذا السؤال لعيّنات حول العالم. لكن السؤال حتماً ضاع في الترجمة إلى التركيّة إذ ان أكثر من 90 في المئة من الأتراك قالوا إنهم لا يريدون أن يكون المسلمون مِن بين جيرانهم.
وفي الدول العربيّة تجرى الاستطلاعات من أجل تكوين الوعي بطريقة تخدم الأنظمة. ماذا يعني ان تنشر مراكز استطلاع نتائج استطلاع يأتي فيها ان «الشعب العربي» يؤيّد إقصاء بشّار الأسد عن السلطة. لا أشكّك في النتيجة لكن أسأل: أليس هذا الاستطلاع منقوصاً إذ إن السؤال كان فقط عن إقصاء حاكم واحد، ولم يسأل الاستطلاع عن إقصاء ملك السعوديّة أو ملك الأردن أو الأمير القطري، وقد تكون نسبة تأييد الإقصاء لا تقلّ عن تلك النسبة المُعلنة. هذا مثال واحد للتسييس في إستطلاعات الرأي. و«مؤسّسة زغبي» كانت واحدة من أبرز مراكز الاستطلاع في أميركا والعالم، وهي اهتمّت باستطلاع الرأي العام العربي بعد 11 أيلول، مثلها مثل «مؤسّسة بيو» و«مؤسّسة غالوب». لكن شقيق جون زغبي (مؤسّس «مؤسّسة زغبي»)، جيم زغبي (رئيس «المؤسّسة العربيّة ــ الأميركيّة») أقام علاقات وطيدة جدّاً مع أولاد زايد بن سلطان آل نهيان وأصحبت استطلاعات الرأي للمؤسّسة المذكورة لا تصل إلا إلى نتيجة العداء العربي لإيران فقط.
إن صيغة السؤال (كما صيغة الأسئلة المُحدّدة المُتاحة) تساهم في بلورة رأي عام ووعي شعبي. يلاحظ المرء ذلك مثلاً في صياغة الأسئلة على مواقع وسائل الإعلام اللبنانيّة المُرتبطة باللوبي الإسرائيلي في لبنان (أعني، طبعاً، حركة 14 آذار ومَن يدور في فلكها). تضع أسئلة من نوع: «من يتحمّل مسؤولية إشعال الحرب في تمّوز، إسرائيل أم حزب الله؟»، أو «هل الشيعة من المسلمين»، أو «رفيق الحريري هو إله أم نصف إله»، أو «هل يحتاج لبنان للدفاع عن نفسه»، أو «هل بمستطاع لبنان مخالفة مشيئة الرجل الأبيض، أعني المجتمع الدولي»، وهكذا دواليك. هذا النوع من الأسئلة (عن «خطر سلاح المقاومة») يخدم دعاية العدوّ (وليس ببراءة) إذ انه يهدف إلى موازاة العدوّ بالخصم المحلّي، كما أنه يساهم في تبديد الوعي الشعبي الذي يعلم أن العدوّ الإسرائيلي لم يتوقّف عن شن الحروب ضد العرب منذ ما قبل إنشاء الكيان الغاصب. وهناك أسئلة تساوي بين «خطر إسرائيل» وبين «خطر سلاح حزب الله». هناك وعي يُباد، ووعي جديد يُزرع مكانه في عقول الناشئة. واستطلاعات الرأي تصلح أيضاً من أجل تمرير بالونات اختبار من قوى معادية، كأن يجرى استطلاع عن التخلّي عن القدس أو عن حق العودة. وإذا كان كلام زالر أعلاه يصلح في الحديث عن أميركا، فهو قد يصلح أيضاً في حالة العالم العربي حيث تنقص المعرفة السياسيّة بين الناس بسبب تعدّد وسائل الإلهاء والتسلية. وعليه، فإن إجماع النخب (المفروضة بالقوّة من قبل الأنظمة ووسائل إعلامها وثقافتها المُهيمنة) يؤدّي بدورة إلى إحداث حالة موافقة بين الناس أنفسهم. بهذه المعنى، فإن وسائل الاستطلاع تصبح من عناصر الهيمنة التي كتب عنها غرامشي (رضي ماركس عنه).
واستطلاعات الرأي العام في لبنان دليل آخر على عقم هذا الذي ليس علماً. إن لكل فريق مراكز استطلاع تسير في مساره، وتطلع بنتائج متماشية مع مصالحه وآماله. واستطلاع الرأي في لبنان يركّز كثيراً على سلاح حزب الله، ليجعل منه القضيّة الأم، فيما لا يزال العدوّ الإسرائيلي يحتلّ أراض لبنانيّة (وهناك من يقول للعدوّ: الأرض ليست لبنانيّة، هي سوريّة ونرغب منك أن تأخذها هديّة من آل الحريري). وصياغة أسئلة الاستطلاعات الرأي اللبنانيّة، حتى على مواقع الإنترنت، مشبوهة من حيث انها تبدو غير موضوعة باللغة العربيّة، بل تُرجمت عن الإنكليزيّة. عين الراعي الأميركي، تراعكم أينما حللتم.
ما عناه نيتشه من قوله أعلاه (عن أن «الرأي العام، كسل خاص») هو ان استطلاعات الرأي تؤدّي أيضاً إلى خمول الفكر، من حيث ان العقل يتقاعس ويتقاعد عن مهمّته لأن جواب بـ «نعم أو كلاّ» لا يتطلّب طول عناء وتفكير أو تصنيف مستقلّ للأفكار والأجوبة والتحليل. تستطيع ان تجيب عن سؤال في الفيزياء النوويّة عبر «نعم أو كلاّ» من دون أن تعلم شيئاً عن الموضوع. إن خلق مفاصلة أو مفاضلة بين جوابيْن فقط يعطّل مهمّة العقل في اجتراح أنماط وأصناف أجوبة تحليليّة منطقيّة (والأهم، مستقلّة عن نوايا النخب الحاكمة). هناك من يقول إن استطلاعات الرأي الحديثة التي تعتمد ما يُسمّى بـ «مجوعات التركيز» التي تأتي بفريق صغير من الناس وتباحثه وتناقشه في أجوبة على أسئلة تفصيليّة بوجود مدير للحوار كمُشرف ومُنسّق، هي البديل الأفضل. لكن مشاكل الاستطلاعات التقليديّة نفسها تنتقل إلى هذا النوع من الاستطلاع. فالكذب هو سائد أحياناً كثيرة، والناس لا تصارح السائل بأهوائها الحقيقيّة خصوصاً في منطقتنا العربية عندما يشتبه المواطن بأن السائل من فريق الاستطلاع يعمل لجهاز حكومي استخباراتي - وقد يكون ذلك صحيحاً في الكثير من الحالات، ما يزيد من كميّة الأجوبة التي تلائم المصلحة الحكوميّة في ذلك البلد (والكذب سائد أيضاً في الدول الغربيّة إذ ان مارغريت تاتشر كانت تفوز بنسب تفوق نسب استطلاعات الرأي لأن الشباب كان لا يعترف بتأييده لها، كما أن البيض في أميركا - باستثناء عام 2008 - يبالغون في إعطاء نسب تأييد لمرشّح أسود - في الإجابات على أسئلة الاستطلاع - وذلك مخافة الشك في عنصريّتهم من قبل السائل.
العدوّ يستخدم الطائرات المقاتلة والطائرات من دون طيّار من أجل إخضاع الكبار والصغار. وهو يلجأ لوسائل عنف عديدة، لكنّه يلجأ أيضاً إلى وسائل آخرى غير عنفيّة. كتب بارنغتون مور في كتابه الفذّ، «الجذور الاجتماعيّة للديكتاتوريّة والديمقراطيّة»: «الناس يتعرّضون للكم والإهانة، ويُرسلون إلى السجن، ويُرمى بهم في معسكرات الاعتقال، ويتعرّضون للتهديد، ويتلقّون الرشى، ويصبح بعضهم أبطالاً، ويُحثّون على قراءة الصحف، ويوقّفون أمام حائط ويُرمون بالرصاص، وأحياناً يُعلّمون علم الاجتماع، كل ذلك من أجل سيادة نظام قِيَمي معيّن» (ص 486). كان عليه أن يضيف، أن الناس تخضع لاستطلاعات رأي دوريّة أيضاً، وذلك من أجل فرض هيمنة سياسيّة وفكريّة معيّنة.
* كاتب عربي
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)