الاختلاف في الرأي سمةٌ طبيعية تكوينية عند الإنسان. لكلِّ واحدٍ منّا تاريخه وتجرِبته، ما يقود الى تمايزنا. وهو اختلاف يمكن أن يكون إيجابيّاً وراقياً وحضاريّاً، وسبق لفولتير ان عبّر عنه بمقولته الشهيرة: «قد أختلف معك في الرأي، ولكنّي مستعدٌ أن أدفعَ حياتي ثمناً لحقّك في التعبير عن رأيك». ومن جهة اخرى، يمكن أن يكونَ الاختلاف سلبيّاً ومتخلّفاً، فيعمل الطرف الأعلى شأناً على قمع أصحاب الفكر المخالف وفرض رأيه بالقوّة.


النقاش الحضاريّ، يكون حضاريّاً من بدايته حتّى نهايته. فينطلق المتحاورون فيه من المبدأ الراقي للمفكّر المغربي الراحل الدكتور محمد عابد الجابري حين قال: «أنا لا أفهم ما لا تفهم... وأنت تفهم ما لا أفهم». وأثناءه، يركّزَ المستمع على فهم وتفهّم ما يقول محاوره، تاركاً له المجال ليبلورَ أفكاره من دون مقاطعة، ويكونَ مسروراً بتعلّم ما لا يعلم، وجاهزاً لتصحيح رأيه، أو حتّى، تغييره كليّاً في حال اكتشافه لبطلانه؛ وحين يتكلّم، يكونَ هادئاً، مؤدّباً، مبتعداً من التعصّب، مسهباً من دون إطالةٍ، طارحاً رأيه ليس كرأيٍ منزل، متحاشياً فرضه بالقوّة، واضعاً نصب عينيه احتمال أن يكونَ على خطأ. ويكون ختامه مسك، فينتهي إلى مزيدٍ من الودِّ والاحترام.

إنَّ القابليّة للأخذ بالرأي الآخر هي التربة التي تُزرع فيها بقيّة القيم

وفي المقابل، هناك النقاش الهدّام الضار، فينطلق المتحاورون فيه من مبدأ «أنا أفهم وأنت لا تفهم»، ولا يكون المستمع بسميع، ولا المتكلّم بكليم، وينتهي إلى الضغينة والجفاء.
وهكذا، فيكون الاختلاف في الرأي في المجتمعات المتقدّمة قيمةً حضاريّة، وحافزاً لها لترتفعَ وتسموَ في سلّم الحضارة، ويكون في المجتمعات المتخلّفة، عائقاً في درب تطوّرها.
ومن بين كلِّ ما أتيت على ذكره، ربّما تكون القابليّة للأخذ بالرأي الآخر هي المعيار الأهمّ، الذي يعبّر عن حضاريّة الاختلاف في الرأي. فأكثر الناس تخلّفاً هو من يرفض الاستماع إلى الرأي الآخر، أرقى منه هو من يسمعه، وأرقى هو من يستمع إليه، وأرقى هو من يتقبّله، والأرقى هو من يملك القابليّة على الأخذ به. حين يكون كلُّ طرفٍ من أطراف الاختلاف في الرأي مهيّئاً وجاهزاً لتغيير رأيه، سوف تتضارب الأفكار المتعارضة في صفاءٍ ومحبّة، فتتقارب من دون ضعف، وتتجاذب من دون عنف، وربّما تصل إلى الوسَط الصحيح، وحسبنا في ذلك ما قاله الإمام علي: «اضربْ بعض الرأي ببعضٍ يتولّد منه الصواب».
علينا ان نعي جيداً، اننا في مواجهة جدار مرتفع، يعود الى العناد المتمادي في نفوسنا. صحيحٌ أنَّ العناد متأصل في الطبيعة البشريّة منذ الصغر، ولا يشكّل عائقاً أمام تطوّر الشخصيّة ونموّها، إنّما تكمن المشكلة في الإصرار عليه والتشبّث به والتمادي فيه، وهذا ما نعاني منه. وفي مجتمعنا العربيّ، يجب القيام بالجهد الجاد والدؤوب لتصويب الاختلاف في الرأي، وخَصوصاً، تطوير مبدأ قابليّة أن ناخذ بالرأي المخالف. وهذا الجهد، يجب أن يأخذَ مساريْن متوازييْن. واحد مهم يخص البالغين، وهناك دور كبير للدولة كما لكل وسائل التواصل بين الناس من اعلام وغيره، وثان اكثر اهمية ويتعلق باليافعين، الذين يفترض بنا مساعدتهم على تقبل الفكرة من خلال طريقة تعليمهم وتربيتهم.
في بيوتنا، يجب أن نتبنّى حواراً راقياً وعلميّاً مع الأطفال، نربّيهم على حسن الاستماع والكلام، ونستمع إلى آرائهم مهما كانت تبدو لنا سخيفة، وندفعهم برفقٍ ورويّة إلى تغيير آرائهم الخاطئة، ولا نستحي من تغيير أفكارنا الخاطئة أمامهم. وفي المدرسة، هناك التأثير الأكبر في تكوين شخصية الطفل وتنمية قدراته، وفيها تنمو عنده القابلية للتغير والتأقلم مع ذاته ومع بيئته، وفيها تتشكّل عنده القيم الأخلاقية كالصدق والصبر والتواضع والكرم، والاجتماعية كاحترام النظام وحب العمل والتعاون. إنَّ القابليّة للأخذ بالرأي الآخر هي التربة التي تُزرعُ فيها بقيّة القيم، ولكنّها لا تزال مهملةً، حيث إنّنا لا نسمع بها أو عنها من المدرّسين، ولم تأخذ حيزاً ولو بسيطاً في كتب التربية المدنيّة. وليكن مثلنا في ذلك ما حصل مع المعلّم «أرستيبس» حين قصده رجلٌ وسأله كم يطلب أجراً لتعليم ابنه. أجاب المعلّم أنّه يريد ألف درهم، فردَّ الأب أنّه بهذا المبلغ يستطيع شراء عبد، فقال له أرستيبس: «إذاً سيصبح عندك عبدان، ابنك والعبد الذي سوف تشتريه».
* روائي وطبيب لبناني