تيم أندرسون*


فجأةً، عادت واشنطن إلى استخدام حجة «الحرب على الإرهاب» كي تبرر تدخلها في سوريا، ما أثار حيرة الجمهور الغربي الذي استمع طوال ثلاث سنوات إلى حجج «التدخل الإنساني»، وازدراء تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد حين كان يردد أنه يواجه إرهابيين مدعومين من الخارج. اليوم، ها هي الولايات المتحدة تقود الحرب ضد أولئك الإرهابيين أنفسهم.

ولكن، ما هو رأي السوريين؟ لماذا يستمرّون في دعم رجل يدّعي الغرب أنه يهاجم «شعبه» ويرهبه؟ لفهم هذا الأمر، يجب أن ننظر جيداً إلى الفجوة الضخمة بين توصيف الغرب للأسد كـ«ديكتاتور مستبد» وصورته الشعبية في داخل سوريا.
لو صدّقنا معظم التقارير الإعلامية الغربية، لاعتقدنا أن الرئيس الأسد يوجّه ضربات مستمرة وعشوائية تستهدف مناطق مدنية، ويقتل الأطفال بالغاز السام، ولظنّنا أيضاً أنه يرأس «نظاماً علوياً»، تحكم فيها أقلية علوية تمثّل 12% من السكان أكثريتهم سنيّة، وتقمع «ثورة» لم «يختطفها» المتشددون إلا أخيراً.
غير أن المشكلة الأساسية في هذا التوصيف هي أنّ الأسد لا يزال يتمتع بشعبية واسعة داخل سوريا. أمّا حالة الاستياء الشعبي من الفساد ومحاباة الأقارب وممارسات الدولة الفاشية التي ترسّخ عبادة الشخص، فهي لا تعني أن الرجل لا يتمتع بشعبية حقيقية. فانتصاره الساحق في الانتخابات الرئاسية التعددية الأولى، التي جرت في سوريا في حزيران الماضي، أزعج أعداءه الإقليميين، في إسرائيل والسعودية وقطر وتركيا، ولكن ذلك لم يوقف تعدياتهم.
غير أن السوريين نظروا إلى الأمور بشكل مختلف، فبشار الأسد احتفظ بالتقليد التعددي القومي الذي كان ينتهجه والده، ولكنه سعى إلى الحداثة أيضاً وإلى الالتزام بوعده بإجراء إصلاح سياسي. وقد أظهرت استطلاعات الرأي السابقة في سوريا استياءً عارماً من الفساد والواسطة، فيما جاءت الآراء ملتبسةً حيال الاقتصاد، ولكن كان هناك الكثير من الرضى على الاستقرار وحقوق المرأة وسياسة البلاد الخارجية المستقلة.
بالفعل، الإخوان المسلمون في سوريا وغيرهم من الجماعات الإسلامية، لم يكونوا من محبّي الأسد، ولكن حتى أولئك الأعداء كانوا يدركون مدى شعبية الرجل. وفي نهاية عام 2011، أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «الدوحة ديبايت» (وهو مركز تابع للعائلة الحاكمة في قطر، أكبر داعمي الإخوان المسلمين) أن 55% من السوريين أرادوا أن يبقى الأسد في منصبه. غير أن المقاتلين الإسلاميين ذهبوا أبعد. ففي عام 2012، نقلت وكالة «رويترز» وصحيفة «الغارديان» البريطانية ومجلة «التايم» عن قادة في الجيش السوري الحرّ في حلب شهادات؛ بينها أن الأسد «يحظى بدعم 70%» أو أن «السكان جميعهم موالون للمجرم بشار ويبلّغون عنّا»، أو «جميعهم مخبرون... هم يكرهوننا»، «إنهم يلوموننا على الدمار».
وعلى الرغم من أن عدم الشعبية قد يدمّر أيّ ثورة، إلا أنه بالنسبة إلى متشدد ديني لا يشكّل إلا عائقاً بسيطاً يتعيّن تجاوزه. فمجموعات الجيش الحرّ الثلاث مؤلفةً من إسلاميين على وفاق مع «القاعدة».
لكن أياً من هذه المعلومات لم تؤدّ إلى تغيير اعتماد وسائل الإعلام الغربية على مصادر «الإخوان»، الذين طوراً تسمّيهم «ناشطين» وتارةً «ثوّار معتدلين». وقد اعتمدت وسائل الإعلام بشكل خاص على رامي عبد الرحمن، الذي يتخذ من بريطانيا مركزاً له، ويطلق عليه اسم «المرصد السوري لحقوق الإنسان». فمثل هذه المصادر أبقت على صورة «الأسد الوحش» حيّة خارج سوريا.

يدرك السوريون أن ثمّة انتهاكات ارتكبت ضدّ المتظاهرين في بداية 2011

تكمن خلف أسطورة بشار قصتان على صلة مباشرة بها: قصة «الثوار المعتدلين» وقصة «الموالين للأسد» أو «قوّات النظام» التي تشير إلى جيش ضخم وحريص، ويحظى بدعم شعبي. ومن أجل فهم أسطورة بشار، يتعيّن علينا أن ننظر إلى الجيش السوري.
يقدّر عديد الجيش السوري بحوالى نصف مليون جندي، ما يجعل منه جيشاً ضخماً إلى درجة أن كل الجماعات السورية لديها أواصر عائلية قوية مع أفراد في الجيش، من ضمنهم أشخاص ربما سقطوا في الحرب. وتقام بشكل منتظم احتفالات أحياءً لذكرى أولئك «الشهداء»، يحضرها الآلاف الذين يرفعون بفخر صور أحبائهم. كما أن الجزء الأكبر من ملايين السوريين الذين شردتهم الحرب من منازلهم، لم يغادروا البلاد، بل انتقلوا إلى مكان آخر في داخل سوريا تحت حماية الجيش. وهذا ما كان ليحصل لو أن الجيش متورط بالفعل بهجمات «عشوائية» ضد المدنيين. فالجيش القمعي يخشاه شعبه ويكرهه، ولكن في دمشق، من الواضح أن الناس لا يرتعبون لدى التوقف عند العديد من الحواجز التي يقيمها الجيش على الطرقات لحماية السكان من السيارات المفخخة «الثورية».
يدرك السوريون أن ثمّة انتهاكات ارتكبت ضدّ المتظاهرين في بداية عام 2011، ولكنهم يدركون أيضاً أن الرئيس أقال محافظ درعا على خلفية تلك الأحداث. وهم يعرفون أن عسكرة الحراك لم تكن نتيجة التظاهرات، بل إن حراكاً مذهبياً تخفّى خلف تلك التظاهرات.
فقد أقرّ المسؤول السعودي أنور الحسكي في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بأن بلاده زوّدت الإسلاميين في درعا بالسلاح، وأن القنص من أسطح المنازل يشبه ثورة الإخوان المسلمين الفاشلة التي جرت في حماه عام 1982، والتي قمعها حافظ الأسد خلال أسابيع. وقد قدّرت الاستخبارات الأميركية حينها عدد الضحايا بحوالى ألفي شخص، بينهم «ما بين 300 إلى 400» من أفراد ميليشيات النخبة في جماعة الإخوان المسلمين. غير أن الإخوان والعديد من المصادر الغربية عادوا وضخموا الأرقام، وأطلقوا على العملية اسم «مجزرة». فالمقاتلون الإسلاميون لهم تاريخ طويل في الادعاء أنهم ضحايا مدنيون في سوريا.
لقد سمعت الكثير من السوريين ينتقدون الرئيس الأسد أمامي، ولكن ليس بالطريقة التي صورها الإعلام الغربي. يقولون إنهم أرادوه أن يكون صارماً مثل والده، فالكثيرون في سوريا يعتبرونه رقيقاً، ويسمونه «صاحب القلب الرقيق». حتى إن الجنود في دمشق أخبروني بأن الجيش أمر ببذل جهود خاصة من أجل إلقاء القبض على المقاتلين السوريين أحياءً، وهذا أمر مثير للجدل لأن كثيرين يعتبرونهم خونةً، ليسوا أقلّ ذنباً من الإرهابيين الأجانب.
ماذا عن «الثوّار المعتدلين»؟ في نهاية عام 2011، قبل نشوء «داعش»، سيطرت كتيبة الفاروق، أكبر كتائب الجيش الحرّ والتي كانت تمثّل الثورة السورية في حينها، على أجزاء من حمص. وقد وصفهم تقرير أميركي بـ«الوطنيين الشرعيين... المتدينين أكثر مما هم إسلاميين، ولا تحركهم المذهبية».
وقالت «مجموعة الأزمة الدولية» أيضاً إن كتيبة الفاروق «متدينة» أكثر مما هي إسلامية، كما وصفتهم صحيفة «وول ستريت جورنال» بـ«السنّة المتدينين» بدل الإسلاميين، فيما اعتبرتهم الـ«بي بي سي» «إسلاميين معتدلين».
ولكن هذا خطأ، فالسوريون في حمص قالوا إن كتيبة الفاروق دخلت المنطقة وهي ترفع شعار «العلويون إلى التابوت والمسيحيون إلى بيروت». لقد صرخوا «الله أكبر» حين فجروا مستشفى لأنه كان يعالج جنوداً مصابين. واتهمت الكنائس كتيبة الفاروق بالقيام بتطهير عرقي، ما أدى إلى إبعاد 50 ألف مسيحي عن المدينة، وبفرض الجزية.
وبحسب الصحافي رضوان مرتضى، فإن معظم عناصر كتيبة الفاروق هم من السلفيين المذهبيين، الذين يحظون بالدعم المالي والسلاح من السعودية.
لقد كان أفراد هذه المجموعة سعداء للعمل مع المجموعات المختلفة التابعة لتنظيم القاعدة، وكانوا أول من حمّلوا الجيش السوري مسؤولية فظائع ارتكبوها بأنفسهم.
فلنتناول بعض الاتهامات الأساسية الموجهة للجيش السوري. في أيار 2012، قبل أيام من اجتماع مجلس الأمن لبحث احتمال التدخل في سوريا، وقعت مجزرة شنيعة راح ضحيتها أكثر من مئة شخص في بلدة الحولة. سارع الغرب في حينها إلى تحميل الحكومة السورية المسؤولية عنها، فيما بادرت بدورها إلى اتهام إرهابيين مدعومين من الخارج. وقد عزا المسؤولون الغربيون في البداية المجزرة إلى قصف الجيش السوري للبلدة، لكنهم عادوا وغيروا رأيهم حين تبيّن أن معظم القتلى سقطوا نتيجة إصابات قريبة. وفيما بقي تقرير بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في الجمهورية العربية السورية في الأدراج، حمّل تقرير آخر صادر عن لجنة المعلومات، برئاسة الدبلوماسية الأميركية كارين كونينغ أبو زيد مجرمين مؤيدين للحكومة مسؤولية المجزرة، من دون الإشارة إلى أي دافع وراءها.
وعلى الرغم من أن مجزرة الحولة لم تجلب تدخلاً عسكرياً مثل الذي حدث في ليبيا بسبب معارضة روسيا والصين، لا يزال الجدل في مجلس الأمن سائداً حول الجهة التي تقف خلف هذه الفظائع. وقد تمكّن صحافيون ألمان وروسي والراهبة الأمّ في أحد الأديرة من إجراء مقابلات مع عدد من الناجين الذين قالوا إن مجموعة كبيرة من كتيبة الفاروق بقيادة عبد الرزاق طلاس، هاجمت خمسة حواجز صغيرة للجيش وذبحت القرويين. وقد استهدف أفراد العصابة العائلات المؤيدة للحكومة والعائلات العلوية والسنية التي شاركت في الانتخابات الأخيرة.
بعدها بسنة، أظهر تقرير مستقل (أجراه Correggia، Embid، Hauben and Larson) أن تحقيق الأمم المتحدة الثاني (لجنة الإعلام) كان متلاعباً به. فبدل أن يزوروا سوريا، اعتمد المعدّون على قادة الفاروق وشركائهم لإيصالنا إلى الشهود، كما تجاهلوا حوالى عشرة شهود ناقضوا قصة «الثوّار». باختصار، لقد حاولوا طمر جريمة حقيقية لها مرتكبون ودافع واضح.
وكما يقول آدم لارسون إن قصة مجزرة الحولة «الرسمية» «غامضة جداً في أفضل الأحوال، وفي أسوأ الأحوال هي جريمة شبه واضحة ارتكبتها عصابات مدعومة من أميركا».
وكانت الحولة الأولى في سلسلة من المجازر التي جرى تحميلها للطرف الخطأ. مثلاً، حين قتل 245 شخصاً في داريا عام 2012، نقلت وسائل الإعلام عن «ناشطين معارضين» أن جيش الأسد ارتكب مجزرة. وقد ناقض ذلك الصحافي البريطاني روبرت فيسك الذي قال إن الجيش الحرّ ذبح مدنيين مختطفين وجنوداً رهائن قُبض عليهم خارج الخدمة بعد فشل محاولات مبادلتهم بسجناء يعتقلهم الجيش. وفي كانون الأول 2013، حين ذُبح 120 قروياً في بلدة عقرب، عنونت «نيويورك تايمز»: «أفراد من طائفة الأسد يقفون خلف عمليات قتل في سوريا»، ليعود ويكتشف لاحقاً الصحافي البريطاني أليكس طومسون أن الضحايا هم الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد. فقد اعتقلت مجموعات الجيش الحرّ خمسمئة علويّ لتسعة أيام قبل أن تقتل العصابات ربعهم.
بدون إجراء التحقيق الكافي كان كلّ اتهام يضاف إلى سلسلة الجرائم التي يجري تلبيسها للجيش السوري، ويُعتقد خطأً أنه يقف خلفها، على الأخص بالنسبة إلى من هم خارج سوريا.
أمّا خطّ الهجوم الثاني، فكان مزاعم تعرّض المناطق التي يسيطر عليها الثوار لقصف «عشوائي»، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، ولكن السؤال يجب أن يكون حول كيفية إخراج جماعات مسلحة من المراكز المدنية؟ ويمكن للمهتمين أن يروا أمثلةً على ذلك في تحرير بلدة القصير قرب الحدود اللبنانية، التي كانت تحتلها كتيبة الفاروق وغيرها من الجماعات السلفية، وبينهم أجانب. فقد نفّذ الجيش السوري «ضربات جراحية» هنالك، ولكن في أيار 2013، وبعد فشل المفاوضات، قرر شنّ هجوم واسع. رمى الجيش منشورات من الطائرات، داعياً المدنيين إلى مغادرة المدينة، ولكن أفيد بأن المجموعات المناهضة للحكومة منعت العديد منهم من المغادرة، فيما ادعى متحدث «ناشط» بأنه «ما من مخرج آمن للمدنيين».
وقد تصرفت واشنطن بانتهازية حين عبّرت وزارة الخارجية الأميركية عن «قلقها العميق» تجاه رمي المناشير التي «أمرت بتهجير سكان مدنيين» وأظهرت «وحشية النظام المستمرة» بحسب قولها.
وفي 5 حزيران، تمكّن الجيش مدعوماً من حزب الله من تحرير القصير، دافعاً ببقايا كتيبة الفاروق وشركائها في القاعدة إلى لبنان. كانت تلك العملية مثالاً، ولو مبدئياً على الأقل، حول ما هو متوقع من أي جيش يواجه مجموعات إرهابية مغروسة في مناطق مدنية. وفي هذه المرحلة، بدأت الحرب تتحوّل لمصلحة سوريا.
قبل أكثر من سنة، طرح صحافي بريطاني أسئلة استفزازيةً على مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان، مثل السبب وراء عدم طرد الجيش السوري لداعش من حلب؟ وبعد بضعة أسئلة، عاد ليهاجم الجيش لقصفه المدينة «عشوائيا». ففي الواقع، معظم القتال في المدن السورية يجري بين قوات على الأرض.
أمّا الفظائع الأكثر تسييساً، فكانت الهجوم الكيميائي في الغوطة الشرقية، قرب دمشق، في آب 2013. فقبل الهجوم، كانت الحكومة السورية تشتكي من هجمات لإرهابيين بالغاز ودعت محققين تابعين للأمم المتحدة إلى دمشق. ومع وصول المحققين، نشرت مجموعات «الثوار» مشاهد فيديو على الانترنت تظهر أطفالاً قتلى، وحمّلت الحكومة السورية مسؤولية المجزرة الجديدة، وهو موقف أيدتها فيه الحكومة الأميركية ومنظمة «هيومن رايتس ووتش».
بعدها، وضع التحقيق الأممي حول شنّ إسلاميين هجمات بالغاز جانباً وانتقل الانتباه إلى الأطفال المقتولين بالغاز، فيما طالب الإعلام الغربي بالتدخل العسكري. وقد تصاعدت الدعوات إلى الحرب ولم تهدأ إلا بعد تدخل روسيا، التي اقترحت أن تسلّم سوريا مخزونها من الأسلحة الكيميائية، وهو مخزون تصرّ الحكومة السورية على أنها لم تستخدمه.
كثرة التقارير الإعلامية حول هجوم الغوطة الشرقية، دفع بالكثير من الصحافيين إلى الاعتقاد بأن التهم ضد الحكومة السورية قد أُثبتت، ولكن على العكس، إذ إن تلك المزاعم فندت في سلسلة من التقارير المستقلة. وبعد فترة قصيرة، قال صحافي أردني إن سكان الغوطة الشرقية لاموا «الأمير السعودي بندر... لتزويده مجموعة متصلة بالقاعدة بالسلاح الكيميائي».
وبعدها، أجرت مجموعة برئاسة الأم أغنيس مريم فحصاً دقيقاً لأدلة الفيديو، واستنتجت أن التسجيل سبق الهجوم واستخدمت فيه صور «ممثلة» و«مزيفة».
كما وردت تقارير مفصلة من خارج سوريا، حيث قال الكاتب الأميركي المخضرم سايمون هيرش إن أدلة الاستخبارات الأميركية مفبركة «ومنتقاة» من أجل تبرير توجيه ضربة عسكرية للأسد.
من جهتها، قالت مجموعة من المحامين والكتّاب الأتراك إن «معظم الجرائم» ضد المدنيين السوريين، بما فيها هجوم الغوطة الشرقية، ارتكبتها «قوات مسلحة من الثوار في سوريا».
ويرجح أن يكون لواء الإسلام، المدعوم من السعودية، مسؤولاً عن هجوم الغوطة.
وقد صدر تقرير أممي في هذا الشأن، لم يحمّل أي طرف المسؤولية، ولكنه أشار إلى استخدام السلاح الكيميائي في خمس مناسبات في سوريا، في ثلاث منها «ضد جنود ومدنيين». والدليل الأبرز هو أنه كانت تجري هجمات مناهضة للحكومة. وقال المحققون من جامعة «أم أي تي» إن غاز السارين «غير ممكن أن يكون قد أطلق من مناطق تخضع لسيطرة الحكومة السورية».
وعلى الرغم من الطبيعة الحاسمة لهذه التقارير، إلا أن أياً من الحكومة الأميركية أو «هيومان رايتس ووتش» لم تتراجع أو تعتذر عن اتهاماتها الخاطئة. على العكس، تستمر الحكومات الغربية والتقارير الإعلانية في تكرار تلك المزاعم كأنها حقيقة، وحتى في استخدام تقارير الأمم المتحدة على نحو خاطئ لدعم تلك المزاعم.
على العكس، معظم السوريين لا يلومون جيشهم على هذه الحرب، بل يلومون الإرهابيين المدعومين من الخارج. هؤلاء هم الإرهابيون أنفسهم الذين تدعمهم حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، يختبئون خلف أسطورة «الثائر المعتدل»، فيما يتلون مزاعمهم المفبركة.
إن نسبة المشاركة العالية التي قدرت بـ73% في الانتخابات الرئاسية التي جرت في حزيران الماضي، على الرغم من الحرب، مهمة بقدر أهمية الـ88% من نسبة الأصوات التي حصل عليها الأسد. حتى الـ«بي بي سي» لم تستطع أن تخفي الحشود الضخمة التي أتت للإدلاء بصوتها، على الأخص أولئك الذين تدفقوا على السفارة السورية في بيروت.
تجاوزت نسبة المشاركة النسبة المسجلة في الولايات المتحدة بأشواط، حتى إنه لا يمكن لأي رئيس غربي الادعاء بأنه يحظى بتفويض ديموقراطي ضخم بقدر هذا «الديكتاتور».
إن حجم انتصار بشار يشير إلى حقيقة صارخة: لم تحصل قط أي ثورة شعبية ضد هذا الرجل، وشعبيته قد كبرت.
(عن Global research
ــ ترجمة هنادي مزبودي)

* محاضر في الاقتصاد السياسي في جامعة سيدني، يجري أبحاثاً عن سوريا منذ عام 2011 وزارها في كانون الأول 2013.