«متى أصبحت فلسطينياً مسيحياً؟» سؤال لا ينفك يطرحه المسيحيون الأميركيون كلما قابلوا فلسطينياً عربياً. فبالنسبة إليهم، الفلسطينيون العرب هم فقط من الطائفة الإسلامية، وليس المسيحية، أو من اللوثريين كأبعد تقدير، وهم جماعة مسيحية انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكية وأسست كنائس منفصلة عرفت بالكنائس البروتستانية أو الإنجيلية.

هكذا يبدأ القس الفلسطيني متري راهب كتابه «أنا فلسطيني مسيحي» الذي يروي فيه المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون عموماً، والمسيحيون خصوصاً، في فلسطين بدءاً من الاستعمار وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الجهل الغربي الشعبي الذي يصفه القس في كتابه، قد يفتح باب النقاش أو التساؤل حول السياسات الغربية المتبعة في ما يخص القضية الفلسطينية، التي تقوم على التجاهل والتعتيم، وما إذا كانت تهدف إلى خدمة المشروع الإسرائيلي، وهو تصفية القضية الفلسطينية، عبر تفريغ المسيحيين من المنطقة العربية وتقسيمها إلى دويلات مذهبية متناحرة.
بعد ظهور البروتستانية في القرن السادس عشر، بدأت هذه الجماعة بتسويق فكرة عودة اليهود إلى «أرض الميعاد» خدمة لأهدافها السياسية. وفي عام ١٨٩٦، «بدأت أيديولوجية الصهيونية السياسية الغربية بالظهور كأداة من أجل إقامة دولة يهودية في فلسطين، واستفادت منها السلطات الأوروبية من أجل خدمة مشاريعها الاستعمارية التوسعية «الذي ولدت في أحضانه الصهيونية اليهودية». وما لبثت أن بدأت هذه الأيديولجية بالانتشار والنجاح بسبب تبني الأوساط المسيحية الأوروبية لها. ومن أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية، لاقت هذ الفكرة ترحيباً وانتشاراً، «إذ إن البيئة الدينة والثقافية الأميركية كانت مهيأة لتقبل المشروع الصهيوني بتأثير الإغراق الواسع في التأويلات اللاهوتية المتعلقة بالنبوءات وأساطير «الوعد» و«أرض الميعاد»، «الشعب المختار» و«مجيء المسيح» بعد عودة اليهود إلى فلسطين، وهي أفكار حملتها طلائع المهاجرين البروتستانتيين المؤسسين للولايات المتحدة، ما أدى إلى عبرنة العقل الأميركي لترتبط عندهم فكرة الشرق الأوسط وفلسطين تحديداً بالشعب اليهودي».


إن المسيحيين
والمسلمين في المنطقة يعانون من خطر واحد

وفي عام ١٩٤٨، أي عند احتلال الإسرائيليين لفلسطين، لم تقم قوات الاحتلال الإسرائيلية باضطهاد وطرد الفلسطينيين المسلمين وحدهم، بل أيضاً المسيحيين العرب الذين كانوا يرفضون التخلي عن أرضهم ومقدساتهم، لأن ذلك كان يعني تخليهم عن هويتهم العربية والقومية والفلسطينية والدينية.
وقد شكّل هذا التمسك بالأرض أحد جوانب رفض القسم الأكبر من المسيحيين الفلسطينيين الانجرار وراء أهداف الصهيونية المسيحية الغربية، التي كانت تهدف إلى عزل الفلسطينيين المسيحيين العرب عن حضارتهم، أي الحضارة العربية وعن هويتهم العربية. لذلك، بدأت تترافق حملات الاضطهاد الإسرائيلية بإغراءات غربية تحت عناوين سياسية وثقافية ودينية تهدف إلى إيهام المسيحيين بأن وجودهم في خطر في المنطقة العربية ذات الطابع الإسلامي وأن الغرب هو الملاذ الآمن لهم، وبالتالي إلحاقهم بالسياسة الغربية التي تتقاطع مع الأهداف الإسرائيلية وأهمها بناء الدولة الصهيونية اليهودية البحتة في فلسطين وعاصمتها القدس، من خلال اعتماد المنهجية الصهيونية، التي اعتنقها الغرب، في تطبيق مخططها، والتي تقوم على إحداث التفرقة والانقسام الطائفي بين المسلمين والمسيحيين.
إذاً، يتعرّض المسيحيون العرب منذ نشوء فكرة القومية اليهودية لحملة ممنهجة لتشويه هويتهم وإلحاقهم بالغرب، وهي حملة تعيد إلى الأذهان المحاولات التركية في نزع الهوية العربية عن المسلمين. وفيما نجحت هذه المحاولات بنسبة معيّنة في حرف بعض المسيحيين في مناطق المشرق العربي، إلا أن الغالبية من أهل هذه الأرض رفضوا الانجرار إن عبر التعامل السياسي والعقائدي مع الغرب أو من خلال الهجرة، فكانت مقاومتهم للبقاء في أرضهم رغم كل المضايقات والاضطهادات التي تعرضوا لها على مرّ السنين، وخاصة في فلسطين من قبل العدوّ الإسرائيلي منذ عام ١٩٤٨، وصولاً إلى نكسة عام ١٩٦٧ حتى يومنا هذا.
اليوم، يتعرض المسيحيون للتنكيل والمحاربة والتهجير من الجماعات المتطرفة، ولا سيما داعش، وهي جماعة بدأت بالظهور كإحدى نتائج ما يسمّى «الربيع العربي». ومن مصر إلى سوريا إلى العراق، لا تنفك هذه الجماعة تستهدف أهالي العراق المسيحيين وتقدم على تدمير الكنائس وحرقها، وتكسير التماثيل، والقضاء على أي إرث مسيحي في هذه البلاد.
ولم يكن الصمت الدولي تجاه ما يتعرّض له المسيحيون في الشرق هو اللافت، بل ما سمّته فرنسا «المساعدة» التي قدمتها للمسيحيين، والتي تتمثّل في تسهيل هجرتهم من العراق إلى أراضيها. مشهد، يذكّر بالفخّ الذي عرضته الولايات المتحدة الأميركية في لبنان ورفض الرئيس الراحل سليمان فرنجية عام ١٩٧٦ أن ينقل أسطولهم المسيحيين من لبنان كلاجئين ومن ثم مستوطنين.
من هنا، لا يمكن فصل هذه الدعوات عن الهدف الأساسي الذي تعمل عليه الدولة الصهيونية بمساعدة غربية، ألا وهو تفريغ المنطقة من المسيحيين من أجل ضرب القضية الفلسطينية بما يخدم المصالح الإسرائيلية في الصراع العربي الإسرائيلي.
فبعدما فشلت إسرائيل في تحقيق هدفها عبر الحروب العسكرية، بفعل المعادلة التي نجحت المقاومة في لبنان بشكل خاص بفرضها عبر هزيمتها العدوّ، والتي شكلت الرافعة لكل حركات المقاومة في المنطقة ضد الصهيونية، العسكرية والسياسية والأيديولوجية، كان لا بدّ من العودة إلى المبدأ الذي قامت عليه الصهيونية، وهو الانقسام الطائفي. من هنا، من المنطقي أو البديهي الربط بين ظهور هذه الجماعات التكفيرية وتجدد الإغراءات الغربية للمسيحيين بالهجرة عوضاً عن معالجة المشكلة، وبين المشروع الأم للكيان الصهيوني المستمر، وهو ربط لا يجب أن يعامل باستخفاف ومن باب «نظرية المؤامرة» التي برفعها كل من ينتقد مشروع الممانعة، دون إنكار مسؤولية إخفاقات الحكومات العربية في مجالات عدة. ولعلّ أخطر ما تواجهه المجتمعات العربية اليوم، هو الاحتضان الذي تلاقيه هذه الجماعات، عبر الصمت أو التبرير في جوانب معينة لأهداف سياسية أو عدم المبالاة، وأحد أسباب ذلك، هي الطبيعة القبلية التي تتميّز بها المجتمعات العربية والتي نجحت القوى الغربية في الاستفادة منها لنشر العداوة والتفرقة بين أبناء المنطقة الجغرافية الواحدة.
إن المسيحيين والمسلمين في المنطقة العربية يعانون من خطر مصيري واحد، بدأ بتشويه جوهر المسيحية بالأمس بفعل السياسات الغربية، وهو يستكمل اليوم بضرب جوهر الدين الإسلامي من أجل تغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية حتى يبتعد الناس عن جوهر الدين، وحتى يشعر أبناء هاتين الديانتين اللتين تلتقيان في الجوهر والرسالة، بخطر وجودي ضد بعضهما البعض، يعمل على استغلاله من أجل تحقيق مشروع هجرة المسيحيين وتغذية التطرف الإسلامي والغرق في المذهبية التي تؤدي إلى تقاتل أبناء الدين الواحد أيضاً في ما بينهم. وهو واقع لا يخدم إلا المشروع الصهيوني الأساسي في المنطقة. من هنا، إن إنجازات المقاومة في الميادين العسكرية ضد العدوّ الإسرائيلي يجب أن تترافق بتحصين داخليّ عبر إعادة تصويب البوصلة لجوهر الأديان وجوهر الصراع، وكسر الصمت الإسلامي والمسيحي أمام ما يتعرّض له المسيحيون في المنطقة، لأن الحرب عليهم بالسلاح التكفيري، تصبّ في قلب الصراع العربي الاسرائيلي.
* أستاذة جامعية

المراجع:
١. «هل لليهود حق ديني أو تاريخي في فلسطين»، يوسف أيوب حداد
٢. «أنا فلسطيني مسيحي»، متري راهب