كُشف النقاب في دولة الاحتلال عن أنّ الجيش «الأكثر أخلاقيّةً في العالم»، بدأ يخوض معركةً جديدةً، بعد أنْ وضعت الحرب العدوانيّة الإجراميّة والإرهابيّة على الشعب العربيّ الفلسطينيّ في قطاع غزّة أوزارها. وهذه المعركة، بحسب التقارير الرسميّة تؤكّد أنّ قيادة الجيش تُطالب الحكومة الإسرائيليّة بزيادة ميزانية العسكرة بنحو عشرين مليار شيكل، أيْ ما يُعادل نحو سبعة مليارات دولار.


وهذا الرقم الذي وصفه المُحلل العسكريّّ في صحيفة «هآرتس»، عاموس هارئيل، بالمبلغ الخياليّ الذي يُثير الحيرة، يُثير العديد من التساؤلات عن الخسائر الاقتصاديّة التي تكبّدها الاقتصاد في الدولة العبريّة، نتيجة العدوان الذي استمر 51 يوماً. والسؤال المفصليّ، الذي يُطرح في هذه العُجالة: هل باستطاعة خزينة هذه الدولة المارقة أنْ تتحمّل هذه النفقات؟ علماً بأنّ الاقتصاد الإسرائيلي يمُرّ في فترةٍ صعبةٍ وعصيبةٍ للغاية، فكم بالحري، إذا أخذنا في الاعتبار الأضرار الماليّة التي لحقت بهذه الدولة في جميع المجالات الحياتيّة. أمّا بالنسبة إلى الحليفة الاستراتيجيّة، الولايات المُتحدّة الأميركيّة، فإنّ الوضع الاقتصاديّ هناك ليس أحسن من هنا في بلاد «الحليب والعسل». بكلمات أخرى، نميل إلى الترجيح بأنّ مُموّل هذه الحرب البربريّة، ليس بالضرورة أنْ يكون غربياً، بل عربيّاً أو أعرابياً مئة بالمئة. وفي هذا السياق، لا بدّ من التذكير بأنّ دولة الإمارات العربيّة المتحدّة، بحسب القناة الثانية في التلفزيون العبريّ، كانت قد تعهدت تغطية تكاليف الحرب الإسرائيليّة، شرط أنْ يقوم رابع أقوى جيش في العالم بالقضاء على فصائل المُقاومة الفلسطينيّة في قطاع غزّة عموماً، وعلى حركة المُقاومة الإسلاميّة (حماس)، خصوصاً. وبما أنّ هذه الدولة، أوْ شبه الدولة، تدور في فلك الإمبرياليّة ورأس حربتها في العالم، أميركا، فإنّ من غير المُستبعد بتاتاً أنْ تسدّد فاتورة الحرب على غزّة، ليس من مُنطلق الكرم الحاتميّ، بل بسبب التبعيّة المُطلقة للبيت الأسود في واشنطن، الذي يُقدّم لحكّامها الحماية اللازمة لضمان استمرارية حكم الطغمة، التي يُعاني عرشها، كباقي عروش دول الخليج، الأمرّين من الاهتزازات الطبيعيّة وغير الطبيعيّة، وبالتالي نصل إلى النتيجة المُخزية والمُذلّة بأنّ مُموّل عملية الإبادة الجماعيّة في غزّة هو عربيّ، والتنفيذ هو إسرائيليّ - أميركيّ، والمقتولين - الشهداء هم من الناطقين بالضاد.

■ ■ ■



لم يُخفِ نتنياهو
أنّ أحد أهداف الحرب كان يتمثّل في إعادة قوّة
الردع لدولته

ومن المُفيد التذكير بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ كان قد تحدّث في أحد المؤتمرات الصحافيّة التي عقدها خلال العدوان الأخير، عن أفق سياسيٍّ جديدٍ في المنطقة، وهذا الأفق ليس إبرام السلام مع الفلسطينيين، لا سمح الله، بل مع الدول العربيّة التي تتآمر على فلسطين وقضيتها، وفي مقدّمتها المملكة العربيّة السعودية، التي باتت قاب قوسين أوْ أدنى من «ترقية» علاقاتها السريّة مع مغتصبي فلسطين، أيْ الحركة الصهيونيّة وصنيعتها إسرائيل، إلى المرحلة العلنيّة، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الرياض باتت الآمرة والناهية تقريباً في توجيه السياسة المصريّة الخارجيّة بفعل مليارات الدولارات التي منحتها كـ«هبة» للرئيس عبد الفتّاح السيسي. علاوة على ذلك، إنّ المُشير يكنّ العداء للمُقاومة الفلسطينيّة، وحافظ خلال فترة الحرب الأخيرة على اتصالٍ هاتفيّ دائمٍ مع نتنياهو، الذي لم يُخف أنّه يُعوّل على التنسيق الأمنيّ الوطيد مع مصر لمنع المُقاومة الفلسطينيّة من تجديد ترسانتها العسكريّة، ولا حاجة للتذكير بأنّ أكبر دولة عربيّة، بلاد الكنانة، وقّعت اتفاق الذّل والعار، اتفاق «كامب ديفيد» مع إسرائيل في عام 1979. ومع ذلك نقول إنّ الرئيس المصريّ ينتهج سياسة ضدّ حماس باعتبارها الفرع الفلسطينيّ لحركة (الإخوان المُسلمين)، كذلك يجب الإشارة إلى أنّ مصر رفضت في المفاوضات غير المُباشرة مجرّد مناقشة سلاح المُقاومة في غزّة، وهذا موقف يُسّجل لها وليس عليها.

■ ■ ■


حتى اللحظة لا يُمكن تقويم الحرب العدوانيّة الإسرائيليّة على قطاع غزّة، ولكن يجب التشديد على أنّ أقطاب دولة الاحتلال، اتخذوا من خطف المستوطنين الثلاثة بالقرب من الخليل وقتلهم ذريعة لشنّ العدوان، كما فعلت حكومة إيهود أولمرت في صيف عام 2006 عندما أعلنت حرباً ضروساً على لبنان، زاعمةً أنّها جاءت على خلفية قيام حزب الله بأسر جنديين من جيش الاحتلال. ولسنا بحاجة لأنْ نكون خبراء في المجال العسكريّ أو الأمنيّ لنقول إنّ مخططات هذه الدولة موضوعة على الرّف، وهي تنتظر بفارغ الصبر إخراجها إلى حيّز التنفيذ، وعندما تجد «المُبرر»، تُطلق العنان للجيش لكي ينفّذ المهمّة. وهذا ما جرى في الجولة الأخيرة، الإعلام العبريّ المُتطوع أقام الدنيا ولم يُقعدها، طبعاً بناءً على تسريبات ممنهجة من مصادر رفيعة في تل أبيب حول تعاظم ترسانة حماس العسكريّة، وحصولها على صواريخ متقدّمة ومتطورة، وعلى عتاد عسكريّ لم يكُن بحوزتها في العدوان الذي شنّته إسرائيل أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009، والذي يُسمّى عملية «الرصاص المصبوب». وشدّدت المصادر على مدار أشهر عديدة على هذا الموضوع لغسل دماغ الإسرائيليين بأنّه يجب القضاء على حماس، باعتبارها حركة إرهابيّة، متناسيةً عن سبق الإصرار والترّصد أنّ البون شاسع ما بين حركة تحرر وطنيّ، يحقّ لها أنْ تُدافع عن شعبها، الذي يئنّ تحت نير الاحتلال. وهو الأمر الذي أقرّته الشرعيّة الدوليّة والمواثيق والمُعاهدات المتعارف عليها والمعمول بها، وبين دولة تُمارس بإصرار وبصورةٍ متعمدةٍ سياسة الإرهاب المُنظّم، أوْ بالأحرى إرهاب الدولة.


■ ■ ■


مُضافًا إلى ذلك، لم يُخفِ نتنياهو أنّ أحد أهداف الحرب على غزّة هاشم كان يتمثّل في إعادة قوّة الردع لدولة الاحتلال. وبما أنّ هذه الحكومة هي الأكثر تطرفاً منذ النكبة المشؤومة، وبما أنّ نتنياهو، مثل رئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير، تخرّج في نفس المدرسة الصهيونيّة المُتطرفة، فإنّهم فرادى وجماعات ما زالوا أسرى النظريّة القائلة: العرب هم نفس العرب، والبحر هو نفس البحر، وهي مقولة أرساها الإرهابيّ شامير، الذي ما زال مطلوباً للعدالة حتى اليوم بتهم ارتكاب جرائم حرب في عام 1948. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي هذه الدولة وجيشها، الذي يُعتبر أقوى رابع جيش في العالم، وبمقدرته الانتصار على الجيوش العربيّة مجتمعةً، فعلى الرغم من عدم التكافؤ في القوّة بين جيش الاحتلال والمُقاومة الفلسطينيّة، إلا أنّ الأخيرة أثبتت أنّ العرب تغيّروا، ومن المُبكّر الآن وضع جميع النقاط على الحروف، ولكن المُقاومة لم تُهزم، والاحتلال لم ينتصر، ونحن نتحدّث هنا عن الناحية العسكريّة، ليس إلا. حتى الإعلام العبريّ، الذي تحرّر من نير مقص الرقيب العسكريّ، فقد قام بتغيير سلوكه الأرعن والمُتحيّز، وبدأ يسأل الأسئلة ويُوجّه الانتقادات للثلاثي غير المُقدّس: نتنياهو، ووزير أمنه موشيه (بوغي) يعالون، والقائد العام لهيئة الأركان الجنرال بيني غانتس، ولا نستبعد البتّة أنْ تُشكّل لجنة تحقيق رسميّة لفحص الإخفاقات التي مُني بها الجيش، علاوة على التدقيق في آلية وكيفية صنع القرار في الحكومة الحاليّة. وهذا يقودنا إلى القول، لا الفصل، إنّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الذي قدّم أكثر من ألفي شهيد في هذه المُنازلة، يحقّ له أنْ يسأل؟ لا بلْ أكثر من ذلك، نرى أنّ من واجب فصائل المُقاومة إجراء مراجعة حسابات. ولعلّ المرجعية الفلسطينيّة هي من باب العمل الجّاد لتشكيل جبهة وطنيّة موحدّة.

■ ■ ■


مع ذلك، يُمكن القول بصوتٍ عالٍ: المعركة الأخيرة أكدت لكلّ مَنْ في رأسه عينان، أنّ المُقاومة الفلسطينيّة تمكّنت بالضربة القاضية من الانتصار الساحق على التخاذل العربيّ الشعبيّ والتواطؤ العربيّ الرسميّ والتآمر المُصنّع في العواصم العربيّة، التي حاولت بكلّ ما أوتيت به من قوّة وأد المُقاومة وشطب هذه المُفردة من مُعجم الناطقين بالضاد، ملحمة غزّة حملت وما زالت وستبقى تُحمّل الرسائل إلى جميع سكّان هذه المعمورة، من متضامن ومن متآمر: ثقافة المُقاومة عادت لتتصدّر الأجندة العربيّة، المُقاومة، التي صمدت أكثر من خمسين يوماً أمام عظمة إسرائيل وجبروتها، وهي إسرائيل نفسها التي تغلبت على الدول العربيّة في عدوان عام 1967 خلال ستة أيام. نحن أبناء الشعب العربيّ الفلسطينيّ نقول للعالم برّمته: نحن، نعم نحن، نُعلّمكم الإنسانيّة، نحن نُدرسكم المُقاومة. نحن قبل العروبة، وقبل فلسطين، نُحب الحياة، فلماذا تقتلون، يا عرب المؤامرات، حتى حُلمنا بتقرير مصيرنا؟ العرب منكم براء، والإنسانية منكم براء! لماذا نعتب على العدو الغدّار والمكّار، الوحشيّ والبربريّ، في الوقت الذي يقوم فيه إخوتنا المفترضون، بالمُشاركة الفعالة في سفك الدماء الفلسطينيّة بالمزاد العلنيّ. وسؤال منّا إليكم يا مَنْ تنطقون بالضاد: إذا لم تحترموا أنفسكم، فبأيّ حقٍ أخلاقيّ يُمكنكم مُطالبة الآخرين باحترامكم؟ ألا تعلمون أنّ الخيانة بحدّ ذاتها ميتة حقيرة؟ غزّة غيّرت المُعادلة، قولوا لها يا عرب، أوْ يا مَنْ بقت فيهم كرامة، قولوا: شكراً غزّة، المجد والخلود للشهداء، الشفاء للجرحى والحريّة لأسرى الحريّة.
* كاتب عربي ــ فلسطين