يمكن التأريخ لبداية المرحلة التي يمر بها العالم اليوم بإنهيار الاتحاد السوفياتي قبل حوالي دزّينتين من السنوات. كان العالم محكوماً، حتى ذلك التاريخ، بالثنائية القطبية ممثلة بحلف «الناتو» الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وبحلف «وارسو» الذي يتزعمه الاتحاد السوفياتي. أحدث الانهيار السريع والمدوي للحلف الاشتراكي اختلالاً استغله القطب الاول، بشكل غير مسؤول من وجهة نظر الامن والاستقرار في العالم، وكذلك فيما يتصل ببعض مكتسبات العدالة والحرية والتنمية والحقوق السياسية والاجتماعية التي تكرست وتعززت بفعل النضال وبالإستفادة من التناقضات بين الحلفين والنظامين الرأسمالي والإشتراكي.


كان المخاض الداخلي في الاتحاد السوفياتي والذي تفاقم في اواخر ثمانينيات القرن الماضي، هو ما استدرج القيادة العراقية، آنذاك، لتنفيذ مغامرة احتلال الكويت، وهو الذي سهّل، من ثمّ، تشكيل «تحالف دولي» تقوده الادارة الأميركية، برئاسة جورج بوش الاب، لتحرير الكويت بهزيمة القوات العراقية فيها وملاحقتها الى الاراضي العراقية نفسها. يمكن القول في السياق نفسه، انه لولا اختفاء الاتحاد السوفياتي ومنظومته من المشهد الجيوسياسي كلياً، لما امكن غزو العراق عام 2003 بذرائع ملفقة وواهية لم تستطع أن تحجب اهدافاً اميركية (كان معظمها ماثلاً في «استراتيجية الامن القومي» التي اعلنها «البيت الابيض» الأميركي في شهر ايلول عام 2002). وكان، أيضاً، أغلبها متكرراً، وبصور استفزازية، على السنة واقلام صقور «المحافظين الجدد» الذين شكلوا عصب ادارة جورج بوش الابن طيلة ثماني سنوات (حتى عام 2008).
على امتداد ثمانية عشر عاماً كانت الاطماع المنفلتة، والمغامرات غير المحسوبة، والفوضى شبه الشاملة... هي ما يوجه معظم المواقف والسياسات الاميركية في العالم. في خلال ذلك تعطلت او شُلّت موسسات الشرعية الدولية، وتبدلت، الى حدود مقلقة، التوازنات والعلاقات الدولية، وتضررت جملة مفاهيم، وحتى قيم، تتعلق بضوابط الصراع وخصوصاً منها تلك التي تكرست في اتفاقيات جنيف في مرحلة ما بعد وما بين الحربين العالمتين الاولى والثانية، والتي انبثقت عن تجارب مريرة عانتها الدول والجماعات والافراد، ودفعت ثمنها البشرية غالياً.
لحسن الحظ أن المغامرات والهوس الأميركيين، وخصوصاً في مرحلة حكم «المحافظين الجدد» البوشية، لم يحققا ما رميا اليه. كانت التكلفة البشرية والسياسية باهظة والنتائج الاقتصادية فادحة ومقلقة (أزمة الانهيار الاقتصادي أواخر العام 2008 والمستمرة نسبياً حتى اليوم). هذا ما حاولت الاشارة اليه لجنة بيكر - هاملتون التي تشكلت للنظر في «اخفاقات الحرب في العراق». وهو ما حاولت هذه اللجنة تثبيته، ايضاً، في توصياتها التي رفعتها إلى الإدارة الأميركية وإلى الحزبين «الجمهوري» و«الديموقراطي» اللذين تمثلهما.
يمكن القول إن الحزب «الديموقراطي» الأميركي كان، موضوعياً، الاقدر على الاستفادة من التوصيات للوصول الى الحكم أولاً، ومن ثم لترجمة بعض روحية هذه التوصيات على يد الرئيس الجديد باراك اوباما الذي رفع شعار «التغيير» عنواناً لمعركته الرئاسية المنتصرة. منذ ذلك التاريخ تتلمس القوى الحاكمة في الولايات المتحدة، في تضامنها وتنافسها، سياسات ووسائل جديدة نسبياً. وتحاول ادارة أوباما أن تكرس ذلك في الحقل الخارجي الدولي، عبر بلورة مجموعة مبادئ تقوم على وضع نهاية للمغامرات العسكرية السابقة وعدم تكرارها، وعلى الاعتراف الواقعي بمحدودية القدرات الأميركية، وعلى بناء علاقات جديدة في العالم، مع الشركاء والخصوم والمنافسين، تنطوي على حد متزايد من التعاون والتوازن والتباين...
لكن هذا الأمر الذي كان سبباً لاتهام ادارة اوباما (وأوباما اساساً) بالتراجع والانكفاء والضعف من قبل «الاصدقاء»، لم يمنع بالمقابل، من استمرار تفاعل موجه الفوضى والجشع والمغامرة في مناطق عدة من العالم، خصوصاً منها التي تعيش ازمات متواصلة ومستعصية كمنطقة الشرق الاوسط. ففي هذه المنطقة الاكثر اضطراباً في العالم راهناً، تتراكم الازمات والملفات: من القضية الفلسطينية التي يمثل عدم ايجاد حل لها ذروة الامعان في جريمة قد تكون الاكبر والاطول عبر كل العصور، الى الازمة العراقية المستمرة منذ غزو ذلك البلد عام 2003 إلى «غزوة» «داعش» الراهنة، إلى مسائل التبعية والاستبداد واجهاض التطلع نحو التغيير والديموقراطية، إلى قضايا التفاوت الهائل ما بين ثروات هذه المنطقة وما تعانيه اكثرية شعوبها من الحرمان والفقر، الى مسائل التطرف والتكفير والارهاب (والتي لم تولد دون اسباب وسياقات متصلة اساساً بالاحتلال والسيطرة الاجنبية والاستبداد والبطر والفساد، وبالاعتماد على العصبيات والغرائز اساساً للاستقطاب وبناء مصادر القوة والسلطة، وبالاستهتار حيال القضايا والحقوق العامة والفردية في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع)...
يحتاج الوضع الذي تقدمت فيه الى الواجهة، وعلى نحو صاعق ومفاجئ، جماعات ارهابية ظلامية خطيرة، إلى الكثير من البحث في الاسباب وفي المسؤوليات. يمكن ان نتحدث هنا عن «ايديولوجية تخلف» تشق طريقها الان بقوة، الى جانب الايديولوجيات التقليدية الرأسمالية والاشتراكية و... لا تنطوي هذه التسمية على شتيمة (شهية الشتائم الان مفتوحة على مصراعيها!) ولا على محتوى اخلاقي. ربما هي التسمية الأنسب لما ولمن يتوحد تحت راياتها السوداء (!) الان، من عشرات الاف المهمشين اجتماعياً واقتصادياً (اشبه ببروليتاريا «رثة» حسب ماركس)، ومن ضحايا التعصب والجهل اللذين تغذيا، عبر قرون، بـ«افكار» التشدد والحصرية ونبذ الاخر، وايضاً من ضحايا القمع والجهل والإذلال والجوع والمرض والفساد...
تستطيع عبارات الشتيمة والادانة أن «تفشّ الخلق»، لكنها لا تكفي لانطلاق بحث جاد في أسباب ظاهرة العنف والتطرف والتكفير. الخلل الرئيسي إنما يقع في العلاقات التي سادت على مدى قرون. وهي علاقات لم تستطع قوى التغيير ان تبدّل فيها ومنها الكثير. تحدثنا عن انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يمثل املاً. يجب البحث في «الاخفاقات» الاخرى الاخلاقية والدينية والحضارية والاقتصادية والسياسية...
إنه ملف ضخم وكامل: فمن اين نبدأ؟ ومن ثمّ، كيف نصوغ الإستخلاصات والبرامج والمهمات الصحيحة والضرورية؟!
* كاتب وسياسي لبناني