التطهير العرقي ضد مسيحيي العراق يخالف القانون الدولي فمن يردع «داعش»

عن استهداف الأقليات وتهجير المسيحيين ومخالفة القانون الدولي؟

إستهداف الأقليات: العراق نموذجاً

منذ الحرب الأميركية على العراق والمسيحيون يعانون ألم التهجير، خوفاً على حياتهم تاركين أرضهم ودور عبادتهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمن والأمان. واليوم لم تعد أصوات أجراس الكنائس تختلط بصوت الأذان في شمال العراق، لأن تنظيم «داعش ـ الدولة الاسلامية» قرر استهداف المسلمين وتهجير المسيحيين والأقليات في مخطط منهجي، لضرب العيش المشترك والوحدة بين أبناء العراق.

لم يترك التنظيم التكفيري كنيسة على حالها، كما لم يترك مسجداً وحسينية للمسلمين إلا وعاث بها فساداً، مع ارتكاب أبشع الجرائم والمجازر بحق أهالي الموصل. لقد بدأ تنظيم «داعش» بممارسة سياسة التطهير العرقي ضد المسيحيين، عبر اجبارهم على ترك ديارهم، وتغيير معالم منطقتهم، ونسف تاريخهم الثقافي وتراثهم وتقاليدهم، والتعدي على حرية ديانتهم ومعتقداتهم عبر هدم كنائسهم، ما يجبرهم على الهروب الجماعي والقسري. وهذه السياسة التي يتبعها التنظيم الإرهابي ضد مسيحيي العراق يرتكبها العديد من المجموعات المشتددة في سوريا ايضاً، في سياسة ممنهجة لتهجير المسيحيين من منطقتنا.

اولاً: التطهير العرقي مخالف للقانون الدولي

يعرف التطهير العرقي بأنه عملية الطرد بالقوة لسكان غير مرغوب فيهم من إقليم معين على خلفية تمييز ديني أو عرقي أو سياسي، وعادةً ما تكون عمليات التطهير العرقي مرافقة لمجازر ترتكب ضد الأقلية المستهدفة.
ويمكن أن يكون التطهير العرقي ـ الذي تقوم به مجموعة عرقية تشكل الغالبية على مجموعة عرقية أخرى تشكل الأقلية ـ من خلال التدمير المقصود بدنياً أو بيولوجياً أو ثقافياً، مثل قتل أفراد تلك الجماعة أو التسبب في الإضرار جسدياً أو نفسياً، أو وضع تلك الجماعة تحت ظروف مدمرة كلياً أو جزئياً، أو إجبارهم على الإنتقال القسري والاختفاء القسري بما يخالف القانون الدولي، وهذا يثبت من خلال خطابات قادة الفئة المعتدية، ومن خلال وقوع الجرائم المختلفة وأساليبها المعروفة، وهي واضحة في الموصل .
تخالف التصرفات التي يقوم بها تنظيم «داعش»، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يؤكد أن جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، ويتمتعون بكافة الحقوق والحريات، دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين، وقد نصت المادة 3 من الإعلان على أن «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه»، كما نصت المادة 5 على أنه «لا يعرض أي إنسان للتعذيب أو المعاملات أو الوحشية...»، كما تؤكد المادتان 18 و19، على أن «لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، والحق في حرية الرأي والتعبير».


يسعى «داعش» إلى
تغيير التاريخ الثقافي للمسيحيين في العراق

كما يؤكد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن «الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان كما الحق في الحرية والأمان»، ويتشابه العهد في ما ينص عليه الإعلان العالمي عندما أكد في المادة 18 أن «لكل إنسان حقا في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر، ولا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما...». وتحظر المادة 20 من العهد الدولي أي «دعاية للحرب كما تحظر أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية...». وقد أكد ما تقدم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وما يقوم به «داعش» يخالف المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر المخالفات الجسيمة المشار اليها في المادة 147 التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد، والتعذيب، النفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وأخذ الرهائن، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية...».

ثانياً: إستهداف الهوية الدينية والثقافية يخالف القواعد الدولية

يسعى تنظيم «داعش» بشكل واضح، الى تغيير المعالم الثقافية والهوية الثقافية والتاريخ الثقافي للمسيحيين في العراق، لأنه ليس هناك من رادع يردعه، وهو لا يعير أي أهمية لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تقر الحماية للممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. لقد أكدت العديد من اتفاقيات القانون الدولي على حماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاعات المسلحة، منها اتفاقية لاهاي للحرب البرية عام 1907، واتفاقية لاهاي الموقعة عام 1954، وبروتوكولَاها الإضافيَّان لحماية الممتلكات الثقافية في وقت الحرب .
وحظرت المادة 56 من لائحة لاهاي الرابعة كل حجز أو تدمير أو إتلاف عمدي للمؤسسات والآثار التاريخية والفنية والعلمية، وأوجبت اتخاذ الإجراءات القضائية ضد مرتكبي هذه الأعمال. كما وحظرت المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة .
ومن بين الاتفاقيات التي تنص على حماية الممتلكات الثقافية، اتفاقيتا جنيف الثالثة والرابعة الموقعتان عام 1949، وبروتوكولاهما الإضافيَّان الموقعان عام 1977، واعتبرت المادة 147 اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 85 من البروتوكول الإضافي الأول ان تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية من المخالفات الجسيمة، هذه المخالفات يرتكبها «داعش» دون أن يتحرك أحد ضد أعماله.

ثالثاً: جرائم حرب وضد الإنسانية

وفق ما تقدم، يمكننا الإشارة إلى أن مفهوم جريمة الإبادة ـ الذي يعرفه نظام المحكمة الجنائية الدولية بأنه أي فعل بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية إهلاكاً كلياً أو جزئياً كقتل أفراد الجماعة أو فرض ظروف قاسية عليهم لإهلاكهم ـ يتداخل مع مفهوم أوسع وأعم هو مفهوم «التطهير العرقي» الذي يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية، نتيجة ممارسات عدة يتم بواسطتها ارتكاب جريمة أو عدد من الجرائم ضد الإنسانية بقصد تحقيق التطهير العرقي.
وقد أشار مجلس الأمن، إلى أن ما تقوم به «داعش» يدخل في إطار الجرائم ضد الإنسانية، والتي تعرفها المادة 7 من نظام روما بأنها «القتل العمد، الإبادة، إبعاد السكان أو النقل او الاختفاء القسري للسكان، التعذيب، اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان..».
وبالإضافة إلى الجرائم ضد الإنسانية، تنطبق على ما يقوم به تنظيم «داعش» من تصرفات جرائم الحرب، حيث نصت الفقرة 9 من المادة 8 من ميثاق روما لعام 1998 على أن تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية، بمثابة جريمة حرب، والتي تعرفها اتفاقية روما بأنها الخروق الخطيرة لاتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949 متى ارتكبت على نطاق واسع.
وينطبق على تهديدات «داعش» للمسلمين والمسيحيين ما تنص عليه المادة 8 المتعلقة بجريمة الحرب لا سيما إعلان أن المدني لن يبقى على قيد الحياة مع تدمير ممتلكاته والإعتداء على كرامته، فمن يحاكم «داعش» ويحمي المدنيين؟

رابعاً: حماية العراقيين

تقع مسؤولية الجرائم التي ذكرناها اعلاه على المسؤولين عن «داعش»، وبالتالي فإنه يجب التحرك سريعاً لملاحقة هؤلاء ومحاكمتهم قبل ارتكاب المزيد من الجرائم، وهذا يعتبر في الدرجة الأولى من مسؤولية الحكومة العراقية، والمحاكم الوطنية العراقية، ومن ثم تقع المسؤولية على المحكمة الجنائية الدولية، التي يجب ان تتحرك لمحاكمة هؤلاء، وبالتالي فعلى المدعي العام ومجلس الأمن التحرك لإحالة ملف مسؤولي «داعش» إلى المحكمة.
وإلى حين التمكن من محاكمة مسؤولي «داعش»، لا بد من حماية العراقيين من مسلمين ومسيحيين، حيث تقع المسؤولية الاساسية لهذه الحماية، على الحكومة العراقية، كما أن المسؤولية الأولية التي تقع على المجتمع الدولى هي مساعدة الدولة للاضطلاع بمسؤوليتها في الحماية .
أما إذا عجزت الدولة بصورة مطلقة فى حماية مواطنيها من هذه الجرائم، وبما أن الوسائل السلمية لم تعد تنفع مع تنظيم إرهابي كتنظيم «داعش»، فان المسؤولية تنتقل الى المجتمع الدولي باستخدام الوسائل القسرية وفق ما يسمى التدخل الإنساني، وتعود سلطة الترخيص بالتدخل العسكري إلى مجلس الامن الدولي.
أما قيام الولايات المتحدة الأميركية بقصف مواقع «داعش» استناداً على طلب الحكومة العراقية والإتفاقية الأمنية بين الطرفين، فإن ذلك يستوجب الحفاظ على سيادة الدولة، وأن لا يكون هذا التدخل مبرراً لخرق سيادة الدولة والتدخل في كل شؤونها. فمبدأ الحماية يعتبر من استثناءات مبدأ عدم التدخل، ولذلك يجب أن تقوم على احترام الواجبات المتأصلة فى مفهوم السيادة والشروط التي بموجبها يمكن ممارسة السيادة. وبالتالي يجب مراعاة أحكام ميثاق الامم المتحدة لحفظ الامن والسلام الدوليين، والتزام الاعلانات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان مع مراعاة القانون الدولي والوطني.
كما يمكن للدولة العراقية في هذه الحالة اللجوء إلى الوكالات الإقليمية لمساعدتها وهذا ما ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، بالإضافة إلى حقها بالطلب من دولة إقليمية بأن تقوم بمساعدتها للقضاء على هذا التنظيم الإرهابي في المنطقة المحددة.
* صحافي لبناني