غموض الواقع الحالي في منطقة الشرق الأوسط، لا يعني غياب المعنى. فتنة داعش وأخواتها تحتمل كل التأويلات، بحسب الزمان والمكان المحددين. ارتباطاتها على الأرض السورية أقرب إلى الوضوح أكثر مما عليه أمرها وهي تتجه بقوة نحو العراق، نقطة انطلاقها الأصلية، حيث تعيث فساداً في المدن والقرى العراقية الآمنة. قاتلت الجماعات المسلحة الإرهابية الدولة السورية متفرقة أو مجتمعة، كل واحدة منها انطلاقاً من مقدماتها الفكرية والإيديولوجية، الا انها تلتقي حول العمل على تدمير الوطن السوري باسم الثورة بالنسبة لبعضها، وباسم الدين بالنسبة لبعضها، وباسم ربيع ديمقراطي مزعوم بالنسبة لبعضها الآخر.


لكن المحصلة واحدة وهي: القتل والذبح والخطف وتدمير المنشآت وسرقة الآثار وتفكيك المعامل وبيعها للاسواق العامة في تركيا أساساً، وتدمير البنى التحتية في مختلف مجالات الانتاج الوطني الزراعي والصناعي والتربوي.
الذين دعموا داعش بالمال والسلاح والرجال للقتال في سوريا هم الذين يحاولون اليوم إقامة مسافة معها، عندما أعلنت دولة الخلافة، الاسم الحركي لدولة الفتنة الشاملة. بل ان بعضهم تطوع بإصدار الفتاوى لتحريم أنشطتها، وتجريم ممارساتها.


من الصعب تصور أن
من يتحدث عن الحرية
يوظف طاقاته لحراسة القواعد الاستعمارية


فالاخوان المسلمون الذين قاتلوا في كل الساحات جنباً إلى جنب مع داعش هم الذين يحاولون اليوم تصدر مشهد القوى التي ترفض تمدد داعش، وليس السبب في ذلك كونها تنظيماً إرهابياً، فهذا قاسم مشترك بينهما، في واقع الأمر، بل لكون داعش حاولت مصادرة دولة الخلافة التي كان الاخوان يجهزون أنفسهم لإنشائها. التنافس والسباق حول ادعاء من تعود اليه الأولوية في إعلان هذه الدولة هو موضوع الخلاف الذي تحاول من خلاله جماعة الاخوان ادعاء الوسطية وتقديم نفسها كما لو أصبحت، بقدرة قادر، حركة مناهضة للإرهاب الذي تمارسه في واضحة النهار في سوريا ومصر تحت مزاعم الثورة تارة والدفاع عن الشرعية تارة اخرى.
ففي موضوع سوريا يمكن القول ببساطة: إن ما على النظام السياسي السوري كثير، ما في ذلك شك، ولم يسبق للقيادة السورية ان أنكرت وجود مآخذ على نظامها السياسي، في هذا المجال أو ذاك. غير ان له، أيضاً ما له، وهو غير يسير، ولا سبيل لإنكاره على مستويات عدة، داخلياً وإقليمياً ودولياً إلا بالنسبة للمكابر الذي لا يهمه النظر الى الواقع بسبب عدم الرغبة في رؤية ما يتنافى مع مواقفه أو أحكامه المسبقة المغرضة بالتأكيد.
فهل يجرؤ احد ان يزعم ان لهذه الجماعات الإرهابية شيئاً تذكر به، غير تاريخها الإرهابي الأسود في سوريا وغير سوريا من بلاد العالم، وغير هذه الوقائع المخزية التي يتم تداولها في مختلف مواقع الاعلام والتواصل بما في ذلك الوسائل المملوكة لهذه الجماعات الإجرامية أو من يدعمها من الأشخاص والجماعات والدول، في المنطقة وخارجها القريب والبعيد
معاً؟
واذا كانت المسافة بين النظام السوري وطموحات الشعب السوري تقاس بالزمن العادي ويمكن التعبير عنها بمفردات اللغة السياسية العادية، فان الفرق بين ما تقدمه الجماعات الإرهابية من بدائل وبين ما يطمح اليه الشعب السوري في مختلف المجالات يقاس بالزمن الضوئي، بل ان الهوة بين النظام السياسي وجماهير الشعب قد عرفت تقلصاً ملحوظاً في العقدين الأخيرين، ويمكن جسرها في الزمان المنظور بينما يستحيل تقليص هذه الفجوة بين الشعب السوري والجماعات الإرهابية المسلحة لأنه في وقت يحاول الشعب إقامة قواعد متينة للبناء المستقبلي فإن الجماعات الإرهابية تنحو المنحى المناقض تماماً، بما يجعل إمكان الالتقاء بين التوجهين من أكبر المستحيلات لأن الفجوة والهوة لا تتوقف عن الاتساع والتعمق.
ان في نظري اليوم هو ان نعرف ما هي هذه الحركات والجماعات الإرهابية من خلال ممارساتها المباشرة، وغير المباشرة، في مختلف الساحات التي تنشط فيها. صحيح انه من المهم أيضاً معرفة من وراءها، وما وراءها من استراتيجيات، غير ان التعرف على نتائج ممارساتها، ومن يستفيد منها عملياً، يكفي في هذا المجال، ويغني عن النبش في تاريخ الأفراد والجماعات وطبيعة ارتباطاتها بمختلف القوى المتصارعة على النفوذ ضمناً أو علناً في منطقتنا.
وهنا، ليس ممكنا إنكار ان أعداء التحرر هم الوحيدون المستفيدون من الفتن المشتعلة في المنطقة وفي مقدمتهم اسرائيل والقوى الغربية التي تمثلها بهذا القدر او ذاك في المنطقة. من هنا يحق توجيه أصابع الاتهام إلى مركب شامل من الحركات التكفيرية الإرهابية ومن الدول المحلية والإقليمية التي تشرف على أنشطتها الهدامة ومن القوى العظمى التي يبدو انها قررت إغراق المنطقة في فتن وحروب لا تبقي ولا تذر، خدمة لمصالحها الآنية والاستراتيجية القديمة والمستحدثة.
* كاتب مغربي