‏أكره المعنى الرتيب الذي ننساق وراءه بعقلنا الجمعي نحو اللغة. في مقالات عديدة كنت أحاول فهم اللغة على أنها مركب من «العقل اللغوي» (والمفردات الحصيلة اللغوية أو المعجم) وتحدّثت عن العقل اللغوي في أكثر من اتجاه، وقلت إن العقل اللغوي هو النظام اللغوي المكون من النحو والصرف والصوت في أي لغة، مخالفاً نظرية المستويات التي حشر فيها أحياناً مستوى المعجم. لأن المعجم شيء آخر لا يمت إلى حقيقة النظام اللغوي. وإذا حصرناه قسراً في المستويات التي دأب اللغويون على المضي فيها ستواجهنا مشكلة الخلط في تكون اللغة بين النظام والمفردات. وحتى إذا تحدّثنا عن المستوى الدلالي فإننا قد نكون بعدنا عن الدقة، لأن وجه الدقة يكاد يكون في أن اللغة مكونة من مركب هو النظام اللغوي والمفردات مكوناً هذا التركيب، وقد نطلق على ما ينتج منه دلالة التأليف.

‏لكن ما أطمح إليه فيه هذا المقال هو شيء آخر من البحث، كنت أتأمل فيه ولا أزال، والبحث هنا عن وجه آخر للعبقرية، العبقرية التي هي فعل خلاق، والفعل الخلاق هو الذي ينتج شيئاً آخر غير نمطي، وهذه المقاربة التي تبحث عن اللغة باعتبارها مساراً عبقرياً، يتجاوز أفكار الأصالة في الذات، يتجاوز مفهوم الجين إلى مفهوم الاكتساب على مستوى الموروث، غير أن الحاضنة الأبوية وحاضنة الأمومة ربما لا تشكلان إكساباً للطفل إذا كان الأبوان غير واعيين إلى تنمية هذه الظاهرة في طفلهما. وقد يجد المرء -صغيراً- ضالته في أستاذ لا يعطيه العلم فقط بل يكتسب المراس منه. وفي المنزل سيتميز الطفل ليس في أنه فهم بل لأنه مارس الفهم تعبيراً، والتعبير هو الجسر بين الطفل وبيئته، وستكتشف الأسرة في تعبيره عن ذاته بقوة على أن هذا الطفل يؤدي المعنى إليها في رشاقة من دون ضبابية في الرؤية. لقد أحسن هذا الطفل الاختيار في بناء جمل معبرة عن ذاته، في وضوح سافر، إنه يريد أن يشرب الماء «عطشان»، يمارس تنغيمه لمفردة عطشان، أو أبي الجو حار، أو هنالك الجو لطيف، فدرجات التعبير الفصيحة التي يطلقها الطفل تدل على الخطوات الأولى في سلم عبقريته، وأقصد بالفصاحة هنا البيان الوضوح وليس ما ذهب إليه جمهور المحلة أو البلاغيون وقبلهما كما فعل اللغويون. وسيبدو لمعلمة الطفل في الروضة أنه طفل مستوعب من خلال قدرته على أن يكون معبراً جيداً عن ذاته وسيكون لافتاً إذا تكررت محاولاته الناجحة في قدرته على أن يكون أكثر بياناً وأكثر تميزاً بين زملائه الأطفال. إن قدرة الطفل أيضاً على تمييز الصوت اللغوي بينه وبين زملائه سيعني ذلك أنه ليس قادراً على التعبير فحسب بل هو قادر على التمييز اللغوي بين بيئات مختلفة وبشيء من الوضوح ستتبدى أولى ملامح عبقرية هذا الطفل من خلال لغته.
‏ولعله من غير المعقول أن آلاف العلماء الذين تخصصوا في الفيزياء كانوا بسطاء أو أنهم لا يستوعبون ما تنتجه أبحاثهم أو أنهم لا يدركون خطوات التجريب في معاملهم، لكن التعبير عند نيوتن أو آينشتاين صار أكثر وضوحاً وأكثر عبقرية في سك المصطلحات. ولم يكن فيردنيان دو سوسير فريد نوعه في النظرية البنيوية، لقد بذل فيردنيان جهوداً واسعة في إيضاح ثنائياته وكذلك صنع نعوم تشومسكي وبيّن التوليد والتحويل، لقد كان الخليل يتحدث عن التقليب وقسم اللغة إلى مهمل ومستعمل غير أن درجة الوضوح عند تشومسكي كانت أكثر سفوراً منها عند الخليل وأكثر وضوحاً من سوسير.
‏وإذا تركنا العلم وتأملنا في الأدب فإنه يمكننا القول بأن عبقرية الجواهري قد تكمن في أنه أعاد صياغة الشعر العربي القديم من جديد. لقد كان الجواهري أكثر ألمعية لأنه ربما سد فجوات القصيدة القديمة في سفوره وصار أكثر قدرة على التعبير عن ذاته. لقد كانت شكوى الجواهري لوناً آخر، فالمتنبي على سبيل التمثيل يقول:

رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال
‏فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال

‏غير أن الجواهري كان مختلفاً، فقال:

في ذمة الشعر ما ألقى وما أجد
‏أهذه صخرة أم هذه كبد

‏وللمتلقي أن يتذوق الشكوى في كلا النصين ويكتشف مدى العبقرية فيهما، وفي اعتقادي لن يكون لافتاً الجواهري لو لم يكن قادراً على التعبير عن ذاته في لغة أكثر سحراً وأكثر بياناً وكذلك كان يفعل نزار قباني ومحمود درويش وغيرهم من الشعراء. ولعل ما يميز الزعماء قدرتهم على تقديم ذواتهم إلى جماهيرهم من خلال سحر الكلمة وإظهار شخصياتهم في تشكيل لغوي قادر على تجسير العلاقة بينهم وبين جماهيرهم. والأستاذ العبقري هو الذي يصل إلى قلوب تلاميذه عن طريق لغته المفعمة بعلمه وعطفه وحنانه أو بمدى قدرته على تسويق معلومته وإقناع الطلاب بها وإقناع المختصين في حقله المعين. ويمكن القول إن اللغة هي مجلى من مجالي العبقرية بل هي من أبرز تلك الوجوه.

* عالم لغوي بحريني