في عدوانها البربري على غزة اخطأت االقيادة الإسرائيلية، مرة جديدة، الحسابات. هي، في الواقع، تخطئ الحسابات في كل مرة يواجه عدوانها بمقاومة فعلية وصلبة وواثقة. حصل ذلك في غزة نفسها أواخر عام ٢٠٠٨ وعام ٢٠١٢. حصل ذلك ايضاً وأساساً في لبنان، بدءاً من غزو بيروت عام ١٩٨٢، ثم مقاومة هذا الغزو طيلة حوالى عقدين من الزمن مما فرض على الصهاينة وحماتهم وشركائهم الأطلسيين انسحاباً غير مشروط وخسائر سياسية ومادية فادحة غير متوقعة.


ايضاً حصل ذلك، خصوصاً عام ٢٠٠٦ (في مثل هذه الايام)، حين نفذ قادة إسرائيل هجوماً على لبنان بتحريض من الإدارة الأميركية. كابد المعتدون يومها هزيمة مدوية، وتكبدوا من الخسائر البشرية والمادية والسياسية ما ادخل عناصر جديدة على معادلات الصراع وتوازناته ومساره. طبعاً العناصر الجديدة المذكورة لم تكن لمصلحة العدو الصهيوني ومحرضيه وداعميه والمتواطئين معه.       
بنتيجة الدعم والتواطؤ الاميركي والغربي المستمرين، وتوسع علاقات التنسيق والتطبيع بين عدد متزايد من الدول العربية والعدو الصهيوني، وبسبب الصراعات والنزاعات والحروب التي تجتاح العالم العربي (وسوريا خصوصاً)، بنتيجة ذلك وسواه، وبسبب تعاظم شهوة الاغتصاب والاطماع المفتوحة، اقدمت القيادة الصهيونية على تنفيذ عدوانها الجديد على غزة. لن نسقط هنا أيضاً دور «الشركاء المضاربين» الذين يريدون، من خلال شلال الدم والدمار الفلسطينين، تدارك نكسات مشاريعهم ورغباتهم، عنينا، خصوصاً، القيادتين التركية والقطرية. كان يظن الصهاينة أن حركة «حماس»، وهي القوة الرئيسية في غزة، قد أصبحت في حالة مزرية، خصوصاً بعد المصالحة مع حركة «فتح» والاتفاق على تشكيل حكومة مشتركة تعمل تحت اشراف وسياسات السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس.
كذلك هم حاولوا استثمار بعض اخطاء حركة «حماس» حين غلبت الجانب الايديولوجي في سياستها (كفرع من تنظيم «الاخوان المسلمين» العالمي) على الجانب الوطني بوصفها حركة مقاومة وتحرر تسعى من أجل تحرير الأرض من رجس الاحتلال. 
حاول الصهاينة، في هذا السياق تحديداً، استثمار تدهور وانقطاع العلاقات بين قطاع غزة والقاهرة، خصوصاً منذ الحملة العنصرية والمشبوهة التي اطلقها بعض الاعلام المصري ضد فلسطين الشعب والقضية والحقوق استئنافاً لدور كان يفترض أن ثورتي يناير ويونيو قد دفنتاه الى الابد!
حاولت القيادة الإسرائيلية ايضاً استثمار ما يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة من فقر وأزمات اجتماعية في ظل الحصار الإسرائيلي الهمجي على القطاع، ونظراً لضآلة الموارد، وبسبب إخفاق حكومة حركة حماس في إدارة سياسة وعلاقات داخلية وخارجية تخفف من أزمات القطاع وصعوباته.
يأتي كل ذلك طبعاً في ظل التصعيد الإسرائيلي السياسي والامني: إيصال المفاوضات مع السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله إلى طريق مسدود. الاندفاع غير المسبوق في بناء المستوصفات. اشتراط المفاوض الصهيوني، بدعم من واشنطن، اعتراف المفوض الفلسطيني بيهودية الدولة العبرية كبند اول في المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي...
لا شك أيضاً أن ما يُرتكب من المجازر والفظاعات في الصراعات الدائرة في عدد من البلدان  العربية (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن...) قد اغرى القيادة الصهيونية بتحقيق المزيد من المكاسب الميدانية وبوسائل القتل والدمار والعدوان. في ظل هذه المعطيات تبارت اطراف الائتلاف الذي تتشكل منه الحكومة الإسرائيلية الحالية في اطلاق دعوات الهجوم والتدمير والقتل والتصلب...
كان العدو ينتظر ذريعة وظن أنه وجدها في عملية خطف وقتل المستوطنين الثلاثة الذين اتهمت «حماس» بالمسؤولية عنها.
تشير معطيات عديدة إلى أن العدو كان يظن أن جيشه سيدخل في عملية محدودة ومحسوبة يستطيع التحكم بمجرياتها وبنتائجها، وليس في مغامرة مفتوحة على كل أنواع المخاطر والخسائر. فاجأته وفاجأ العالم، قبل أي أمر آخر، صمود شعب غزة الذي هو تجسيد لصمود الشعب الفلسطيني الذي يواصل ملحمة ثباته في التمسك بأرضه وبحقوقه مهما غلت التضحيات وكبرت الالام وامتدت المعاناة.
إن ابقاء أهالي غزة في بيوتهم ومخيماتهم، رغم خطر الموت المؤكد، إنما هو العمود الفقري للمواجهة، وهو الذي ألهم المقاومين شجاعة المواجهة واجتراح البطولات. اختار الغزاويون الأصعب ولكن الاصح: خيار الصمود في وجه آلة القتل والاجرام والدمار بدل الهروب أو الاستسلام أو اليأس. سيأتي في الدرجة الثانية والمكملة، طبعاً، القتال بما اعد المقاومون من انفاق وصواريخ ومهارات وتقنيات، ما مكّن من إلحاق الخسائر الكبيرة بجنود العدو وبتهديد كل مدنه ومرافقة الاساسية بما فيها تل أبيب ومطار «اللد».
فقد العدو المبادرة ومعها مزاعمه «الاخلاقية» حيال هذا العمود العظيم: إرتبك. بدا مفتقداً للخطط. إستهدف المدنين. قتل الاطفال. دمر حيّ «الشجاعية» بالكامل على من فيه. أُحرج نتنياهو. مارس سياسة الهروب إلى الأمام. تباهى بتأييد العالم له. إندفع نحو مزيد من الإجرام الصافي... لكن جرائمه ظلت اعجز من ان تعالج خيبته ومفاجأته من المقاومة والصمود والحاق الشلل بمجمل الحياة الإسرائيلية.
يؤكد العدوان على غزة أن الصهاينة يواصلون، في كل وقت وفي كل سانحة، مشروعهم الإغتصابي التوسعي العدواني. يؤكد صمود غزة ومقاومتها البطوليين أن قضية الشعب الفلسطيني لا تموت، بل هي قد تغذت بعد صمود ومقاومة غزة بعامل جديد من عوامل المشروعية وفرص الانتصار. 
احرج صمود ودماء غزة صمت الكثيرين. أقام أساساً جديداً وسيما للوحدة الفلسطينية المنشودة: الوحدة التي تقوم على التمسك بالحقوق، والاستعداد لتقديم التضحيات، والعمل بكل الوسائل السياسية والعسكرية لفرض التراجع على العدو. 
الشعب الفلسطيني شبه وحيد. من المخجل أن تطول معاناته فيما الامكانيات العربية معطلة أو موظفة في غير الاتجاه السليم. ليس ذلك فقط بل ان الفئويات هي صاحبة اليد الطوالى فيما يجري الان من مشاريع متطرفة ومن ممارسات مقززة ومن اصطفافات طائفية ومذهبية.
ربما آن الاوان، بين أمور أساسية أخرى، لإعادة النظر والحسابات في كثير من الوسائل وبشأن كثير من المسائل: وحدة المواجهة في نطاق مقاومة شاملة غير فئوية هي المطلوبة اليوم. لا بد من أن ينتظم ذلك مشروع تحرري للنهوض والصمود واستعادة الارض والحقوق والثروات.
أما أطفال فلسطين الذين يستهدفهم العدو لأنهم رمز المستقبل ورمز الحياة والحقوق فسيولد «تاسعهم بعد صيف» كما قال محمود درويش وكما تفعل نساء فلسطين رغم أنف قطعان الغزاة والمستوطنيين وحماتهم والمتواطئين معهم في كل مكان وزمان!
* كاتب وسياسي لبناني