لم يخطر في بال مؤسّسي الدولة ما يحدث اليوم من حرب إعلاميّة ضد العدوّ. الكيان تأسس على فرضيّة مغلوطة: ان الشعب الفلسطيني سيكون راضياً عن إنشاء دولة إسرائيل. ترجع إلى كتابات ثيودور هرتزل: كتابه «دولة اليهود» (الترجمات اللاحقة للكتاب شوّهت لأغراض صهيونيّة - حتى باللغة العربيّة - عنوان كتابه بالألمانيّة من «دولة لليهود» إلى «دولة يهوديّة») لم يكترث للوجود الفلسطيني، وكان في الكتاب (الصادر عام 1896 - قبل سنة واحدة من انعقاد المؤتمر التأسيسي للمنظمة الصهيونيّة العالميّة) حائراً غير مستقرّ على موقع الدولة المُزمعة إذا كان سيكون في الأرجنتين أو في فلسطين.


لكن تجواله بين يهود أوروبا الشرقيّة أقنعه أن اليهود المتديّنين هناك لن يحضروا مؤتمره ما لم يحدث إجماع على موقع فلسطين حصراً. إلا أن هرتزل كتب كتاباً آخر لكنه غير معروف (نُشر عام 1902، أي قبل سنتيْن من وفاته) باسم «الأرض القديمة ــ الجديدة» وفيها تصوّر وضع «المجتمع (لم يستعمل هرتزل في الكتاب الكلمة الألمانيّة للدولة بل كلمة «جزلشافت، بمعنى المجتمع) الجديد» في فلسطين بعد مضي عشرين سنة. كان تصوّره خياليّاً: لم يكن هناك جيش للدولة وكان العرب واليهود متحابين وهناك شخصيّة عربيّة في القصّة (رشيد بك) وهو يلهج بحمد المهاجرين اليهود لما أعادوه على العرب من نفع وفائدة وخير (كتب الزميل محمّد علي الخالدي مراجعة نقديّة للكتاب في «مجلّة الدراسات الفلسطينيّة» بالإنكليزيّة قبل بضع سنوات). لا، لم يرضخ العرب ولم يلهجوا بحمد الصهيونيّة. المسار كان مختلفاً والقصّة من وحي الخيال الصهيوني المحض.


الإعلام المصري
بلغ حدوداً لم يبلغها
حتى في عصر السادات


أدرك الصهاينة أن العرب لن يستسلموا وأن شعب فلسطين لن يذوب في محيطات حوله. أدركوا أن جرائم الحرب والمجازر ضروريّة بصورة دوريّة واستعانوا أيضاً بحرب إعلاميّة صفيقة: استعملوا المال لشراء أحزاب وملوك ورؤساء وكتّاب عرب. نحن نعلم اليوم من خلال الوثائق التي أفرج عنها في الأرشيف الصهيوني أن العدوّ كان يجول في العالم العربي والعالم ليبتاع الأقلام العربيّة (حتى الجرائد العربيّة في نيويورك، مثل «الهدى» لم تنجُ من الرشاوى الصهيونيّة). حزب الكتائب لم يقدّم خدماته بالمجّان منذ الخمسينيات: عام 1967 طالب الحزب بمشروع قانون في مجلس النوّاب اللبناني بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل.
ركّز الصهاينة في الغرب على ضرورة التأثير الإعلامي. لم يكن الأمر صعباً: كان اليهود في بعض دول الغرب نافذين بحكم مواقعهم المؤثّرة في الإعلام والسياسة والثقافة (ولم يكن هذا وليد مؤامرة يهوديّة كما تصوّر الدعاية المسيحيّة التلقيديّة المعادية لليهود، كيهود). وقرار بن غوريون عام 1942 بعقد المؤتمر الصهيوني في نيويورك (مؤتمر «بلتمور»، على اسم الفندق الفخم الذي عُقد فيه وهو لم يعد قائماً) كان مثل الذي سحب القرعة: عوّل على صعود أميركا وركّز على ضرورة الدعاية فيها ونجح أيما نجاح. أميركا وحدها تمنع سقوط دولة العدوّ لكن الصعود الصهيوني في أميركا كان تدريجيّاً: يروي الفرد للينثال (اليهودي المعادي للصهيونيّة) حكاية تحوّل «نيويورك تايمز» من اللاصهيونيّة إلى الصهيونيّة في كتابه «الرابطة الصهيونيّة». حتى مؤتمر الحاخامات الأميركيّين كان بداية معارضاً لإنشاء الدولة في فلسطين (طبعاً، لم يكن الحرص على شعب فلسطين من أسباب المعارضة). استثمر الصهاينة كل نفوذهم لبناء لوبي قوي في أميركا وأصبح يمسك بخناق صناع السياسة الأميركيّة نحو الشرق الأوسط. ليس من المبالغة القول إن كل مشاريع قوانين «الكونغرس» الأميركي تنبع في مكاتب منظمة «إيباك».
كانت إسرائيل تخوض حروبها على جبتيْن: الميدان العسكري وميدان الإعلام خصوصاً في الغرب، لكنها لم تتوقّف عن السيطرة بالمال على وسائل إعلام عربيّة. كانت إذاعة «صوت لبنان» (أقوى وسيلة إعلاميّة في سنوات الحرب الأهليّة حتى الثمانينيات) خاضعة لإشراف مباشر من جيش العدوّ. أما في أميركا، وهي الساحة التي تنفق عليها إسرائيل أكثر من غيرها، مالاً وجهداً حثيثاً، فكانت السيطرة الصهيونيّة شبه تامّة إلى أن أصبحت تامّة في الثمانينيات: تحوّل الحزب الجمهوري إلى حزب اليمين المسيحي الصهيوني وقُتل جناح المُستعربين في الإدارات الأميركيّة كما أن الكتاب القلائل الذين قارعوا إسرائيل في الصحف الأميركيّة (مثل ماري ماغروري وبوب نوفاك ورونالد إيفانز) ماتوا. خلت الساحة للصهاينة الجدد والعتاق: تلاقت الليبراليّة الأميركيّة واليمين المسيحي على مناصرة إسرائيل ظالمة وظالمةً.
ودولة العدوّ تكيّفت مع الإعلام الكلاسيكي البطيء. كانت تؤثّر فيه و«تطغى على الرسالة» كما يقولون في لغة أجنبيّة. كانت إسرائيل تقوم بمجازرها ولم يكن هناك إعلام موجود على الأرض كي ينقل الصور حيّة على الهواء. أخبار مجازر كفر قاسم ودير ياسين وغيرها من المجازر لم تصل إلى العرب إلا بعد حدوثها بأشهر وسنوات أحياناً (مثل مجازر العدوّ في سيناء في 1967 والتي تستّر إعلام مبارك عليها بعد انكشافها). كان العدو هو الذي يُقرّر متى وكيف ينشر خبر جرائم حربه: كان هو يعدّ إخراج مجازره وبالطريقة التي يريد. سيطر هو على عناوين وتفاصيل الحدث في الغرب. وكان كل هذا قبل عصر التواصل الاجتماعي. فقد العدو السيطرة على «الرسالة» الإعلاميّة. الإعلام التواصلي هو إعلام بطبيعته مُتفلّت من السيطرة الصهيونيّة: لا حكومات تؤثّر عليه ولا مال يشتريه بسبب كثرته (باستثناء مواقع وصفحات اللاعنف العربيّة التي صمتت عن مجازر غزة مع انها من دعاة اللاعنف وقرع الطناجر سلميّاً كوسيلة احتجاج غير مؤذية للعدوّ).
والعدوّ يعاني من غلبة الطرف الآخر على مواقع التواصل: هناك ساحة لا تأثير فيها للوبي الإسرائيلي ولا لأوباما ولعقوباته ولحلفائه في حكومات أوروبا الغربيّة. لهذا فإن العدو شكّل وحدة «تفاعليّة» من 40 شخص مُلازمة وتابعة لجيش العدوّ (وتضم أخصائيّين في الرسم والتصوير والفيديو والكومبيوتر) ولذلك من أجل تقيّؤ دعاية عسكريّة بست لغات وزرع الدعاية في كل وسائل التواصل. تطوّع طلاّب جامعات من أجل دس التعليقات الموالية للعدوّ على «فايسبوك» و«تويتر». لكن إحصاء لتوارد الأوسام على «تويتر» أجرته «نيويورك تايمز» كشف أن وسم «غزة تحت العدوان» (بالإنكليزيّة) نال أكثر من 4 ملايين تعليق مقابل 170000 تعليق لوسم «إسرائيل تحت النار»، وفق تعداد «توبسي». (وأخبرني ناشطون وناشطات أن نسبة الوسم الموالي لفلسطين نال أكثر من الرقم المذكور لأن الكثير من صفّنا يغرّد تحت وسم العدوّ وذلك لزرع البلبة والدعاية في خندق العدوّ).
وتستطيع أن تتبيّن مدى ضيق العدو من حريّة وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مراقبته الوثيقة لكتابات عرب فلسطين 1948. تترصّد «الشاباك» كل ما يكتبونه وتهدّدهم فوراً: هناك من العرب من فصل من عمله بسبب نشره لصور مجازر العدوّ، وهناك ممرّض عربي في مستشفى «هداسا» في القدس المحتلّة تلقى تهديداً من إدارة المستشفى لأنه كتب على «فايسبوك» تعليقاً وصف فيه قوى العدوّ بـ«النازيّة». لكن لا يستطيع العدوّ ان يلاحق ما يكتبه الفلسطينيّون وغير الفلسطينيّين حول العالم. فلتت الأمور عن السيطرة. لو أن كاتباً في الأردن أزعج العدوّ، يستطيع مسؤول عسكري غير رفيق أن يتصل بالملك الأردني من أجل زجره. لكن ماذا تفعل بهذا الجيش العرمرمي من الشباب العربي والغربي الذي لا يتوقّف عن التغريد ضد العدوّ على مدار الساعة؟
تشكّل مواقع التواصل الاجتماعي كابوساً للعدوّ: كان العدوّ في أزمنة غابرة يكتفي بقصف محطات إذاعيّة (فعل ذلك في لبنان أكثر من مرّة) لكن ماذا يفعل في عالم ينتشر فيه مؤيّدو ومؤيّدات فلسطين في كل بقاع العالم؟ ماذا يفعل وصور المجازر وأصوات الجرحى والمعوقين تأنّ وبأكثر من لغة؟ ماذا يفعل العدوّ وهو يعلم أن حبس الخبر، حتى الانتهاء من عمليّة جريمة الحرب التي يقوم بها، لم يعد ممكناً وأن التأثير في الكلمة المطبوعة ممكنٌ لكن التأثير في الصور والتقارير الحيّة غير ممكن (لهذا تعرّض مراسل «بي. بي. سي» إلى الضرب على الهواء مباشرة). هي الحقائق العنيدة التي لا تُطوّع من المال الصهيوني.
نجح العدوّ في الدعاية بين سنوات 1948 وسنة 1973 عندما صوّر نفسه على أنه ضحيّة لجبروت الأنظمة العربيّة المُصمّمة على إزالة الكيان (وهذا للأسف غير صحيح. لم يقم أي نظام عربي - ولا حتى النظام الناصري كما روى الصديق كمال خلف الطويل على هذه الصفحات - بمحاولة إزالة الكيان الغاصب). لكن الآية انعكست: مهما ضخّم العدوّ من قوّة أعدائه (شيوعيون حيناً وقوميّون أحياناً وإسلاميّون حيناً آخر) فإنه يظهر بدور المعتدي، ومن الصعوبة بمكان تصوير الأطفال والمدنيّين على انهم قوّة عسكريّة قادرة على إزالة الكيان (لكن سيتسنّى لهؤلاء الأطفال الرضّع فعل ذلك وأكثر بعد أن يكبروا).

إعلام آل سعود
فعل ما بوسعه في أوّل
أيام العدوان لتجاهل الحدث


لكن الإعلام العربي الرسمي والخاص تعامل مع الحدث الكبير بصورة مختلفة ومتناسقة مع دعاية العدوّ. إعلام آل سعود فعل ما بوسعه في أوّل أيام العدوان لتجاهل الحدث: كان إعلان منح شهادة دكتوراه فخريّة من قبل الأزهر (مصنع الفتاوى بالأثمان) للملك الأمّي يملأ إعلام أمراء آل سعود بالفخر والزهو. وإعلام آل سعود وإعلام المعارضة السوريّة التابعة للنظاميْن القطري والسعودي مشغولة بحدث آخر: لم تتوقّف على مدى أيّام عن تقريع وشتم وهجاء الطفل «عبّاس» (وذكر الاسم ضروري إذ انه من دواعي التحريض الطائفي الواجب): أصبح هذا الصغير أسوأ من نتنياهو في عرف هؤلاء. لكن العدوان توسّع وامتدّ واضطرت كل وسائل الإعلام العربيّة لتغطية الخبر. جريدة «الشرق الأوسط» الليكوديّة حرصت على عدم إبراز أخبار العدوان والاقتصار على نقل وجهة نظر العدوّ فقط. محطة «الجزيرة» بثّت تقريراً في أوّل نشرتها الإخباريّة يتضمّن أقوالاً لمتحدّث عدوّ من دون إقرانه بكلام لمقاوم في غزة (لكن المستوى المهني والحرفي للمحطة تدنّى كثيراً ربما لقناعة أصحاب الشأن فيها ان المشاهدة ضعيفة ولا حاجة لبذل الجهد، حتى أن مذيعاً يسأل ضيفاً «أنتَ ماذا تقول كمكوّن سنّي»؟). أما «القدس العربي»، وهي من أبشع أبواق التحريض الطائفي السوقي بين كل إعلام النفط والغاز فكانت مشغولة بتقسيم العرب إلى سنّة وشيعة، ومشغولة أيضاً بقضيّة الطفل «عباس». أما «الميادين» فكانت بلا منازع صوت فلسطين في أيّام العدوان (المُستمرّ)، وبصرف النظر عن تغطيتها الموالية للنظام في سوريا.
أما في لبنان، فلا يجري التعامل إلا فلكلوريّاً. بنيّة حسنة من قبل طلال سلمان الذي ما انفك منذ بداية عمله الصحافي عن حمل شعلة فلسطين، والذي كرّس جريدته كصوت فلسطين الدائم، توّحدت نشرات الأخبار في لبنان لنصرة غزة. لكن الفكرة مصطنعة وكاذبة في التطبيق. كان على بعض المحطّات أن تقول في نهاية النشرة: ثم نعود يوم غد إلى عملنا المعتاد في خدمة دعاية العدوّ الصهيوني بالاعتماد على مراسلين صهاينة يتقيّأون بيانات العدوّ العسكريّة من دون زيادة أو نقصان. ويمكن لك أن تنسى أن بعض المراسيلن هم من أتباع بشير الجميّل؟ وماذا عن منى صليبا التي وصفها جيفري فيلتمان في تقرير «ويكيليكس» أنها كانت مؤيّدة للعدوّ الإسرائيلي في حرب تمّوز؟ هل تنسى ذلك وانت تستمع إلى تقريرها عن غزة؟ ومذيع «إل بي سي» يزبك وهبة قال في نشرة الأخبار، التي سبقت النشرة المُوحّدة، بالحرف: «إسرائيل ماضية في عمليّاتها حتى ضمان الهدوء». إن النفاق يكمن في فرض نشرة موالية لفلسطين على ألسنة من يعاديها. وكيف يمكن اصطناع التوحّد حول فلسطين فيما يقوم نصف الإعلام - على الأقل - بعون العدوان؟ وساسة لبنان مثل إعلامهم، أو العكس هو الصحيح. وليد جنبلاط الحائز حديثاً على جائزة إلياس الهراوي (كيف لا يرتدع هذا من التصريح عن فلسطين بعد تسريبات «ويكيليكس»، التي أكّد هو صحّتها، والتي كان يحثّ فيها العدوّ، هو وصديق عمره مروان حمادة، على الإمعان في العدوان على لبنان) جاء بتصريح قال فيه ان العدوان سيّء لأنه يزيد من العداء ضد اليهود - بالحرف. لكن المشهد المُنفّر كان صورة (على شاشة واحدة) لأحمد فتفت وفؤاد السنيورة وجورج عدوان (ربيب الجيش الإسرائيلي في سنوات الحرب الأهليّة) وهم يعلنون تضامنهم مع أهل غزة ويشيدون بمقاومتها (كاد السنيورة ان يصفها بـ«المقاومة السنيّة الحنفيّة»). بقي أن يعلن أنطوان لحد تضامنه مع أهل غزة.
أما الإعلام المصري فقد بلغ حدوداً لم يبلغها حتى في عصر السادات (مع أن حفنة من الناصريّين واليساريّين، خصوصاً مراسل «السفير» في القاهرة - وعدونا أن السيسي ما هو إلا جمال عبد الناصر آخر. وليس صدفة أن تدمير الأنفاق في غزة وتضييق الخناق على القطاع سبق العدوان الإسرائيلي. السيسي كان شريكاً مثله مثل أنظمة الخليج والنظام الأردني. والعنصريّة ضد الشعب الفلسطيني وسمت إعلام السيسي منذ ما قبل تنصيبه على عرش الرئاسة. وتُسجل أصوات شجاعة في الإعلام المصري مثل فهمي الهويدي وعمرو حمزاوي اللذين كانا من الأصوات النادرة المناصرة لشعب فلسطين. والإعلام الصهيوني بثّ مسروراً مقاطع من حلقات في الشاشات المصريّة رأى فيها دعماً لعدوانه، كما أن الناطق باسم جيش العدوّ درج على تسويق مقالات كتّاب أمراء آل سعود. ووكالة الأنباء السعوديّة الرسميّة وصفت العدوان على غزة إثر لقاء بين الملك السعودي وأمير قطر بـ«تطوّرات الأوضاع في الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة».
العدوّ في مأزق تاريخي. لم تعد اجتياحاته وتوغّلاته سياحات في بلادنا. لم يعد يقتحم ويخرج من دون خسائر تُذكر. بات للمقاومة العربيّة التي كانت مقاومة لبنان رائدتها مقاتلون يصيبون جنود العدوّ بالذعر. وقد اعترف العدوّ ان مقاتلي «حماس» باتوا مثل مقاتلي «حزب الله». الأداء القتالي للمقاومات يتقدّم باضطراد فيما يتراجع أداء قوّات العدوّ. المعلّق الأميركي ريتشارد كوهن (ليبرالي صهيوني متعصّب) يعبّر في «واشنطن بوست» عن القلق من حالة الذعر التي تصيب سكّان العدوّ. أو تعلمون أن نصف مليون إسرائيلي يعيشون في أميركا، هذا من دون تعداد الإسرائيليّين الذين يعيشون في دول أخرى؟ قد يؤدّي الضغط المتزايد على دولة الاحتلال إلى حالة من النزوح المتزايد وتتحرّر عندها فلسطين من تلقاء نفسها. قد ننجح في تهجير المستوطنين بالتدريج عن أرض فلسطين.
سلاح الإعلام كان في الماضي من مناقشات الجامعة العربيّة. اليوم الإعلام العربي الرسمي خير مُعين لإعلام ودعاية العدوّ. ان معظم الأنظمة العربيّة، خصوصاً الخليجيّة والأردنيّة، تساهم في المجهود الحربي الإسرائيلي. بات جهد الإعلام الإماراتي نفي أن تكون الدولة تموّل عدوان إسرائيل في غزة. ما عاد هناك اصطناع للبحث في «ضرورة العمل العربي المشترك». لكن العدوّ يشعر بتنامي حالة التعاطف العالمي الشعبي مع شعب فلسطين. إلا أن أميركا تتولّى إزالة العامل العالمي عبر: 1) السيطرة على مقدّرات الأمم المتحدة. 2) الإصرار على مماشاة الحكومات في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للسياسة الأميركيّة الليكوديّة. 3) الضغط على حكومات العالم من أجل تخفيف وطأة النقمة ضد العدوّ. 4) إحكام القبضة على الشعب الفلسطيني من قبل الثلاثي، أميركا ــ إسرائيل ــ سلطة أوسلو، في رام الله في الضفة كما شرحت الزميلة علا التميمي في مقالتها هنا في «الأخبار» «كيف جرى تخدير الضفّة». 5) الإصرار على المحافظة على تفوّق عسكري إسرائيلي نوعي. لكن العامل الأخير ما عاد ينفع لردع المقاومة. كان هذا العامل منذ حرب 1973 أساسي في ردع الدول العربيّة وفي منعها من الحصول على سلاح نوعي مواز. إن المقاومات العربيّة في فلسطين ولبنان لا تحتاج لتجهيز كلاسيكي وهي استوعبت العبرة التي فشل ياسر عرفات في استيعاب ها وهي كيفيّة إدارة المعركة مع العدوّ (حتى «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين» انشغلت في إنشاء كليّة ضبّاط في لبنان قبل 1982: التجييش أصاب البنية العسكريّة لكل المنظمات الفلسطينيّة آنذاك). لا يتحدّث أحد عن جنرلات في حزب الله أو في حماس. لا حاجة لجنرالات. تكفينا مشاهدة الجنرال الأردني الحاكم وصدره المزيّن بالنياشين والميداليّات العسكريّة التي جناها في ساحات الوغى مع العدوّ.
الإعلام سلاح حربي بيد العدوّ وهو يجب أن يكون سلاحاً بيدنا أيضاً. لم يعد العرب ينتظرون أفعالاً من أجل فلسطين من حكوماتهم، لا في الإعلام ولا طبعاً على جبهات القتال. الأمر بيد من يقوم بالمبادرة مثل الشباب الأردني الذي قام بحملة «إكشف صهيوني» وبثلاثين لغة لمواجة دعاية العدوّ. يستطيع الشباب العربي ان يقابل التطوّع الشبابي الصهيوني على الإنترنت لدحض دعاية العدوان، مع اننا يجب نرتقي في العمل الإعلامي المقاوم من رد الفعل إلى المبادرة. العدوّ يقوم بالعدوان، الكلّ مطالب بالردّ. ثم، أليس السكوت من علامات الرضى؟
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com )