أكثرُ ما يُكتَب تحذفه عاجلاً أو آجلاً ذاكرةُ الكتابة، وتتنكّر لحضورِه المكتباتُ الرصينة، ويطارده القرّاءُ المحترفون ويفضح النقّاد زيفه. أقرأ كتاباتٍ في الفلسفة والكلام القديم والجديد تتحدّث عن كلّ شيء وتحاول أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول شيئاً، يكتبها أناسٌ يفتقرون إلى أدنى تكوينٍ تراثي أو أكاديمي أو لغوي، يكدّسون كلماتٍ صاخبةً مقعّرة لا تبوح بدلالاتٍ مفهومة، يورّطون أنفسَهم بحرفةٍ صعبة لا يمتلكون موهبتَها، تغويهم سهولةُ النشر اليوم فيُغرِقون المكتباتِ بأكداسٍ من الورق، تسرقُ أعمارَ القرّاء غير الخبراء، وتعبثُ بذائقتهم، وتهتكُ تقاليدَ الكتابة الجادّة.

كتاب «فلسفة التدين» لحبيب فياض** من النوع الذي يمكث طويلاً في ذاكرة المكتبة، وأظنّ أن حضورَه سيتجدّد لدى الخبراء مهما تقادم زمانُه. في هذا الكتابِ، استطاع الدكتور حبيب فيّاض أن يكتب الكثيرَ من سيرته المعرفيّة والأخلاقيّة وتجربتِه الروحيّة. أعرف حبيب منذ ثلاثةِ عقود، وكلّما اختبرت الأيامُ صداقتَنا تجلّى حبيب كأعذب ما يتجلّى فيه إنسانٌ شجاع عاطفي صادق، والعاطفةُ المتدفّقة غير المشروطة هي ما يغويني في كلِّ صداقاتي. حبيب متصالح مع نفسِه، يقول قناعاتِه الفكريّة بجرأة، وإنْ كانت لا تشدو ما يقوله أكثرُ الناس. ‏أعرف التكوينَ الرصين لحبيب فيّاض، وتلمذتَه على فلاسفةِ دينٍ ومتكلّمين كبار نهلوا من منجمِ التراث الفلسفي والعرفاني ومعطياتِ الفلسفة والعلومِ الإنسانيّة الحديثة، وأعرف جيّدًا الذكاءَ الفائق الذي يلتمع في ذهنِه، ومثابرتَه وجَلَدَه في مراحلِ التكوين الجامعي، وأعرف مواقفَه وشهامتَه وغيرتَه على الإنسان. هذا الكتابُ مرآةٌ مضيئة ارتسمتْ فيها صورةُ حبيب الباحثِ الدقيق، وصورةُ مشروعِ المفكّر الذي يحاول أن يبتكر منهجَه ويحدّد خارطةَ تفكيره المرسومةَ بعناية واحتراف، خارطة لا تشبه إلا ذاتَه، وكأنّها لوحةُ فنّانٍ مزج فيها ألواناً متناغمة لتكون مرآةً مضيئة لفرادتِه. يحاول حبيب أن يعيد بناءَ أسسِ التفكير الديني في الإسلام في سياقٍ مختلِف، لا يقف كثيراً عند الدينِ بمفهومِه النظري، لا يذهب إلى الأفكارِ المجرّدة والتأمّلاتِ العقليّة وقراءاتِ النصوص الدينيّة، يذهب مباشرةً إلى الواقع يسائل تجليّاتِ الدين وحضورَه العملي، يدلّ القارئَ على التديّن الذي هو صوتُ الله في ضميرِ الإنسان، وصورةُ الدين في حياةِ الإنسان ومواقفِه وسلوكِه الفردي والمجتمعي.
عشتُ أيّاماً عديدة مع مخطوطةِ هذا الكتاب، كانت رحلتي معه شيّقةً شاقّة. شيّقة بوصفها معايشةَ كاتبٍ أعرفه من قرب، وأعرف تكوينَه العميق في الفلسفةِ ومدرسةِ الحكمة المتعالية خاصّة، وفي الإلهيّاتِ بشكل عام، واطّلاعَه الواسع على الفلسفةِ وعلومِ الإنسان والمجتمع وعلومِ اللسانيّات ومناهجِ التفسير الحديثة. وشاقّة بوصفها كتابةً ابتكرت طريقتَها الخاصّة في بناءِ المفاهيم والتعبيرِ عنها وإنتاجِ رؤيتها الاجتهاديّة، وكلُّ كتابةٍ من هذا النوع لا يمكن أن تستوعبها إلا بقراءةٍ متأنيّةٍ متريّثة. ربّما لا تتّفق مع حبيب في كل رؤاه وطريقتِه في تركيب الأفكار وما يسوقه من حجج وأسلوبِ تعبيره عنها، غير أنّه يفرض عليك، كقارئٍ، أن تنصت بهدوءٍ إلى المتن الذي ينسجه بإحكامٍ وتأمّلِ دقيق وتفكيرٍ صبور. كما يعرف تلامذةُ حلقات العلم التراثيّة أنّ قراءةَ المتون العرفانيّة بقدر ما هي شيّقةٌ هي شاقّةٌ أيضاً، لا يستسيغها إلّا قارئٌ قراءتُه عابرةٌ لأبعد من حدودِ الكلمات وآفاقِها الضيّقة، قارئ تخترق استبصاراتُه ما وراء الكلمات. كلّما توغّلتُ أكثر، شعرتُ بحاجةٍ إلى قراءةِ هذا الكتاب أكثر من مرّة. هذا كتابٌ نتعلّم منه كيف نفكّر تفكيراً عقليّاً في الدين، وهذا النوعُ من الكتب قليلٌ جدّاً اليوم. هذا كتابٌ يعلّمنا كيف نتفلسف في الدين والتديّن لا على نموذجٍ متداوَل سابقاً، ولا على رؤيةٍ مقرّرة سلفاً. لم أجد عقلي ينصاع لكلِّ رؤى المؤلِّفِ ومنهجِه، غير أنّ قوةَ الكتاب فرضتْ عليّ كقارئٍ متخصّص أن أعود لمساءلةِ مناهجِ الكتابات الأخرى في هذا الموضوع، وحججِها وقناعاتِها المفارِقة في كثيرٍ منها لما جاء في الكتاب، واختبارِها في تقويضِ قناعاتِ المؤلّف. ما دامت الأسئلةُ الميتافيزيّقة الكبرى تختبر إجاباتِها وتجّددها على الدوام، فهذا كتابٌ يضعنا أمامَ إعادة النظر في إجابات تعلّمناها أو ابتكرناها؛ إنّه كتابٌ يجعلنا نكرّر طرْحَ هذه الأسئلة، ويدعونا أن نفكّر مجدّداً في أجوبتِنا. كلٌّ منا أنا وحبيب يفكِّرُ في الدين ويقرأ نصوصه على شاكلته، إلا أني وجدتُ نفسي وأنا أقرأ هذا الكتابَ بتأمّلٍ أتعرّف على حبيب مجدّداً، حبيب الذي ينشد اللحن الروحي والأخلاقي في الدين الذي أنشده، لكن بمنهجَين غير متطابقين، وبرؤىً متوازيةٍ لا تتكرّر معالجاتُها، وإن كنّا معاً نعمل على تكريسِ الروح وإيقاظِ الضمير الأخلاقي وتنميةِ الحسِّ الجمالي في التديّن.
بدءاً بعنوانِ الكتاب: «فلسفة التديّن» يثير في عقلِك المؤلِّفُ سؤالاً تحير في جوابه، أنت تعرف أنّ مصطلحَ «فلسفة الدين» هو المتداوَل حتى اليوم في الفلسفةِ الحديثة، منذ العملِ الرائد «محاضرات في فلسفة الدين» للفيلسوف هيغل (1770 - 1831)، أمّا «التديّن» فهو يحيل إلى العلومِ الإنسانيّة الحديثة، بما أنّه تعبيرٌ عن تمثّلاتِ الدين وانعكاسِه في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما يرتسم من صورةِ الدين في حياة الإنسان ووعيه وضميره، وهذا شأنٌ يتّصل عضويّاً بالواقع، ومداخلُ دراسة التديّن بوصفه واقعةً فرديّة ومجتمعيّة هو علومُ النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والميثيولوجيا، وعلومُ اللسانيّات والسيميائيّات والهرمنيوطيقا الحديثة. حاول حبيب نقلَ التفكير الفلسفي إلى الواقعِ الذي يحقّقه الدين، وسعى إلى أن يشرحَ موقفَه بتمييزٍ دقيق بين: المباحثِ الداخلدينيّة، والخارجدينيّة، ومضى نحو تحديدِ مصطلحاتِه وأدواتِه المنهجيّة بدقّةٍ وصرامةٍ في الفصلِ الأول من الكتاب، وجهد في التدليلِ على ما أثاره من أفكار، لدرايتِه بالأسئلةِ المتنوّعة المتوالدة من هذا الضربِ من الكتابةِ المفارِقة للمألوف.
يجادل حبيب فيّاض في فلسفةِ الدين، ويضع عقولَنا أمامَ أسئلةٍ مختلفة حول «فلسفةِ التديّن»، وهو المصطلحُ الذي يصرّ على تضمينِه عنوانَ كتابه، ويحاول أن يخوض فيه من مداخلَ متنوّعة، لا يستوعبها إلّا قارئٌ صبور ذو تكوينٍ فلسفي وديني مزدوج. مقارباتُ التديّن المتنوّعة تتّسع لتوظيفِ علم النفس وعلمِ الإنسان والاجتماع واللسانيّات، غير أنّ حبيب فيّاض عمل على زحزحةِ التديّن وإدراجِه في حقل الفلسفة، وهي محاولةٌ دلّل عليها منذ بدايةِ الكتاب حتّى نهايتِه، محاولةٌ تفرضُ عليك أن تنظرَ فيها بتريّث، سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع.
لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفيّة بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا في ما تكرّره من إجاباتٍ جاهزة. قيمةُ هذه الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلّب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمّل والتفكير غير المتعجِّل. لم أجد عقلي في بعضِ إجابات المؤلِّف وآرائه، بل وجدتُ لديه ما يحرّضني على التفكيرِ ويستحثّ عقلي على توليدِ أسئلةٍ موازية للأسئلةِ التي شغلتني أكثر من أربعةِ عقود، وحاولتُ أن أكتب إجاباتي عنها في مؤلفاتٍ متعدّدة.
لا أريد أن ألخصّ مادةَ الكتاب الثرية الواسعة، فهذا يتطلّب كتابةً موسعة. الكتابُ لا يترك عقلَ القارئ الذي يقرأه بهدوءٍ يهدأ، إنّه كتابٌ لا يرضى عنه السلفيّون، مثلما لا يرضى عنه بعضُ دعاة الإحياء والإصلاح والتجديد، إنّه كتابٌ يشدو لحنَه الخاصّ، ويبتكر رؤاه، ويعمل على تعزيزِ حججه. قليلٌ من الكتب ذلك الذي يضيف إلى الذهن مادّةً جديدة للتفكير، وأقلُّ منها ما يثير لديه الأسئلة، لم يضِف لي هذا الكتابُ معلوماتٍ جديدة في الدين، على الرغم من وفرتِها فيه، بقدر ما حرّض ذهني على إعادةِ طرح أسئلةٍ وتعميقها كنت بحاجةٍ شديدةٍ لمواصلة التفكير فيها، أنا إنسانٌ يتغذّى تفكيري ويتجدّد بالأسئلة، ولا يكفّ ذهني عن العودةِ إلى الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى كلّما تقدّم بي العمر. لا يستقرّ الذهن لمدةٍ إلا بتقديمِ إجاباتِه لها، ثمّ سرعان ما يعود إليها كلّما قرأ كتاباً من هذا النوع، أو واجهه موقفٌ لافت، أو رأى شيئاً مثيراً، أو أنصت بعمقٍ إلى غابة أسئلة الوجود.
شكراً دكتور حبيب فيّاض على هذا الكتابِ الذي استحثّ ذهني على التفكيرِ معه وضدّه. ما ينقل الذهنَ إلى التفكير خارجَ الأسوار المغلقة على الدوام هو الكتابُ الذي يدعوك إلى التفكير ضدّه. أتطلع أن يأخذ هذا الكتابُ الثمين مكانتَه المناسبة في الدراسات الجامعيّة بتخصّصات الفلسفة وعلوم الدين، وأن يحضر في الدراساتِ الدينيّة في الحوزة ومعاهدِ التعليم الديني التقليديّة، وأظنّها الأشدَّ حاجةً لهذا الكتابِ وأمثالِه، والأشدَّ حاجةً إلى تلك الكتب القليلة جدّاً المنشغلة بإيقاظِ الذهن وبناءِ الحياة الروحيّة والأخلاقيّة.

* مدير «مركز دراسات فلسفة الدين» في بغداد.
** كتاب يصدر قريباً بشكل مشترك عن «دار الفارابي» في لبنان، و«مركز دراسات فلسفة الدين» في بغداد.