الحديث عن المعارضة اللبنانية يطول. حَملت، هذه الكلمة، في التداول الشائع في السنوات الأخيرة، العديد من المعاني. ذلك أنه بمقدار ما كانت الأزمة الطاحنة التي اندلعت ضاريةً ومتسارعة، منذ أواخر عام 2019، كانت تتواصل وتتصاعد، بقسوة وتوحّش، مدمّرةً حياة حوالي 90% من الأُسر اللبنانية. في السابق، كانت تضاف أسماء وألقاب حركات جديدة تُصنِّف نفسها أو تُصنَّف في نطاق «المعارضة». هكذا، أصبحت المعارضة التي ينبغي أن تكون واحدة أو موحّدة في مواجهة الأزمة ومسبّبيها، معارضات متعدّدة ومتباينة ومشتّتة في أغلب المواقف والمنعطفات، فضلاً عن الأهداف والأساليب، وأساس المنطلقات والمرجعيات ما بين الداخل والخارج. إلى ذلك، فقد أدّى انخراط واشنطن وحلفائها الغربيين والعرب في الأزمة اللبنانية: تغذيةً واستغلالاً، إلى مزيد من الاضطراب في المشهد والعلاقات والممارسات والأهداف... ولقد جرت محاولة ترصيد كل ذلك، بعد تعاظم الأزمة، وبمواكبة حملة إعلامية ضارية، في الانتخابات النيابية التي جرت في منتصف أيار من العام الماضي، بعدما فشلت محاولات إسقاط القوى المستهدَفة، من بين أطراف السلطة، في الشارع ومعها تعطيل أو إسقاط المؤسّسات الرسمية السياسية والإدارية الأساسية، سعياً إلى خلْق وقائع جديدة تخدم محصلّاتها على مستوى السلطة، بالدرجة الأولى، أهداف واشنطن وحليفها الأول العدو الصهيوني، بالإضافة إلى أهداف أتباعها المحليّين والخليجيين.

قلْنا المعارضة معارضات. لا يعنينا منها، ههنا، تلك الأطراف التي هي شريك مزمن في النظام، وحتى في المنظومة، إلى الأمس القريب. تلك الأطراف، عموماً، أحزاباً وشخصيات ومواقع ومنظّمات مدنية وسياسية وإعلامية وسواها، التحقت بالخطّة الأميركية، وتبنّت أولوياتها وتوجهاتها في لبنان والمنطقة.
المعارضة، مادة حديثنا اليوم، هي تلك المجسّدة، موضوعيّاً، في الفئات الشعبية الواسعة التي عصفت بها الأزمة دون رحمة، ودفعت بها، عفويّاً، إلى الشارع للتعبير عن الاعتراض والاحتجاج والسخْط ومحاولة التصدّي للمسؤول عن الكارثة وعن تماديها إلى المستوى المخيف والمدمِّر والوقح والمستخفّ، على النحو الذي ما زلنا نعاين ونعاني فصوله المتواصلة كل يوم. وعلى رغم كل ما حصل، لم تمتلك الفئات تلك، منذ اندلاع الأزمة قبل أكثر من ثلاث سنوات، أدوات تمثيليّة منظّمة وفاعلة للدفاع عن نفسها في وجه جموح النهب والعبث والاستباحة. يستوي في ذلك، إلى حدٍّ كبير، أولئك الذين ينتسبون إلى نقابات أو روابط أو جمعيات... أو لا ينتسبون! الهيئات التمثيليّة في الحقول كافّة، العمّالية والمهنية والتربوية وغيرها، تحوّلت إلى هياكل خاوية تديرها أو تهيمن عليها، بشكل مباشر أو غير مباشر، قوى السلطة نفسها ضمن خريطة انقسامات وتبعيّة وتداول تكرّر نهج وأساليب منظومة المحاصصة السلطوية نفسها: لجهة استخدام العصبيات الطائفية والمذهبية وسيلة للإمساك بالقرار ولتوزيع النفوذ وتقاسم المناسب والمغانم. غياب الهيئات التمثيليّة، أدّى إلى شيء من التلقائية العفوية، أو المنظّمة جزئياً، عبر منظمات أُعدّت أو أُعدَّ أعضاؤها مسبقاً من قِبَل جهات خارجية. في هذا السياق، تولّى أفراد من الطبقة الوسطى العليا (موظّفون متقاعدون ذوو رتب عليا غالباً، في الإدارة والجيش والجامعات والقضاء...) الواجهة والمواجهة: تحريضاً وتنظيماً وتحديداً للمواقف والمطالب والشعارات. وبرز في مجرى ذلك، أيضاً، مناضلون مخلصون دون خطة شاملة. برز كذلك «هواة صنف» وصيّادو فرص: بعضهم بدوافع سياسية أو إعلامية، وآخر بدوافع مالية ارتزاقيّة.
التجاوب الشعبي الكبير وشبه الشامل في الشارع، وردّ فعل السلطة التي بدت، في المراحل الأولى، متفاجئة ومضطربة وعاجزة عن استعادة المبادرة الاقتصادية والسياسية، أغرى أطرافاً تقليدية مناوئة للسلطة بركوب الموجة. وهو كذلك، حفَّز قوى خارجية، بقيادة واشنطن، على استغلال النقمة وتوجيهها وتوظيفها في خدمة أجندتها الخاصّة على المستويَين المحلّي والإقليمي.
لم تتمكّن «المعارضة الشعبية» من أن تفرز قيادة وخطّة وأولويات، وبالتالي أن تفرز بديلاً للسلطة ولنظامها. كان ذلك يتطلّب إدراك أن في النظام، قبل السلطة، يكمن أساس الخلل والفشل، وبالتالي، العجز والنهب والفساد وعدم المحاسبة والطائفية والتبعية. فاقم من ذلك عدّة أمور: أولها، كما أشرنا، العفوية المشوبة بالشخصانية والتفرّد. ثانيها، الاستغلال الداخلي والخارجي، كما ورد آنفاً. أمّا ثالثها، فهو عجز قوى التغيير التقليدية عن أن تؤدي الدور المبادر في مسائل التوجيه والتوحيد البرنامجي (أولويات)، وفي خطط التحرّك المستدام المنظّم والهادف في مواجهة كارثة الانهيار والإفقار، ومناورات وأضاليل سلطة متمرّسة ومجرّبة في الخداع واستنفار العصبيات وتسخير كل موارد الدولة وكل أجهزتها ومؤسساتها خدمةً لمصالحها ولاستمرارية نظامها ومنظومتها. تصرّفت قوى التغيير الوطنية بما هو دون المستوى المطلوب من الانخراط والمبادَرة (خصوصاً)، ما حال دون تشكيل تيار موحّد وذي صدقية، وخصوصاً أن أكثرية تلك القوى ذات تاريخ عريق وخبرة متراكمة في حقول الاحتجاج والتنظيم وصياغة البرنامج وتحديد الأهداف والأولويات. بدت هذه القوى مراقِبة لا مبادِرة، ومشتّتة لا موحّدة، وملتحِقة (ولو جزئيّاً) لا مستقلّة وصانعة فرصة في مجرى الصراع المصيري. كان من المفترض أن تحاول تلك القوى التغييرية الوطنية أن تحضر بقوّة في قلْب التحرّك الشعبي لرعايته وتوجيهه وتوحيده على أولويات تتّصل بجوهر المشكلة: أي في الجمع ما بين كشف الخلل في النظام السياسي وإدانة الارتكابات الإجرامية واللصوصية التي أَقدمت عليها قوى السلطة السياسية والمالية وغيرها.
إن إحجام تلك القوى عن القيام بدورها المطلوب والطبيعي، وخصوصاً، أيضاً، لجهة فضْح ورفْض التدخلات الخارجية المستغِلّة للانتفاضة والمشوِّهة لأهدافها، فوَّت فرصة تاريخية مزدوجة: على هذه القوى نفسها، للخروج من أزمتها المتمادية، وعلى اللبنانيين لمحاولة الخروج من الكارثة والانهيار والفواجع المتفاقمة دون حدود .
الأزمة الطاحنة مستمرّة؛ وهي متفاقمة على نحوٍ متواصل ومرعب. المسؤولون عنها يواصلون الاحتفاظ بسلطتهم ونظامهم، ويواصلون أيضاً استنزاف ما تبقّى من عافية وموارد الوطن والمواطن: بالنهب واللصوصية والعبث دون حسيب أو رقيب بعدما جدّدوا «شرعيتهم» في الانتخابات العامة في الربيع الماضي.
كذلك، فإنه باستمرار الأزمة، يستمرّ السعي الخارجي إلى إدامتها وتغذيتها واستغلالها بأقذر الوسائل ولأقذر الأهداف. وسيكون الهدف الوطني الكبير الذي من أجْله ينبغي توحيد المعارضة الشعبية والوطنية، محاسبة المسؤولين عن الانهيار والنهب واللصوصية ومعاقبتهم، وإبعاد الاستغلال الخارجي المشوِّه للحقائق وللمسؤوليات، والموجَّه لخدمة مشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة وتصفية إنجاز الشعب اللبناني الكبير المتمثّل في المقاومة ضدّ العدو الصهيوني.

* كاتب وسياسي لبناني