يكثر الحديث عن «تجزئة المجزأ»، وعن إعادة النظر بخرائط سايكس بيكو لعام 1916. الأمر ليس مجرد تكهنات أو مخاوف. ثمة مسار يتواصل ويتبلور أو، حتى، يتكامل على نحو ما، في أكثر من منطقة من عالمنا العربي على وجه الخصوص. وهو مسار تكثر فيه الصراعات، ومن ثم الإنقسامات والتصدعات، بما لا يجعل الوحدة العربية شعاراً بعيد المنال فحسب، بل يجعل إمكانية الحفاظ على وحدة عدد متزايد من البلدان العربية أمراً شبه مستحيل.


لنبدأ من أن المعادلات والتوازنات، وما ينجم عنها من اتفاقيات وخرائط وكيانات، تبقى، مهما طال امدها واتخذت صيغاً تبدو رصينة وحصينة، تبقى معرَضة، في ظروف الصراعات والتحولات المؤثرة والكبرى خصوصاً، للزوال أو التبدل والانقلاب.
لن نذهب بعيداً. مع انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه تركيبته ومنظومته التي كرسها في «يالطا» الحلفاء المنتصرون على النازية والفاشية وحلفائهما في الحرب العالمية الثانية، انهارت بُنى وصيغ واحلاف ومنظومات وتوازنات ذات ابعاد وآثار كونية. انهارت ايضاً، وسريعاً، دول، توحدت قديماً أو حديثاً، ومنها تشيكوسلوفاكيا (إلى دولتين ) ويوغوسلافيا (إلى اكثر من ذلك). مؤخراً فقدت اوكرانيا وحدتها ايضاً في مخاض ما يزال قائماً ومريراً حتى الآن.
في منطقتنا، حصل التحول الدراماتيكي الأول في فلسطين عام 1948. وهو تحول مفتوح لا يزال «يعس» بالعدوان والدعم الدولي من أجل استكمال عملية الاغتصاب جغرافياً، ومن اجل توسيع استهدافاته ونتائجه على كامل «الشرق الاوسط الكبير»، سياسياً وإقتصادياً وامنياً... لم يمنع الاستقلال السياسي الذي نالته كل دول منطقتنا بعد الحرب العالمية الثانية وما انتهت اليه من توازنات واتفاقيات، تهديد سيادة ووحدة اراضي الدول المستقلة حديثاً. بسط الوصاية والهيمنة الاستعمارية، من جهة، وقيام سلطات تابعة ومعادية لمصالح اكثرية شعوب هذه الدول، من جهة ثانية، جعل استقلال وسيادة ووحدة الدول العربية «المستقلة» موضع تهديد واهتزاز فمراجعة... حسب شروط ومصالح الاقوى بشكل عام.


في منطقتنا حصل
التحول الدراماتيكي الأول
في فلسطين عام 1948
لا يحتاج الامر إلى «تبصير» ودراماتيكيات. يحتاج إلى تتبع حركة الصراع وتحولاتها وتوازناتها، والى متابعة ما تعده المؤسسات البحثية السياسية المعنية خصوصاً في الدول ذات سوق المعلومات المفتوح والتي تملك من فائض القوة والثقة ما يجعل مراكز البحث فيها تعد إقتراحات الخطط والتوجهات والسيناريوهات بشكل واضح وصريح ومعلن. ينطبق هذا الكلام، أكثر ما ينطبق، على سوق المعلومات الكبرى، وهي الاميركية تحديداً. هناك يتكرر الحديث في وثائق تنشر علناً في الصحافة («نيويورك تايمز» مثلاً أواخر العام الماضي) عن مخطط تقسيم سيطاول معظم الدول العربية.
قلت لا يحتاج الامر الى ادعاء العلم بالغيب على طريقة ما هو رائج الان (وبشكل معيب ومسيء لما بلغه الوعي والعقل البشريين)، بل يحتاج الى متابعة ينبغي ان تنتظمها خيارات وطنية وقومية شاملة.
أمام أعيننا يتوالى مشهد الانهيار والتقسيم (في نطاق الصراع الدولي على التقاسم دائماً). دشّن ذلك، خصوصاً، الغزو الاميركي للعراق وقبلها افغانستان. اعتُمدت في بلاد الرافدين المحتلة «عملية سياسية» ملغومة قامت على المحاصصة والتقاسم المفضي، في ظروف ملائمة، نحو التقسيم عندما تتعقد أو تتعذر لعبة التقاسم. خريطة العراق المعروفة مهدّدة الآن أكثر من أي وقت مضى.
في مجرى ذلك أيضاً دخل السودان رسمياً في الانقسام الى دولتين، لا يتوفر فيهما، بدورهما، أي عامل داخلي من عوامل التسوية والاستقرار والازدهار.
يغالب اليمن الآن، محاولات حثيثية وخطيرة لإعادة تقسيمه الى دولتين في الجنوب وفي الشمال (على الأقل). لا تملك ليبيا، هي الأخرى، من عناصر التوحد ما هو ضروري وحاسم. هي الان تواجه خطر التشظي القبلي والجهوي عبر فوضى قد لا يكون لها شبيه في أي بلد آخر... وفي سوريا يستطيع كلام الرئيس بشار الاسد في بداية ولايته الثالثة ان يعبر عن واقع السلطة اكثر مما يعبر عن واقع البلاد التي تسودها، منذ اكثر من ثلاث سنوات، حالة مخيفة من القتال والصراعات والتفكك والتطرف الذي عبّر عن نفسه من خلال إعلان «الخلافة الاسلامية» في «كوريدور» جغرافي ومذهبي وسياسي يمتد من الحدود السورية التركية إلى الحدود العراقية
الإيرانية...
وحدة معظم الدول العربية الأخرى ليست بألف خير. بعض الانقسامات العرقية مرشّحة لمرحلة نوعية من الانعطافات. القضية الكردية تدق بقوة مسألة تقرير المصير. العصبيات المذهبية تهدد وحدة واستقرار عدد من البلدان مهددة بنزاعات ذات طابع قطري محدود أو إقليمي شامل. بلدان الخليج التي نعمت بمرحلة مديدة من الهدوء معرَضة الآن لإضطرابات وتحولات.
طبعاً ثمة لاعب أساسي ودائم، هو دول «المتروبول» الاستعماري، التي ما زالت تواصل مشاريعها ومساعيها من اجل الهيمنة على ثروات المنطقة الاسطورية في مجالي النفط والغاز. معظم هذه الدول يواصل التوظيف في دور الكيان الصهيوني كموقع أمامي في تهديد استقرار المنطقة وفي ضرب تطلعات شعوبها نحو التحرر والتقدم. هو يواصل أيضاً تغذية التناقضات العرقية والدينية والمذهبية من اجل تشتيت جهود شعوب هذه الدول وصرفها عن التوحد ضد الهيمنة الخارجية وما يرافقها من نهب وسيطرة ومطامع.
في مقابل كل تلك المخاطر والتهديدات، تغيب المشاريع الكبرى التي من شأنها توفير شروط ومستلزمات الدفاع عن مصالح شعوب المنطقة وحماية مصائرها وثرواتها.
لا يمكن أن يمر ذلك دون ثمن نشاهد حلقاته تتواصل اليوم على شكل مأساوي متصاعد في غير ما بلد وساحة من عالمنا العربي خصوصاً.
لقد نجحت قوى الهيمنة الخارجية وقوى الاستئثار والاستبداد والتبعية الداخلية في تعقيد المشهد العربي إلى أبعد الحدود. هي نجحت خصوصاً في دفع الصراعات الداخلية إلى المقدمة: الصراع حول الهويات والانتماءات والعصبيات، لا حول المصالح الكبرى والخيارات الاساسية في حقول السياسة والاقتصاد والتقدم والمشاركة.
يحتاج هذا الأمر إلى وقفة عميقة مع الذات والتجارب والى اعادة تقويم ومراجعة لكشف اسباب الخلل ولصياغة استنتاجات ومشاريع ملائمة.
لن تنهض بذلك سوى كتل سياسية ــ شعبية، وطنية وقومية، ذات برنامج نهوض شامل وثلاثي الابعاد: تحرري في مواجهة الهيمنة والنهب الاستعماريين. تنموي يستند إلى خطط ملموسة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي. سياسي يضع في المقام المناسب مسألة المساواة وتأمين الحقوق الاساسية للمواطن وتوفير متصاعد لشروط ممارسة الحريات والديموقراطية.
* كاتب وسياسي لبناني