وأنت تنظر إلى صورة غزة في العدوان الصهيوني المتواصل، المتوعد بحرب برية، وأنت تراجع قوائم أعداد الشهداء والجرحى الذين يتوالون على سلالم المئات المتلاحقة، وأنت ترهف السمع للانفجارات وأنات البيوت الفلسطينية المحروقة وتلقي النظر إلى المحيط العربي، تفكر في المقارنات بين زمنين قصيرين. ففي بضع سنوات اتسعت مفارقات الوقائع العربية حيال فلسطين كما لم يحدث من قبل.


على شريط الحدث الآن أن فلسطين تواجه عدواناً صهيونياً لعله الأشد دموية وخطراً من كل الحروب الصهيونية السابقة على القطاع، لكن يبدو أن كل شيء هادئ في الضفة العربية الأخرى. كل شيء هادئ كما لم يكن من قبل، ما من صدى واضح لا في الشارع العربي ولا في المؤسسة الرسمية العربية وأجهزتها السياسية والإعلامية، وكأن لسان الحال العربي يشير إلى ما بات حقيقة ماثلة الآن وهي أن أمراً كارثياً في الواقع العربي قد تغير بفعل السنوات القليلة الماضية. بالقياس إلى أحداث مماثلة وربما اقل وقعاً وأبعاداً، كان العالم العربي يهتز، يتأثر، يغضب بصورة ما وإن داخل القيود. وكان أعوان أميركا، أو أصدقاؤها إن شئت - يحرصون على التخفي وراء أقنعة الحد الأدنى.. الحد الأدنى من إخفاء العلاقة بالكيان الصهيوني، الحد الأدنى من مظاهر الألم، الحد الأدنى من التضامن، الحد الأدنى من إجراءات حفظ ماء الوجه، الحد الأدنى من مستوى الأصوات . والآن لا شيء... لا ضرورات للتخفي ولا أوراق توت، وما من أحد يبالي بعد بانكشاف العورات أو احتمال التعرض لأصابع الاتهام.
والأمر الفادح أن هذا التردي يتعلق بفلسطين وحدها وعلى وجه التحديد... بجاذبيتها النضالية وموقعها كقضية في الواقع العربي، وهو ليس انكفاءً وإنما محاولة انقلاب صريح على كل ما كان يحاول الصمود من مفاهيم تقيم علاقة وثيقة بين حرية فلسطين والصراع وبين مستقبل العرب ونهضتهم. وفي المحصلة لم تعد فلسطين كما يبدو، قادرة على البقاء فوق منصة المقارنة أو منافسة أولويات عربية أخرى كرستها سياسات وأفكار وعقائد جرى استخدامها من أجل هذه الغاية منذ إرهاصات ما عرف بظاهرة الربيع العربي.


ستحتاج فلسطين إلى
دماء تدفعها ثمناً باهظاً كي تستعيد البوصلة والعرب

في الصورة الأصغر، لم يكن يحتاج للمقارنة أن تشاهد منذ صباح أول أيام العدوان، محطات التلفزة العربية بلا مراسلين في غزة، فالنيران هناك ليست هي الخبر المتوخى، وعلى الصورة لأجل ذلك أن تبقى زاهية مبتسمة، اللهم إلا تلك الدموع الضرورية لكارثة البرازيل الكروية أو غياب إحدى شخصيات «باب الحارة»، أما فلسطين فلا كارثة لها، ولا بواكي لحرائق أطفالها، ولا شيء يعني الإعلام العربي الذي فضّل في غرف الأخبار أن يركب غواصة جول فيرن «نتيلوس» الأسطورية الساحرة متنزهاً وسط عوالم حياة بحار المتعة والمأكولات والمسلسلات والبرامج الترفيه والمسابقات الرمضانية.
لا حدث في فلسطين، لا وجود لأرض محروقة تنفع لخبر صحافي بكامل التغطية والبث المباشر، لا ثوار يوضعون في «برواز» المتابعات والحوارات والتحليلات، ويمكنهم أن يمنحوا التشويق الكافي للتقرير والخبر والصورة، فالثوار (ممن عليهم الطلب) يوجدون في أماكن أخرى... كل وسائل الإعلام العربية التي لم توفر إشارة واحدة ولا خيط دخان واحد إلا وصورته في سوريا وليبيا والعراق، أشاحت بوجهها عن فلسطين وتجاهلتها، أو أشارت إليها عبوراً أو استضافت إسرائيليين ليتحدثوا عن «الاضطرار» الإسرائيلي للقيام بالمذبحة، أو مررتها كفاصل سريع بين الفقرات بحيث تضيع غزة في المشهدية البصرية وتبدو غرافيك ملائماً وجزءاً غير مشاكس من دراما اليوم الطويل.
لم يكن يحتاج إلى المقارنة أن تشير الحرب الصهيونية على غزة، إلى واحدة من أفدح وقائع المفارقات، حيث يتولى «الثوريون» من الأمراء والملوك والرؤساء العرب إعداد ترسانات السلاح الذي تفتح له الحدود كلها ليتدفق إلى بلدان عربية تتحول بعدها إلى خراب، في حين تغلق أنفاق غزة، ويشارك أولئك لا بمنع السلاح عنها فقط وإنما حتى التبرؤ من سكاكين المطبخ الفلسطينية.
لا عدو في فلسطين ولا عدو لها... وفي عصر تغيير الثقافة السياسية العربية التي تتغير فيها المواصفات الأساسية للعدو ومكانه وطبائعه، يبحث العرب عن العدو في أماكن عربية أخرى. وقد يكون العدو هو عدو العدو.
لا جهاد عربياً وإسلامياً من أجل غزة وفلسطين... الطريق إلى هناك أطول من الطريق إلى حلب، وقد كانت في مرحلة سابقة أطول من الطريق إلى أفغانستان. ليست فلسطين أصلاً أرض جهاد في حساب فقه السياسة وفقه الأولويات الجديد. بل هي خارج أي حساب للأولويات في العالم العربي السعيد إذ باتت تعلو الأصوات المستنكرة والطاردة في وجه فلسطين والفلسطينيين من كل الجهات، وتعمل على نفي اسم فلسطين من مشهد اللحظة والمستقبل.
لا أصدقاء للشعب الفلسطيني، ولا نصيب له من حصص «تشكيل «مجموعات» أصدقاء الشعوب التي تتالى ابتداعها على مدار الأعوام القليلة الماضية في المنطقة... بسرعة البرق كانت تخلق تلك المحافل لأن الحسابات السياسية عاجلة الحاجة. ذلك طبعاً لن يحدث في الحال الفلسطينية، تصور أن تفتح التلفاز لتجد نفسك أمام مؤتمر صحافي يظهر فيه نفطيون عرب مع وزراء خارجية بريطانيا وأميركا وفرنسا وألمانيا وممثل الاتحاد الأوروبي حيث يعربون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ويطالبون الكيان الصهيوني بوقف العدوان ويهددون بأنهم سيدعمون المقاومة في فلسطين! هل تتخيل إمكان حدوث ذلك؟ نعم، ربما في واحد من برامج الكاميرا الخفية حيث الجراح خطوط ماكيير والدماء ماء ملون.
لا حاجة للنفير الدبلوماسي العربي، للاتصالات العربية العاجلة، للتصريحات المفجوعة، لوضع الجامعة العربية في حال الانعقاد الدائم كما كنا نرى في السنوات القليلة الماضية، لا حاجة لاستدعاء السفراء من تل أبيب، ولا لتجميد عضوية إسرائيل في الجامعة العربية. أقصد ربما سيرتاح العرب الرسميون ويتجنب نبيل العربي شجون الإحراج في هذه الحالة ذلك أنه لا وجود ظاهرياً لمقعد إسرائيلي في الجامعة.
كلمة، واحدة يمكنها أن تختصر الصورة: العار!
لكننا سنرى أكثر من ذلك. فهناك من يبحثون وسيبحثون في العدوان الصهيوني ودماء الأطفال المسفوكة عن استثمار سياسي مستقبلي، وهناك من يرون فيه فرصة اقتناص ورقة ثمينة في لعبة القوى.
ومن الجانب المصري سيواصل شبح السياسات السابقة هوايته في إغلاق معبر الهواء الأخير في وجه غزة، ليضعنا بالتالي أمام السؤال الممض عما تغير في مصر حقاً بعد يناير 2011 وأين تقضي الثورة ليلتها هذا المساء بكل وعودها وبشائرها؟!
وفي رام الله هناك كلمة واحدة لكل الأوقات والأزمات هي التفاوض، والرئيس يدعو، منذ اللحظة، إلى مواجهة الطائرات الإسرائيلية بالتشبث بالمفاوضات، ثم يقول في أول مقابلة له بعد بدء العدوان انه ليس مهتماً بمن سيربح أو سيخسر. يعني أن رئيس فلسطين لا مع هذا ولا مع ذاك في هذه الحكاية!
وهناك فوق ذلك، من يعد نفسه للتعاون مع وساطات عربية ستحرص على أن تقدم للفلسطينيين مبادرة لوقف النار، وينتهي الأمر بأن تبتلع غزة جراحها وتدفن شهداءها ثم تمضي من جديد إلى خيمة النسيان والحصار على نحو ما حدث في اتفاق نوفمبر 2012.
مؤامرة شاملة على فلسطين؟ (يا إلهي كم تكررت هذه العبارة!) لكنها لسوء الطالع، وفي الوقت الفلسطيني الأصعب، تبدو حقيقية الآن بلا شكوك، وهي تتأكد منذ الهبوب الأخير للصواعق التي ضربت المنطقة باسم الربيع العربي. لقد قاتل هذا الشعب الفلسطيني، في مراحل متعددة نيابة عن امة كاملة، ربما انطفأت البنادق أحياناً، ربما صادرته سياسات التسوية وغيبت عنفوانه لوقت، ربما تربكه وتؤلمه أخطاء وحسابات وسياسات فلسطينية، لكنه مازال يحاول أن يبقي الحلم متقداً معولاً على سراياه المقاتلة وروحه الحرة وسط هذه المتناقضات العربية والفلسطينية أيضاً.
وستحتاج فلسطين إلى حرائق وحراب ودماء تدفعها ثمناً باهظاً كي تستعيد البوصلة والعرب بعد سنوات بل عقود عجاف.. ولعله من المفارقة أن ثقافة إنتاج الاتجاهات العربية الأخرى بعيداً من فلسطين، لا تسقط إلا بالحرب في فلسطين.
* كاتب وشاعر فلسطيني