تصادف هذه الأيام الذكرى الثالثة لانتفاضة تشرين العراقية الباسلة، تلك الانتفاضة التي تخضبت بدماء مئات الشهداء وهزّت النظام السياسي العراقي الفاسد الذي سعى إلى قمعها بقوّة.

انتفاضة تشرين، هي نتيجة حتميّة لمشكلات هيكلية عميقة اجتمعت معاً على مدى عقود من الحروب والأزمات السياسية والتدخلات الأجنبية، مع عوامل مثل الانفجار السكاني، والتوسّع الحضري المفرط، وانهيار الهياكل الاقتصادية، والاعتماد على الثروة الريعية التي تتصارع عليها الدول والأحزاب ولا يستفيد منها المجتمع العراقي. لقد ابتلي العراقيون، كما اللبنانيين، بنظام سياسي قائمٍ على المحاصصة وتوزيع الوزارات والوظائف الحكومية بين الأحزاب على أساس طائفي وقومي، حتى تحوّل إلى نظام حكومة وحدة حزبية. وبعد كل انتخابات، لا بد من إشراك جميع الأحزاب معاً لتحديد الأحزاب التي يجب أن تتحاصص المناصب ووظائف الخدمة المدنية. والذين يحصلون على المناصب العُليا، يديرون العقود والوظائف في الوزارات التي يسيطرون عليها من خلال حزبهم. هذه الوظائف والعقود مهمّة للغاية، حيث أنّ التوظيف الحكومي يشكّل غالبية العمالة في العراق. إذا نظرنا إلى أي مؤشرات دولية حول الفساد، مثل مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية، فإن الفساد في العراق هائلٌ ويمكن وضعه حتى خارج التصنيفات كحالة شاذة. بمعنى؛ لم تكن انتفاضة تشرين ضد رئيس الوزراء ولا حركة مدفوعة الثمن ضد نظام سياسي مستقيم يدافع عن وحدة العراق، بل ضد نظام سياسي خائر ونخب سياسية خائبة ومهزومة، استغنت من ثروات الشعب، وهي تهيمن على السلطة منذ حوالي عقدين ولا تمتلك أي برنامج سياسي مُثمر.
لقد وحّدت الانتفاضة التشرينية الكثير من العراقيين بمختلف مستوياتهم وتوجهاتهم وطوائفهم، وقد شكّلت الطبقة البروليتارية المحرّك الرئيس لهذه الحركة الاحتجاجية النادرة والغائبة منذ عقود. وكان هذا الحراك الشعبي الهادر إنجازاً تاريخياً، أكّد وجود الزخم الثوري لدى الشعب العراقي المخذول من قبل الطبقة الأوليغارشية الحاكمة التي بدورها تصرّ على تدمير مشروع دولة المواطنة الديموقراطية في بلاد الرافدين. في المقابل، فإن أغلب خصوم انتفاضة تشرين هم من جمهور الأحزاب السياسية الفاسدة. من الإشاعات الهابطة التي صدّرها هؤلاء أن الانتفاضة هي مؤامرة ضد الحاكم وضد العراق، ولكن من ينظر إلى واقع العراق سيعي جيّداً أن المؤامرة الحقيقية هي عدم تحرّك الناس ضد سلطة الفساد وليس العكس. الجميع يعرف أن الولايات المتحدة بعد احتلالها للعراق قامت بجمع طاقم انتهازي، وأقامت نظاماً مُقسماً على أُسُس طائفية، وعادل عبد المهدي، الذي كان رئيس وزراء العراق أثناء الانتفاضة، هو واحد من الذين ساهموا بشكل فاعل في تأسيس النظام الطائفي السياسي والدستور الذي شَطَبَ على هُوِيّة العراق الموحّدة، ولذلك شمّاعة المؤامرة هي محض وهم وافتراء روّجتها السلطة للتغطية على فشلها وتبعيّتها.
بتقديري، لن تجد الولايات المتحدة نظاماً يخدمها أكثر من النظام الحالي الذي سمح لها ببناء أكبر سفارة وبنشر القواعد العسكرية والتمدّد في البلاد. فهل من المنطقي القول إن أميركا تُريد إسقاط نظام مُطيع يخدمها ويتعامل معها، وهذا النظام طالب التشرينيون الأحرار بإسقاطه وتغيير الدستور الذي أشرفت أميركا على كتابته، وتحرير الدولة من مخالب التبعيّة، وبناء مشروع ديموقراطي يخدم الإنسان العراقي. ربما ظاهراً تدّعي الولايات المتحدة إنها مع الشعب العراقي، وتقوم عبر سفارتها بنشر أشياء توحي بأنها تدعم الحراك الشعبي، ولكن هذا التوجّه لا يعكس الرغبة الحقيقية لسياسة الولايات المتحدة الإمبريالية في العراق، فهي داعم قوي للفوضى والفساد في العراق، وخروج العراق من هذه المتاهة يعني إنهاء وجودها. والحال ينطبق على إيران التي تدعم النظام السياسي الفاسد في العراق، بحكم علاقتها الوطيدة مع بعض النخب السياسية، ولا ترغب في زواله من أجل مصالحها الخاصة، وكذلك تركيا التي تصول وتجول في شمال العراق وتتمنّى بقاء الوضع كما هو من أجل استغلال غياب السيادة العراقية. ولنقولها بإنصاف، لا أميركا ولا إيران ولا تركيا ولا أي دولة براغماتية من مصلحتها زوال النظام السياسي القائم في العراق، لأن هذا النظام هشٌّ وخاضعٌ ويلبّي رغبات الدول على أكمل وجه، ولأن زواله يعني تحرّر العراق من قفص التبعيّة على المستويين السياسي والاقتصادي وتحوّله إلى دولة مستقلة قوية ذات سيادة واقتصاد إنتاجي فاعل.
أمّا زعماء الأحزاب الذين يحكمون العراق، راضون عن ترك البلاد تنهار طالما أن ذلك يخدم مصالحهم الضيّقة على المدى القريب. لذلك، ردّة الفعل الناقمة ضد انتفاضة تشرين مُنبثقة من رؤيتين رئيسيتين؛ الأولى، رغبة الدول المُتدخلة في العراق في بقاء نظام المحاصصة الطائفي الفاسد الذي يؤمّن لها نفوذها ومكاسبها. والثانية، هي تطلّع زعماء النظام السياسي إلى الاستمرار في السلطة وتحقيق المزيد من المآرب الشخصية والحزبية.
لقد قامت انتفاضة تشرين، التي خرجت ضد الطغمة الفاسدة، على قيم تقدّمية يسارية غير طائفية، وهي انتفاضة مُبرّرة ومُتوقعة بعد سنوات من القهر والكذب والفساد وغياب القانون والخدمات. وأظهر المنتفضون مستويات رائعة من الانضباط، خصوصاً في بدايات الانتفاضة، ولم يستخدموا السلاح في المواجهة، وكانت الأعلام والشعارات والهتافات والرسومات سلاحهم الأمضى في مواجهة النظام الفاسد. وبالطبع، لا ننكر وجود بعض الأخطاء والتجاوزات، وهذا يحدث في أي حركة احتجاجية عالمية. أجمل ما في هذه الانتفاضة هو ذلك التلاحم والانسجام الكبير الذي ظهر بين أفرادها، رجالاً ونساءً، ومساهمة القوى الطلابية فيها، ناهيك عن المُبادرات التطوعية والتبرعات من مختلف الكوادر. لقد أظهر التضامن في حراك تشرين ما تقوم ببنائه العملية الثورية العراقية: تصوّر مسبق لقيادة الطبقة العاملة التي توحّد الشباب العاطلين والمضطهدين في البلاد والتي يمكن أن تتجاوز حدود أسلافها البواسل. إن مؤشر الحراك التشريني يدل بوضوح على قُدرة الشعب العراقي على ابتكار آليات ثورية جديدة لاختيار حاكمه وفرض إرادته وفتح آفاق جديدة نحو النهضة للوطن العراقي. وبالطبع، النجاح لا يُكتب للانتفاضات الشعبية إلا بجهود متواصلة في الكفاح والإيمان العميق بضرورة التغيير وعدم الاستسلام.
على الجانب الآخر، من المهم أن نذكر ونعترف أن انتفاضة تشرين تم اختطافها لاحقاً من قبل أحزاب السلطة، وكان يُراد لها أن تنتهي بأسرع وقت ممكن بعدما أوشكت على إسقاط العملية السياسية برمتها. ولأنها سبّبت الذعر للمنظومة السياسية والدول الداعمة لها، فقد تم اختراقها باهتمام بالغ وكان هناك سعي واضح لتشويه صورتها وربطها بأجندات دولية تآمرية، وقد صاحب ذلك قمعٌ مفرط للشباب الأبرياء، وهذه هي حال جميع الأنظمة السلطوية؛ فبدلاً من أن تجد الحلول وتلبي مطالب الجماهير، تلجأ إلى العُنف الوحشي المُضاد لبسط نفوذها. بعض الانتهازيين، وكما هي حال جميع الثورات والانتفاضات في العالم، انحرفوا عن خط الانتفاضة وراحوا يتملقون للأحزاب أو يخترعون أسماء أحزاب وحركات باسم انتفاضة تشرين، ومنهم من شارك في الانتخابات الأخيرة. وفي الحقيقة هؤلاء لا يُعوّل عليهم لأنهم سيذوبون مع سلطة الفساد، والتعويل فقط على القوى الشعبية المعارضة للنظام السياسي وتطالب بالتغيير الحقيقي الذي يخدم الدولة العراقية ومجتمعها. صحيحٌ أن نتائج انتفاضة تشرين لم تكن كافية للتغيير الحقيقي، بسبب حجم العداوة والقساوة التي واجهتها من السلطة وجمهورها المخدوع، ولو وقف معها الجميع لحققت نهضة هائلة للدولة العراقية المُختطفة، ولكنها، في المقابل، رسمت خطاً ثورياً وفكراً نهضوياً ضرورياً، وغرست ثقافة الاحتجاج في العقل الجمعي.
من الأشياء الباطلة والمُستفزة التي تحاول شيطنة انتفاضة تشرين هي اتهامها بأنها جاءت بمصطفى الكاظمي، وهذه تُرهة رخيصة، لأن الكاظمي كان مرفوضاً في ساحات التظاهر، وجاء بإرادة الدول والأحزاب الفاسدة التي عارضت انتفاضة تشرين وصوتت عليه بذاتها، وهذه الأصوات تصوّر انتفاضة الشباب العراقي وكأنها لديها حقاً إمكانيات هائلة تسمح بفرض أسماء محددة. وبينما يكافح الشباب العراقي ضد الدمار السياسي والاقتصادي، فإن معركته ضد الطبقة الحاكمة الفاسدة ستتجدّد بكل الأحوال، وهي مجرد مسألة وقت، بسبب الفشل الذريع الذي خلفته الانتخابات الشكلية الأخيرة التي لن تغيّر الجهاز السياسي المعطوب للدولة ولا تعيد كتابة الدستور ولا تؤسس مشروع دولة ناهض وإنما تعيد إنتاج الفشل السياسي وتغييب سيادة الدولة العراقية واستئناف نهب ثرواتها الريعية، من نفط الشمال المُهرب إلى واردات الجنوب المهدورة.
يُشير الارتفاع في الصراع الطبقي في البلدان الخاضعة للقوى الأجنبية، مثل العراق، إلى أن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو أن تستعيد الطبقة العاملة قوتها من الأنظمة الفاسدة وتكسر الهيمنة الاستعمارية وتعيد تشكيل النظام السياسي بشكل ديموقراطي مستقيم، بما يُنصف الشرائح الكادحة المُضطهدة. نأمل من المنتفضين أنهم قد استفادوا من تجارب وأخطاء ومعوقات الماضي وسيسعون لإعادة إنتاج الزخم الجماهيري بصورته المنضبطة الرافضة لتجديد حياة النظام السياسي المُهترئ وأدواته الفاسدة أو التعامل معه. ولتحقيق ذلك، ثمّة حاجة إلى التعبئة الشعبية وتشكيل جبهة معارضة واسعة النطاق وتغيير ميزان القوة في مواجهة السلطة والضغط من أجل انتقال ديموقراطي حقيقي، وهذا بالطبع يتوقّف على قدرة الحراك الشعبي على رصّ صفوفه وتطوير أدواته الاحتجاجية، والأهم من ذلك ضرورة تأطيره بأشخاص من ذوي الحس الوطني المسؤول وعدم السماح باختطافه وتوجيهه بما يخدم مصلحة السلطة.
صمد التشرينيون بوجه آلة عُنف مُرعبة وحافظوا على تركيزهم، رغم كل الصعاب والخسائر الفادحة في الأرواح، ولم تتم حتى الآن محاسبة أي شخص قام بقتل الشباب، وهذه جريمة إنسانية كبرى لم تحدث في أي احتجاجات جماهيرية بما في ذلك احتجاجات لبنان والجزائر. لقد أثّرت أفعال التشرينيين الشِهام في معادلة التغيير، وخلقت نمطاً ثورياً ووعياً جديداً في العراق، خصوصاً بين شباب الجيل الصاعد، وهذه النبتة التشرينية التي تم بذرها قبل ثلاث سنوات، ستكون عصية على اليُبس والفناء وستعود للنمو والإثمار، وعلى القوى المدنية واليسارية أن تأخذ دورها في دعم الحركات الشعبية السلمية القادمة بما يجعلها أكثر زخماً وتوازناً وتنظيماً. يجب أن يعي الشباب أن الحراك الشعبي السلمي هو المفتاح الجوهري لتحقيق الإصلاح بتفرعاته ومستوياته كافة، وهو القادر على دحر الهيمنة الأجنبية، وإن إرادة الشعب يجب أن تهزم إرادة السُلطة. والأهم من ذلك، الإيمان العميق بأن العراق القوي الموحّد بهويّة عربيّة جامعة وخالٍ من براثن الفساد والتبعيّة، يعني ولادة دولة ديموقراطية تقدّمية مُزدهرة وشامخة.
كاتب السطور كان، ولا يزال، مسانداً لهذه الانتفاضة الفريدة في التاريخ السياسي العراقي، لأنه يؤمن بأن التحوّلات الحضارية الكُبرى للشعوب تبدأ بتغيّر ثوري في فكرها ووعيها الإنساني، وهو يفرّق بين الأخطاء الفردية وبين أهمّية هذه الانتفاضة على صعيد الوعي الثوري الجماهيري، ويفرّق أيضاً بين العواطف والتوجّهات الشخصيّة وبين مصلحة الدولة العراقية التي يجب أن توحّدنا جميعاً ضد الفساد وضد الداعمين للفساد في الداخل والخارج.

* كاتب ومترجم عراقي