منطق الصحافة، يتطلب انتظار خطاب رئيس السلطة محمود عباس لكتابة مادة عنه، لكن، ولضرورة المتابعة، آثرت الكتابة عن الخطاب، قبل الخطاب.

في الواقع، إن الخطاب الذي سيلقيه عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، «محطة تاريخية» كما وصفته وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان لها نشرته الأحد الماضي (18 أيلول الجاري) تدعو خلاله المجتمع الدولي إلى «التقاط فرصة السلام».
كانت قبل «محطة» عباس «التاريخية» هذه، محطات، ستجد من يسميها «تاريخية» على الأقل بتأريخها، يوماً وشهراً وسنة، كان قد ألقاها في كلماته في الأعوام السابقة، على مسامع الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم يتوقف عند تلك المحطات أحد، ولم ينزل عند رغباته وأمنياته أو تمنياته أو أحلامه أو آماله، أحد، لا عدو ولا صديق، بدليل تكرار مضمون الخطابات ذاتها كل عام تقريباً.
باتت كلمات الرئيس كلها تاريخية، حسب ما يصفها الإعلام الرسمي الفلسطيني، فإن كان الرجل سيلقي كلمة في المجلس الوطني، وُصفت بـ«التاريخية»، وإن كان سيلقي واحدة أمام المجلس المركزي، كذلك ستكون «تاريخية»، ومع كل كلمة أو خطاب جديد «تاريخي» لا قرار آخر يمكن اتخاذه، سوى عدم الاستماع لاجترار الكلام، كالقرارات «التاريخية» التي لم ينفذ منها أي شيء على الإطلاق، لا وقف التنسيق الأمني، ولا إنهاء العمل بالاتفاقيات، ولا غيرهما.
لكن ومع ذلك، الرجل الثمانيني الذي يرغب بتجريب المجرّب، وبإتاحة الفرص الجديدة «للسلام» هل يتذكر أن عليه استحقاق (لم يعد استحقاقاً من شدة ما كرّره) وضعه على نفسه منذ العام الماضي، ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ذاته، حين قال: «إن أمام سلطات الاحتلال الإسرائيلي عاماً واحداً لتنسحب من أراضي 1967 بما فيها القدس الشرقية» وأضاف أنه: «في حال عدم تحقيق ذلك، فلماذا يبقى الاعتراف بإسرائيل قائماً على أساس حدود عام 1967؟». هل نسيت وزارة الخارجية استحقاق رئيسها؟ حتى أصدرت بياناً تتحدث فيه عن «فرصة السلام» بعد انقضاء عام، وأيّ عام، فعلت فيه إسرائيل الكثير كما تفعل كل يوم منذ احتلالها فلسطين.
وهذه المقالة التي لا تقدّم معلومة واحدة جديدة، لا تطلب من الخارجية أو الرئاسة الفلسطينية أن تعلن الحرب (لن تعلنها في كل الأحوال) أو تعلن التعبئة الشعبية (لن تعلنها حنجرة أمامها ربطة عنق وتحت قفاها مرسيدس) أو تعلن انتفاضة (أضعف الإيمان، بعض المسؤولين الفلسطينيين يخافونها من أجل المرسيدس وvip). لكنها تطلب الحد الأدنى من الاحترام للشعب الفلسطيني وتضحياته.

■ ■ ■

بعض المعلّقين، طالبوا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بأن يأخذ أبناء لمى غوشة التي أسرها الاحتلال (لاحقاً أفرج عنها بشروط) بسبب منشورات فايسبوكية وعمل صحافي (احتلال صغير). بطبيعة الحال، لو لم تخرج لمى، لما كان عباس ليأخذهم، فليسوا أبناء عائلة مطيعة، تقبل المهانة والإهانة، وتقبل أن تطبع مع رئيس، يجرب الاحتلال كسر رأسه، ويبقى صامتاً.
■ ■ ■

قبل أعوام كنت أقابل فدائياً عتيقاً، لم تغيّره الأيام، ولم تغيّره المناصب التي لم ينلها، ولا الفقر الذي أفقروه، فلا يزال حين يقبّل القيادات العازمة على «التحرير» يسلّم عليهم، ويقبل أن يتصوروا معه، وبعد الصورة يطرقهم «يا عكريت... يا عرصات». هكذا كان يقول لهم، لكن حين كنا نلتقي لنشرب قهوة معاً، كان يقول: «هذوله مش واثقين أنهم ممكن ينتصروا، لأن هذول مش واثقين بشعبهم، لأنهم ما بعرفوا شعبهم، يعني ما بعرفوا فلسطين».

* كاتب فلسطيني