حديثنا هنا عن مذكّرات صائب سلام التي صدرت للتوّ في ثلاثة أجزاء بعنوان: «صائب سلام: أحداث وذكريات». وقلتُ من قبل إن الأجزاء الثلاثة هي يوميّات دوّنها صائب ونشرتها العائلة كما هي من دون تصحيح أو تنقيح أو تحرير، مع أنها تنقل صورة معبّرة عن مكنونات صائب سلام وتفكيره في محطات تاريخيّة مهمّة شارك هو في صنع بعضها.

ونصل في المذكرات إلى المقطع الذي يتعرّض فيه صائب لجاذبيّته المميّزة بين النساء، ونكتشف أنه كان عرضةً لمحاولات شنيعة من نساء للإيقاع به، لكن إخلاصه لزوجته ورباطة جأشه منعاه من السقوط. كان صائب يزور نيويورك، والتقى هناك الصحافيّة «المرموقة» «ألين شبرد» (اسمها، إيلين شبرد، وكانت ممثّلة قبل أن تكون مراسلة وكتبت «اعذروني على بطاقتي الصحافيّة» والتي يقول صائب إنها ذكرته فيه وذكرت العلاقة الحميمة بينه وبين زوجته - لكن الزميل خريستو المر، الذي حصل على نسخة من الكتاب، يقول إنه لا إشارة في الكتاب إلى أي علاقة بينه وبين زوجته، وذكرته فقط في معرض لقائها معه كزعيم قوي في بيروت). وكانت، حسب وصف صائب، «على شيء من الجمال». ويقول إنها بعدما سهرت معه (وكان الصحافي حنا غصن حاضراً)، طلبت أن تزوره صبيحة اليوم التالي لتناول الفطور معه. لكن صائب يقظ ومتنبّه وهو عليم بمؤامرات النساء لإغرائه، إذ يقول: «ويظهر أنها توهّمت بما تتمتّع به من جمال، وبإعجابي بما كانت تقوم به (ماذا كانت تقوم به كي تنال إعجاب صائب البريء، يا ترى؟)، أنها يمكن أن تنال منّي بإخراجي عن أمانتي لزوجتي» (ص. 388، ج 1). لكن كيف استنتج صائب من خلال عرض للقاء ترويقة مع حنا غصن أن الصحافيّة، التي كانت «على شيء من الجمال»، كانت تريد أن تغريه؟ وأثناء الترويقة معه حدث ما لم يكن في حسبان ألين، إذ إنه جرى اتصال بين صائب وزوجته تميمة، فلاحظت الزائرة الحميميّة في الحديث بين الزوجيْن. ويضيف صائب: «وفي إحدى الأمسيات حين كانت تزورني في شقتي في الفندق، جرى أيضاً اتصال بيني وبين زوجتي أمامها، فلاحظت مرّة أخرى ما كان من مظاهر حميميّة في هذا الاتصال». ويزعم صائب أنه أثّر على مواقف الينور روزفلت، زوجة فرانكلن روزفلت، عندما التقاها في بيروت وشرح لها القضيّة الفلسطينيّة وأنها أُعجبت بما «فهمته» منه. لكن ليس هناك من دليل على ذلك لأنها لم تحدْ حتى وفاتها عن مواقفها الشديدة التعصّب لإسرائيل.
وتظهر مواقف صائب المعارضة للممارسات السعوديّة في لبنان في موضوع قانون الصحافة المقترح في 1962، أثناء الحكم الشهابي. وكان القانون مقيّداً لحريّة الصحافة وبإيعاز مباشر من النظام السعودي حسب ما يعترف صائب (لم يكن هناك احتلال إيراني بغيض يومها). وقد استقال نقيب الصحافة، عفيف الطيبي، احتجاجاً على القانون الجديد وأرسل له صائب برقيّة تأييد. ويعترف صائب في اليوميّات: «والحقيقة أن ما كان قد حدث وأدّى إلى استقالة عفيف الطيبي أزعجني كثيراً، لأنني كنتُ أخشى من ورائه شيئيْن: أولاً، عدم الوقوف عند حدّ في الخضوع لتأثيرات رجال الملك سعود في لبنان من الذين كنت أعرف أنهم وراء القانون الحكومي الجديد» (ص. 401، ج 1). من كان يتصوّر أن صائب ينطق في العلن بما كان يدوّنه في يوميّاته عن الدور السعودي؟
ويعترف سلام بأنه كان ينقل للحكم الناصري هموم الفريق الإسلامي في لبنان، فيقول إنه أورد لهم النسبة القليلة من المسلمين بين المحامين والأطباء والمهندسين (وكان الحكم في لبنان يعارض نشر العلم بين المسلمين ويقاوم إنشاء الجامعات وكليّات الحقوق الناطقة بالعربيّة). وكانت اللغة الفرنسية المعتمدة في كليّة الحقوق الفرنسيّة في جامعة القدّيس يوسف نوعاً من الحاجز أمام انضمام المسلمين إليها (وكان جلّهم يدرس في مدارس تعاني ضعفاً في اللغات الأجنبيّة). وقارن صائب بين البطاركة والمطارنة (وردت خطأً «موارنة» في الكتاب، ص. 405، ج 1) والامتيازات الإقطاعيّة والماديّة التي بحوزتهم وبين المشايخ المسلمين الفقراء. هذه أحاديث لم تكن الزعامات المارونيّة تريد سماعها، والإفراط في الحديث المُراوغ عن صدّ التوطين هدفَ—من جملة ما هدفَ—إلى طمس المقاصد الطائفيّة والطبقيّة للحكم اللبناني في فترة ما قبل الطائف. ويذكر صائب تملّك المسيحيّين للمصارف (آنذاك) وكيف أن الدول الأجنبيّة بسفاراتها «تساند المسيحيّين وتعاضدهم وتؤيّدهم. أمّا المسلمون فليس أمامهم من يساندهم سوى سفارة الجمهورية العربيّة المتحدة» (ص. 405، ج 1، ومن اللافت أن صائب لا يذكر أي دولة خليجيّة). وفي يوميّاته، لا يتردّد صائب في مؤازرة عبد الناصر بقوّة ضد دول الخليج، إذ يقول: «كم أن الصراع بات عنيفاً (في 1962) وحاداً بين جمال عبد الناصر وما يمثّله من روح عربيّة ثوريّة تقدميّة، وبين الرجعيّة المتألّبة المتضامنة المتكالبة ضدّه. والحقيقة أنه لئن دلّ عنف الرجعيّين وتضامنهم على شيء فعلى ما باتوا يشعرون به من ضغط القوّة الناصريّة النابضة». (ص. 407, ج 1، لا يمكن أن نتصوّر سلام وهو ينطق بهذه المصطلحات في التصريحات العلنيّة التي كان يلقيها).
وبالنسبة إلى الشكوى المستمرّة من سلام من وضعه المالي والحاجة إلى بيع الأراضي من أجل الإنفاق، نسمع أحياناً، هنا وهناك في اليوميّات، إشارات متفرّقة عن مشاريع أو محاولات في «البزنس» فيذكر مثلاً كيف أنه «لاحق» الشيخ جابر الأحمد في الكويت «من أجل إشراكهم مع آل يافت في البرازيل، في ملكيّة بعض المناجم ومصانع الحديد» (ص. 409، ج 1). ويعود صائب في 1965 ليحاول ولوج عالم الأعمال، لكن هذه المرّة بواسطة جورج أبو عضل (صاحب «الأسبوع العربي» و«ماغازين». لم يُكتب بعد عن دور الرجل في الحياة السياسيّة قبل الحرب الأهليّة وخلالها، وكان قريباً جداً ومموّلاً لسليمان فرنجيّة، الذي حاول أن يوزّره في أوّل حكومة في عهده قبل أن يصله موفدٌ خاص من الحكومة المصريّة ليحذّره من علاقة أبو عضل بالمخابرات الإسرائيلية). وجمعه أبو عضل مع واحد من كبار رجال الأعمال في فرنسا. أبدى صائب استعداداً للنظر في المشروع (لا يوضح صائب طبيعة المشروع، ولكنه يشمل علاقات اقتصادية ومالية وتنمويّة، ص. 434، ج 1) بعدما لفتَ نظر رجل الأعمال الفرنسي إلى أنه يريد التأكيد أن لا علاقة للشركات التي ترغب في التعامل مع صائب بـ«إسرائيل أو اليهود» (ص. 435، ج 1). ثم تحدّث صائب مع فرنجيّة الذي أخبره عن رخصة استثمار بنك، وأوقف صائب الحديث عن المشروع في الكتاب عند هذا الحدّ. ويذكر صائب جورج أبو عضل في سياق آخر عندما بدأ يلاحظ تغيّر آراء سليمان فرنجيّة الذي كان، منذ 1958، لصيقاً بمواقف عبد الناصر العروبيّة. وتأكد صائب بحلول 1967 أن مواقف فرنجيّة قد تغيّرت (نحو الانعزاليّة) وينسب التغيير لوجود عبد الله الراسي (صهر سليمان) في السعوديّة وإلى «تأثير جورج أبو عضل… الذي هو في الحقيقة من أكثر إخواننا جنوحاً للتعصّب» (ص. 459، ج 1).
ويرد في الكتاب اسم العميد يوسف شميط، الذي كان رئيس الأركان قبل الحرب الأهليّة. ويرد هذا الاسم أيضاً في الوثائق الأميركيّة الحديثة التي أُفرج عنها ويظهر فيها كأكثر قيادي عسكري متطرّف في الإصرار على مجابهة المقاومة الفلسطينيّة للقضاء عليها، وكان قريباً في مواقفه من المطالب الإسرائيليّة التي كانت ترد للحكم اللبناني—مباشرة من خلال صلة وصل بين رئيس الجمهوريّة وإسرائيل وبطريقة غير مباشرة عبر السفير الأميركي—راجع أطروحة نيت جورج للدكتوراه في جامعة رايس في قسم التاريخ عن الحرب الأهليّة في لبنان). ويقول سلام إن شميط نقل استعداد القيادة العسكريّة للجيش للقيام بانقلاب عسكري لضمان رئيس موال للجيش (ص. 420، ج 1). وكان الصراع (في 1964، إبّان المعركة الرئاسيّة) قد احتدم بين الشهابيّة وسلام إلى درجة أن سلام ينقل عن الصحافي وفيق العلايلي (وهو خالي) أنه قال إن شهاب «ليس مقهوراً من أحد قدر قهره من صائب سلام لوقوفه ضد التجديد» (ص. 420، ج 1).

يبدو من سرديّة صائب أن علاقته مع عبد الناصر وفريقه كانت ممتازة، بالرغم من عداء سفير مصر في بيروت، عبد الحميد غالب، له


يذكر صائب عرضاً أن فاروق شهاب الدين أقام حفلة عشاء على شرفه وأن تكريمه كان «ناجحاً جداً». لكن صائب لا يذكر أن شهاب الدين هو كان واحداً من أقسى قبضايات بيروت، مع أن صائب نبذ القبضايات، حسب ما أخبرنا، وهو عيّر خصومه السنّة في بيروت لاعتمادهم على قبضايات (فاروق شهاب الدين هو نفسه الذي قاد في صيف 1982 وفداً من البسطة لتهنئة بشير الجميّل بتنصيبه رئيساً على لبنان من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ووُجدَ مقتولاً في ما بعد ولم يعلن أحد المسؤوليّة عن اغتياله).
وبعد انقطاع، يعود صائب لزيارة السعوديّة في عام 1964، بعد سقوط الملك سعود وتبوؤ فيصل الحكم هناك. وأتت معاودة الاتصال بين صائب والنظام السعودي بعد «الجفاء الطويل الذي كان سببه سعود بن عبد العزيز» (ص. 425، ج 1). ويقول صائب (في محاولته الدائمة التوفيق بين تأييده الضروري لعبد الناصر وولائه المنفعي للنظام السعودي، إن الملك فيصل أكّد له تضامنه مع الرئيس جمال عبد الناصر» (ص. 426، ج 1). وجدّد صائب علاقته بعدد من أمراء آل سعود، وزار المدينة المنوّرة حيث لم يتمالك نفسه عن البكاء «من شدّة الخشوع» (ص. 426، ج 1)، ويذكّرنا صائب بأن هذه كانت المرّة الثانية التي يقف فيها «خاشعاً باكياً أمام قبر الرسول».
وشابت علاقة صائب ببورقيبة توتّراً وفورات عصبيّة من الأخير. صائب من ناحية يستذكر مواقفه الاستسلاميّة من قضيّة فلسطين كي يراجع نفسه ويعبّر عن موافقة متأخرة معها، ومن ناحية أخرى يصوّره نزقاً عصبيّاً تنتابه ثورات جنونيّة. حاول أن يتحدث إليه عن مواقفه مُستنكراً مهادنته لإسرائيل، لكن صائب فوجئ بردّة الفعل: «لم أكن أتصوّر إطلاقاً أن رجلاً في مثل مكانة بورقيبة ومسؤوليّته يمكنه أن يخرج عن طوره بذلك الشكل الجنوني الذي لمسته بنفسي. ولا أبالغ إذا قلتُ، إنه كان يتكلّم ويرغي ويزبد بدون وعي كالمجانين. وظهر لي جليّاً خلال حديثه أن عقدته الأولى والأخيرة هي عبد الناصر—وهي، على أي حال، العقدة نفسها التي يعانيها أغلب الحكّام العرب (ص. 430، ج 1). لكن صائب (في ما بعد من حياته) يريدنا أن نسترشد ونهتدي بآراء بورقيبة هذا في القضيّة الفلسطينيّة. ويتضح من المقطع المذكور كم كان صائب الحقيقي (لا السياسي الذي نعرفه من تصاريحه ومواقفه العلنيّة) ناصريّاً ومعادياً لخصوم عبد الناصر الذين كانوا يتلقّون المديح من صائب عبر السنوات. وحتى في موضوع اليمن يقول صائب: «فها هو الملك فيصل يعاود تحريضه للإماميّين في اليمن بالمال والسلاح». من يمكن أن يتصوّر صائب وهو يجاهر بهذه المواقف؟ ويختم صائب الحديث بالتعقيب: «حمى الله عبد الناصر والعرب من حقد أمثال بورقيبة وكيدهم». (ويذكر صائب دور مستشار بورقيبة اللبناني، سيسيل حوراني، والذي عمل مستشاراً خاصاً لبورقيبة في تلك السنوات، والذي فتح له غسان تويني صفحات «النهار» كي يبشّر بعقيدة بورقيبة الاستسلاميّة بعد هزيمة 1967. كأن تويني كان ينتظر الهزيمة كي يُبشِّر بالاستسلام).
ويبدو من سرديّة صائب أن علاقته مع عبد الناصر وفريقه كانت ممتازة، بالرغم من عداء سفير مصر في بيروت، عبد الحميد غالب، له. وقد تألّم صائب سلام «ألماً كبيراً» عندما سمع بأن غالب يتهمه بأنه أخذ من السعوديين «فلوساً تسدّ عجزي المالي» (ص. 438، ج 1). ويضيف صائب: «صحيح أنني كنت طوال تلك الفترة في ضيق مالي شديد (بالرغم من مشروع جورج أبو عضل؟) ولكن الله يشهد أنني لو كنتُ مستعدّاً للخروج عن كرامتي أو خطي الوطني والأخلاقي، لما كنتُ بحاجة لمدّ يدي للسعوديّين ولا لغيرهم» (ص. 438، ج 1). وفي الصراع اليمني، حاول صائب التوسّط بين عبد الناصر وفيصل لكنه يشرح أنه—بالرغم من نيّات عبد الناصر التصالحيّة—فإن فيصل تجاهل مبادرة صائب الذي عرض التوجّه إلى السعوديّة للقاء الملك لكن الملك كان منهمكاً «بالحج والحجّاج» (ص. 440، ج 1). ويدخل الملف السعودي مجدّداً، إذ زاره (الكاتب والدبلوماسي) خليل تقيّ الدين وأخبره عن اتفاقه مع رياض طه (نقيب الصحافة الذي اغتيل في عام 1980، على الأرجح على يد النظام السوري في لبنان، والذي أوردَ في كتابه، «تجربة إنسان عربي خلال أحداث 1955-1961»، أن صائب سلام أرسل له مع هاني سلام مبلغ ألف دولار لكنه أعاد المبلغ, ص. 130 من كتاب طه) على إصدار «الكفاح» و«الأحد» لمدة خمس سنوات بناء على استئجار تقي الدين لامتياز طه. وطلب تقي الدين من صائب أن يتوسّط له مع الملك فيصل «ليساعده ماليّاً» (ص. 441، ج 1). لكن صائب أجابه بأنه لا يتدخّل «في الأمور المالية لا مع الملك فيصل ولا مع غيره». وصائب دائماً، حسب قوله، يعتذر «عن عدم الدخول في أي بحث مالي». وفي الحديث عن المال، زار عمر السقاف (وزير دولة للشؤون الخارجيّة السعوديّة) صائب سلام وفاتحه في موضوع جديد. سأله عن الأشخاص الذين يتوجّب شراؤهم «لكسب الرأي العام في لبنان» (ص. 443، ج 1)، مشيراً «إلى أنه مهما كانت المبالغ المطلوبة كبيرة، فإنهم على استعداد لذلك». وطلب السقاف مساعدة صائب في توزيع الأموال. لكن صائب ردّه على أعقابه خائباً مجيباً: «يا أخ عمر، لقد توالت عليّ هذه العروض من السعودية مراراً، لكن للجميع أن يفهموا أن في العالم العربي مَن لا يُشترى بمال مهما بلغت ضخامة هذا المال». ونصحهم صائب بشراء «النفوس لا الضمائر». لكن الغريب أن السعوديّة كانت قد عرضت هذا الأمر على صائب من قبل، لكنه لم يشر إليه لا من قريب أو من بعيد مع أنه يفصّل يوميّاته في هذه المذكرات، بما فيها الترويقة مع الصحافيّة الأميركيّة «المرموقة». لماذا لم يحدّثنا صائب عن هذه العروض السعوديّة من قبل؟ ثم، لماذا تتقدّم السعوديّة بهذه العروض لصائب مع أنه—في اليوميّات على الأقل—يجاهر بتأييده الشديد ومناصرته لكل مواقف جمال عبد الناصر، وحتى معارضته لمواقف السعوديّة؟
وتم انتخاب المفتي حسن خالد في 1966، وبدأ العداء بين الرجلين ولم يخفت عبر السنوات. ويشكو صائب من التزمّت الاجتماعي للمفتي خالد (هو عارض وجود فتيات في مهرجان «المقاصد» الرياضي، ص. 446، ج 1، وكان المفتي يعترض على إعلانات تلفزيونيّة حتى في سنوات الحرب إذا ظهرت «مفاتن» امرأة بثياب البحر فيها). لكن صائب عارض وصول رجال دين تقدميّين إلى دار الإفتاء: هو لم يقبل بمختار العلايلي—شقيق عبد الله العلايلي—مفتياً وكان الشيخ عبد الله يقول إن مختار أَفقه مني وإن كنت متقدّماً أكثر منه في علم اللغة. وفي ذلك الحين، ضاق صائب—المترفّع دوماً عن الكرسي، حسب قوله—ذرعاً بابتعاده عن رئاسة الوزراء، فطلب مقابلة شارل الحلو وكان بينهما حديث «صريح وواضح» وقال له سلام بصريح العبارة «إنني لم أعد أقبل إقصائي عن الحكم أطول من ذلك، وإنني أرشّح نفسي للحلول في رئاسة الحكومة محلّ رشيد كرامي، وإنني لن أرضى بعد اليوم بكرامي ولا بغيره» (ص. 440، ج 1). كم هو قنوع ومتواضع صائب سلام هذا. وكان وقع هزيمة 1967 قاسياً على صائب كما كان على معظم العرب ويتحدّث عن تظاهرة التأييد لعبد الناصر ويقول: «كانت التظاهرات في لبنان رائعة، لولا بعض التكسير والتحطيم الذي أصاب بعض المحالّ» (ص. 449، ج 1). وينقل صائب عن عبد الكريم الجندي (مدير المخابرات السورية في حينه) تفاصيل المؤامرة لقلب الحكم في القاهرة والتي كان عبد الحكيم عامر على رأسها. والذي يُنشر أخيراً عن تلك الحقبة من تاريخ مصر، مثل كتاب المؤرّخ حازم قنديل، «جنود وجواسيس ورجال دولة: طريق مصر إلى الثورة»، يؤكّد صحّة تلك المعلومة التي أوردها عبد الناصر للجندي في حديث خاص بينهما (ص 453، ج 1). ويأخذ صائب (في اليوميّات وليس في العلن) على عبد الناصر ليونته فقط ويقول: «وأنا اعتقد أن أحد أسباب ذلك كلّه هو ليونة عبد الناصر وحلمه الذي أبداه في عدم القسوة في معاقبة المسيئين» (ص. 453، ج 1).
الغريب في نهاية الجزء الأوّل (حتى عام 1970) أن صائب لا يأتي على ذكر أزمة إنترا إلا بجمل عارضة يكرّر فيها أن أزمة إنترا كشفت هشاشة الاقتصاد اللبناني، مع أنه كان له دور كبير فيها (وتوافق موقف سلام، في الأزمة، مع موقف عبد الله اليافي المتوافق مع دور بيار إده وجمعيّة المصارف—ويذكر هشام صفي الدين المفارقة بالنسبة إلى عداء اليافي وسلام لبيدس لدحض النظريّة غير المثبتة في أن الحملة على إنترا كانت بسبب دعم بيدس لـ«فتح»—وهذا غير صحيح. انظر هشام صفي الدين، «دولة المصارف»، ص. 157). ويذكر كمال ديب في كتابه «إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان» أن صائب كانت لديه تجربة سلبيّة مع يوسف بيدس لأنه طلب قرضاً من إنترا «لبناء قصر في ضاحية الدوحة جنوبي بيروت ولم يسلّفه إنترا المال. وقيل له إن بيدس تدخّل شخصيّاً لرفض القرض (كمال ديب، ص. 384). شعر سلام بالإهانة «أن لا يكون لديه أي رأسمال معنوي عند بيدس».
(يتبع)
* كاتب عربي - حسابه على تويتر
[email protected]