يا نبيل،

هذه الدولة خليطٌ عجيبٌ من النصّابين والسماسرة والعملاء والغلمان والقوّادين واللصوص. تخيّلْ لو كانوا أقلَّ غباءً، أو تبعيّةً وارتهاناً؛ إذن لأعطوْا موتَكَ التفاتةً ولو كاذبةً، فـ«بلفوك وبلفونا» [فخدعوك وخدعونا].
هل استكثرتَ على بشير الجميّل أن يكون رئيساً لهذه الجمهوريّة؟ أتعرف، يا حبيبي، تاريخَ هذا البلد؟ أتعرف مَن هو بشير الجميّل؟ إنّه استثمارٌ صهيونيّ رخيص، برعايةٍ أميركيّة وبركةٍ سعوديّة. والله إنّك لا تعرف تاريخ هذا البلد!

وأنتم أيضاً، أيها الكرام، لا تعرفون تاريخ هذا البلد، وهذه الدولة. فمع فجر الاستقلال، بزغتْ في سماء لبنان أسماءٌ «كبيرة» و«عظيمة»، مثل فيكتور عوّاد وماريكا وبيانكا وعفاف، ومَن كان في صفّ هؤلاء مِن سياسيين ورجال «دين» ورجال «فكر» و«علم» وصيارفة. هذا الطاقم العظيم هو الذي أسّس هذه الدولة!
ما تعرفه بريطانيا وفرنسا لا تعرفه أنت يا نبيل، ولا نعرفه نحن. لماذا اختاروا هؤلاء لكي يقودوا «دولة الاستقلال» وليصبحوا «رجالَ دولة» و«زعماء» و«أبطالَ استقلال»؟ لقد اختاروهم لأنّ هذا «الاستقلال» صُنع في مصانعهم؛ فهم الذين يعرفون سرّه و«رجالاته».

***

وبعد،
يحيّرني اليوم أنّ الخارج لم يسمِّ لنا رئيساً للجمهوريّة، ولن يسمّوا لنا رئيساً ينتخبه مجلسُ النوّاب بحريّة وديموقراطيّة وشفافيّة ونزاهة وضمير. هل لأنّه لا يوجد فرق في هذه الدولة بين أن يكون هناك رئيس أو لا يكون، وأن تكون هناك حكومة أو لا تكون، وأن يكون هناك مجلسٌ للنوّاب أو لا يكون؟ فما دامت السفاراتُ حاضرة، وإنْ غابت هذه المؤسسات، فأين الفراغ؟
لماذا لم يختاروا لنا رئيساً؟ ألأنّ المواهب شحّت؟ المواهب «أكثر من الهمّ على القلب»؛ فهل الكثرة تحيّرهم؟
وممّ يشكو سمير جعجع مثلاً؟ وهل أفضلُ منه مَن ابتدَعَ، على المقلب الآخر، أن ينتخب المسيحيون رئيساً للجمهوريّة، وأن ينتخب السنّةُ رئيساً للحكومة، وأن ينتخب الشيعةُ رئيساً للمجلس، وأن تنتخب كلُّ طائفة نوّابها؟!
وممّ يشكو فايز كرم؟ أو زياد الحمصي؟ أو أليس شبطيني؟ أو حتى أنطوان لحد؟ اسألوا البطرك عن لحد! كلّ هؤلاء، وغيرهم وغيرهم، يصلحون رؤساء لهذه الدولة! وهل ميشال سليمان أفضل؟
لا شيء تغيّر من أيّام السلطان سليم وكميل شمعون وشارل مالك وذلك الطاقم، إلى طاقم فؤاد السنيورة وغازي العريضي ومحمد عبد الحميد بيضون ووليد جنبلاط وغيرهم. ومع ذلك فإنّ «البلد»، منذ ذلك الوقت، «ماشي» و«الشغل ماشي» كما يزعمون؛ ذلك لأنّ إخواننا الخليجيين الذين «يحبّون» لبنان كثيراً يحبّون أمنَ رعاياهم أكثر. وإنْ سألتهم عن لبنان فهو، بالنسبة إليهم، يمتدّ من «المعاملتين» إلى الداون تاون فقط. أما الأمن فلا تهمّهم منه، هو أيضاً، إلا المسافةُ الممتدّة بين المعاملتين والداون تاون. ألا لا يحرمنّا اللهُ رؤية هذه الدشداشات الراقية! أما أنت يا نبيل العلم، ومعك حبيب الشرتوني وجورج إبراهيم عبد الله، ومعكم آلاف آخرون، فلن تأتوا بدشداشةٍ واحدة إلى هذا البلد!


أكان معلّمُك يَحلم
بأنّ في هذه الأرض بذرةً سوف تلد رجلاً مثلك؟
تقولون «عمرهم ما يجوا، تكفينا الكرامة»؟ الكرامة؟ بأيّ مصرف يصرفون هذه الكرامة يا حبيبي؟ أتعرف ما هي عائداتُ الخليجيين؟ دعك من المطاعم والمقاهي والأوتيلات؛ تكفيك ما تجنيه الصيدليّاتُ وحدها من ثمن حبّات الفياغرا وأدوات «الكفاح» العربيّ الأخرى! يكفيك أطبّاءُ الأمراض الزهريّة والتناسليّة!


***

وهنيئاً لك يا نبيل أنّ الكنيسة لم تمنحْكَ بركتها، ولم تتلُ عليك صلاتها. فكنيستك الأمّ كانت منشغلة، منذ زمن سحيق، بتبرئة اليهود من دم المسيح. أما اليوم فقد راح سيّدُها يبيع صكوك الغفران لرعاياه المتهوّدين، ولم يبقَ في خزانته «رقيمٌ» كمثل الذي أعطوه للعميل عقل هاشم!

***

«وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنّه ضحكٌ كالبكاء». عن أيّ مصر كان يتحدث ذلك المتنبّي العظيم؟ نحن اليوم نقاتل، ولكنْ دفاعاً عن سايكس بيكو! نقاتل دفاعاً عن كيانات ميتة! وفي المقابل، هناك مشروعٌ جاهليّ متخلّف، ولكنه حديث جداً وبصناعة حديثة. أما قوانا القومية بكل تفرّعاتها، والتقدمية بكل تفرعاتها، فلم تضع مشروعاً للمواجهة. وكيف يأتينا الناسُ إذا كان غيرُنا يحمل مشروعاً ونحن لا نحمل مشروعاً؟ ولكنْ تحت هذا الركام والعفن، أؤمن أنّ في هذه الأرض الطيبة بذوراً صالحةً سوف تعانق النور.
أكان معلّمُك، يا نبيل العلم، عندما واجه الخوري، وحين كان مقيّداً يواجه محكمةَ الذلّ، يَحلم بأنّ في هذه الأرض بذرةً سوف تلد رجلاً مثلك؟
أكان يحلم، عندما واجه الرصاصَ بصدره الكبير، بأنّ هذه الأرض سوف تنبت ذاتَ يوم رجلاً مثلك؟
بل كان معلّمك يؤمن بذلك! ونحن، مثله، نؤمن بأنّ تحت هذا الركام والوسخ، في هذه الأرض الطيّبة، بذوراً سوف تنبت.
وعندما يأتينا «العقلاءُ» ـــ ممّن كانوا في صفوفنا ثم رحلوا ـــ بـ«النصيحة» أنْ «تعقّلوا يا جماعة وكونوا واقعيين ودبّروا رؤوسكم»، فسوف نظلّ نقول لهم: خيرٌ لنا أن نعرف لماذا نموت من أن لا نعرفَ لماذا نعيش.
* رئيس حركة الشعب