حتى الأمس القريب كنت لا أزال موعوداً بلقائه لأستعرض وإيّاه مآسينا المدمّرة وانتصاراتنا الواعدة، ذلك أنّ القوّة الموجودة في ناسنا بدأت بالفعل، وبدأ معها رسم معالم اليوم، وبدأت كتابة التاريخ الذي سيقرأه أحفادنا بفخر مستفيدين من أمثولاته كما فعل المقاومون بالأمس ويفعلون اليوم وفي كلّ ساعة. إنّه من الذين كتبوا في تاريخنا الراهن صفحة غيّرت مسار الأحداث وأدّت إلى ما نحن عليه اليوم...


أدّت، وبفعل عوامل متعدِّدة، إلى الحالة المقاومة الفاعلة في الأحداث والمتقدِّمة من نصرٍ إلى نصر. نبيل العلم علمٌ من أعلام الربع الأخير من القرن العشرين؛ مصارع جبّار اعتمد الصراع البنّاء مبدأً حياتياً شهد له بمسلكه، بفضائله وبمقاومته كلّ ما اعتقده ضارّاً بالصالح العام ومنافياً للمنطق ودائساً مبادئ الأخلاق ومزدرياً بالمناقب... نبيل العلم قائد مقاوم «استفأدته» الأحداث الجسام التي هبّت علينا طوال ما يقارب ثلث قرن من الزمن. غُيِّب عن المسرح بفعل حقدٍ ظلامي من مكان ما وبفعل ترهّل وانفصام بالشخصية من مكان آخر... اشتركت في تغييبه عن مسرح الأحداث قوىً عديدة، قاسمها، أو قل جامعها المشترك، انحطاط في الرؤى وجبن في المواجهة وحقد أعمى لم يجد من يحطّمه ويدوسه ويرميه في مزبلة التاريخ. خلال العشريات الثلاثة الأخيرة، الحافلة بالأحداث الجسام، كان وضعٌ بأمسّ الحاجة إلى من أمثاله... صحيح أنّ المقاومين الأشدّاء أصبحوا بالآلاف، لكنّنا، بتواضع المقتدر والعارف، نقرّ بحاجتنا إلى الكثير من أمثاله... ذهب تاركاً فينا طعم مرارة حاد نتيجة حرمان ظالم لا مبرّر له ولا سبب؛ ذلك أنّ وعينا يصرخ: أهكذا يعامل الأبطال؟


كنت موعوداً بلقائه لأستعرض وإيّاه مشروعاً حلمت به في الستينيات

في الوقت الذي يئنّ لاوعينا تحت وطأة ظلم ما بعده ظلم: رجلٌ شهد لعقيدته ولمعتقده بكلّ ما يملك، ليجد نفسه متروكاً، مهمَلاً، يتعمّد المعنيون إهمال ذكره في عديدٍ من المناسبات المذكّرة بما فعل. عندما تطرح الأمور ضمن هذه الأطر تتملكني الغيرة من المؤمنين بخالقٍ يسهر على تفاصيل حياتنا ويعدنا بعدله في السماء؛ ذلك أنّ الذين مثلنا ليس لهم من مكافأة سوى البقاء في ذاكرة الناس الذين أحبّوا وضحّوا من أجلهم، والذين لا دين لهم سوى الحياة الممثّلة بالإنسان في أبهى تجلياته، والذين يعبدون مكوِّن هذا التجلي بسببه هو، آية من آيات الحياة المتّصفة بالعزّة و الكرامة والنبل.
سيّداتي، سادتي
حتى الأمس القريب كنت لا أزال موعوداً بلقائه لأستعرض وإيّاه مشروعاً حلمت به في ستينيات القرن الماضي وتشاركنا لاحقاً بالتخطيط لإنجازه عبثاً، لأنّ الرياح هبّت بما لا تشتهي سفننا: اعتقدنا أنّ الحياة ستمنحنا برهة راحة من أعباء النضال في سبيل أمّتنا، وأنّ بإمكاننا أن نبني سفينة صغيرة نجوب فيها بحرنا، الصغير بحجمه والكبير بتاريخه، باحثين عن جذور الحضارات القديمة المنتشرة في موانئ هذا البحر، مستطلعين ما بنى أجدادنا على سواحله من حواضر ومن متّحدات... إنّ الريح الأخيرة التي عصفت بحياته تركت في حلقي وفي حلق أصدقائه طعماً مرّاً لا يُقاس بمقياس.
إنّني أشكر منظّمي هذا التكريم، وأشكر الحضور الكريم وكلّ مَنْ تضامنَ ويتضامن مع هذا الحدث المندرج تحت عنوان الوفاء لمناضلينا وتحت عنوان مواجهة كلّ ما ومَن انتمى إلى «دواعش» هذا الزمن.
الكرامة والعزّة للنبيل الذي ضحّى بحياته من أجل سلامة أمّته وعزّتها، والخلود للعلم الذي سطّر صفحة مضيئة في تاريخنا الراهن.
* كلمة أصدقاء المكرم