كان في الكويت، في آخر عام 1958، مؤتمر لأدباء العرب، وكان في جلسة التوصيات اقتراح لرئيس الوفد اللبناني يرمي إلى تعديل نصّ توصية مفادها إطلاق أسماء الأبطال العرب على الشوارع والمؤسّسات العامة تخليداً لذكرهم (1).

وتعاقبت الأحلام العروبية بانتظار سلوك هذه التوصية مسارها «الطبيعي» إلى التنفيذ، عاصمة عربية بعد عاصمة عربية، جيلاً بعد جيل، حركة نضالية بعد حركة استقلال.
ومرّت الأيام، وتدحرجت السنون، وتعاقبت العقود، سبعة منها، وبقيت بيروت عصيّة على القرار-التوصية-التمنّي، بقيت تحتضن قائمة، غير مشرِّفة، لا منافس لها، من رواسب، مع التأكيد على كلمة رواسب كونها دائماً ما ترقد في القعر، رواسب رموز الاستعمار (كثيرها مذكور في (2) أدناه تجنّباً لتعكير مزاج هذه الغاضبة).
وذهب لبنان إلى حروبه العبثية، ودخلت عاصمته في دورات متتالية من الدمار فالعمار على صخب «راجع... راجع يِتْعَمّر لبنان»، والأمر كان عليه أن يشكّل «نافعة» للضارّات المتكرّرة تلك، كي تأخذ توصية ذيّاك المؤتمر مجراها إلى التنفيذ: «محواً للأثر الاستعماري...». ولكن... لم تكن!
بل توالت تسميات، وفي غالب الأحيان نزولاً عند رغبات «شعبوية» من هنا أو تقديمات «نقدية» من هناك، وغاب عنها الفكر وغيّبت معها تضحيات الحركات النضالية والتحرّرية الاستقلالية، ومع كلّ ذلك، غابت أسماء الأبطال، أبطال العرب، السبب الأساس لتلك ولكلّ توصية تحرّرية إنسانية وجدانية.
وإن كان على لبنان الإبقاء على بعض الأسماء الأجنبية عملاً بمفهوم «أن تكرّم جميع القيم الإنسانية السامية»، أو من قِيَم «أسماء بعض جهابذة الفكر في الدنيا الواسعة»، إلّا أنّ بيروت بقيت «معتزّة»، ويا عيب، «معتزّة» بأسماء المُسْتعْمِر، حتى إنّه تدنّى انحدارها إلى اسم ضابط مخابرات أجنبي، هذا إلى جانب أسماء العاملين على تقسيم المنطقة إلى بلاد وعباد، مُتكاتفين مع الذين خطّطوا لتجزئة المُجزّأ فيها. فذهبت الآمال مع الرياح التي كان «يشتهيها الحُلُمُ».
وأقرأ في «الويكيبيديا» (وما أدراك!) وبكلمات إحدى القنوات الإعلامية الشهيرة: «للأسف لقد مرّت مدن تركت ثقلها ونكساتها ونكباتها وصور زعمائها وقياداتها على شوارعنا التي تحمل أسماء وطنيين لعبوا دوراً فكريّاً وسياسيّاً ونضاليّاً في مقاومة الاحتلالات». ليردف باحث اجتماعي بالتعليق على حالة لبنان: «أسماء الشوارع لم تكن محطّ إجماع وطني بل هي نقطة خلاف»، وأسأل: وهل هناك من أمر ما هو محطّ إجماع وطني في لبنان؟
وبعيداً عن الحديث الشوارعي، وأمام شحّ المقترح في تسمية المواقع، وبكلّ راحة ضمير، بل عملاً بالواجب الوطني أولاً، والفكري والإنساني الأوسع نطاقاً ثانياً، يمكن استبدال أيّ من الأسماء الاستعمارية، المُدَمِّرة الوظيفة، الواردة في (2) أدناه، ولغيرها ممّا يكون قد فاتنا ذكرها، أن تستبدل بأسماء أبطال لبنان مثال سهى بشارة أو جورج إبراهيم عبدالله، هذا إذا أحجمنا عن تخليد أبطال من بلاد العرب من مصاف جميلة بو حيرد وليلى خالد وعهد التميمي، أو من غسان كنفاني ورفاق الدرب والفكر من الذين استشهدوا مثله في شوارع بيروت. وهل هناك مجال لعسكري من مستوى سعد الدين الشاذلي؟ هل من مكان في ذاكرتكم لعمر المختار وبن بلّا والهواري...؟ ماذا عن سلطان الأطرش ومهدي عامل، (وهل تعلمون ما اسمه الحقيقي؟ لم تسمعوا به، أو وبهما؟ إنما سمعتم بـِ«لورانس»، أكيد).
هذا، ولبنان «الإشعاع»، لبنان تلاقي الحضارات، لبنان «العالمي» كان سيتقدّم الباقين بتكريم شخصيات نضالية من رفعة الجنرال جياب (Giap)، أو ذاك مساعد الطباخ في مطاعم باريس في فترة مؤتمر فرساي للسلام (1919) الذي عَرّف عن نفسه بِـ«نغوين الوطني» الذي دخل التاريخ لاحقاً باسم هو شي مينْه. وإذا كانت بعض الأسماء مستفِزّة لـ«الإجماع الوطني»، مثل تشي غيفارا (Che Guevara) أو فيديل كاسترو (Fidel Castro)، أو زملاء لهما في حركة عدم الانحياز التي كانت تُحيي روح البطولة في أبناء الجيل عند الجماهير «المفجوعة»، فلتكن إذاً أسماء مقبولة من النُّخَب «المدفوعة» من صنف المهاتما غاندي (Mahatma Ghandi) أو جواهرلال نهرو (Jawaherlal Nehru)، أو حتى مارتن لوثر كينغ (Martin Luther King)، لدى استحالة اعتماد مالكولم إكس (Malcolm X) وباتريس لومومبا (Patrice Lumumba) ونيلسون مانديلا (Nelson Mandela). ولأنّ الذاكرة الفكرية والثقافية لا حدود لها تُحَدّ، هلّا نظرتم من بعيد إلى إمكانية ذكر كونفوشيوس (Confucius) أو كو يوان (Qu Yuan) أو تاغور (Tagore) أو محمد إقبال؟ وكي لا يُغالى علينا بنعتنا بالعداء للغرب نذكّر أنّنا لم نمانع وجود أسماء مدام كوري (Madame Curie) أو باستور (Pasteur) أو جان دارك (Jeanne d’Arc) تأكيداً لمفهوم «أن تكرّم جميع القيم الإنسانية السامية».
وهل يُسمح لنا أن نسأل ما هي المعركة التي خاضها لبنان في فردان؟ وأقرأ على «الويكيبيديا»: الفردان؟ وعَمّاذا تحرّرنا في هذه المعركة؟ هذا، بعد الملاحظة أنّ الشارع الراقي (كان) تمّت تسميته منذ زمن أليم، وما زال، باسم الرئيس الشهيد رشيد كرامي، غير أنّ المسؤولين عن الأمر و«متابعيهم»، الـ«Followers» من أهل «الموضة»، ما زالوا يصرّون على الفردان بِأَلْ التعريف التي، يبدو، أنّ لبنان قد انتصر فيها في موقعة «أرمَجدون» على يأجوج ومأجوج، «أو أنا غلطان؟». وإذا كان لا بد من إرضاء أجدادنا الغوليين (Nos Ancêtres les Gaulois)، فليكن اسم ساحة الباستيل (Place de la Bastille) بدلاً من ملعب دي شايلا (Stade de Chayla).

توالت تسميات، وفي غالب الأحيان نزولاً عند رغبات «شعبوية» من هنا أو تقديمات «نقدية» من هناك، وغاب عنها الفكر وغيّبت معها تضحيات الحركات النضالية والتحرّرية


أمّا إذا كان من ضرورة لتسمية شوارع بأسماء مواقع ومدن صمدت بُطوليّاً ودحرت العدو، وهي لا شكّ ضرورة، فمِمّاذا تشكو تسميات معركة مارون الراس ووادي الحجير، أو خلّة وردة و... عيتااااا...، كي لا نذهب إلى الأبعد، إلى ميسلون ونازك العابد، وفقاً لتفضيلكم ذكر اسم بطل الموقعة أو موقعة البطولة، وإلى... خيبر. ويبدو أنّه، في لبنان، علينا إعادة التذكير بمجزرة القرى الخمس في عام 1977: يارين - مروحين - أم التوت - الزلوطية - البستان، فاختاروا ما يحلو لكم من أسمائها. ولماذا، بعد مجزرتين محفورتين في الذاكرة الوطنية، شاخصتين في ضمير أحرار العالم ما زالتا، مجزرتين معروفتي الضحايا والمجرمين وداعميهم كما والساكتين (الخُرْس) على جرائم شيطانهم، لماذا لا نسمّي شوارعنا، بجوارحنا، باسم قانا 1 وقانا 2، لا بل ونعمد إلى توثيق فظاعة الحدثين بإقامة ذكرى لكلّ منهما، في كلّ عام، في شارعها؟؟
هل نضبت عقولكم من الأفكار؟ هل تريدون المزيد؟ لأنّه يوجد المزيد على المزيد.
أمّا في حال أردتم تأبيد النمط الاستـِ..ْ.مَاري (أيّها القارئ، اِملأ الفراغ بالحرف الذي يروق لك) السائد، فأسماء هيل وهوف وشينكر حاضرة ولن تفيدنا بِشيّا، أما اسم هوكشتين، فسيتطلب إعادة ترسيم كاملة لشوارع العاصمة برمّتها.

هوامش
* إنّ الكلمات الواردة بين «هلالين» قد لا تعني بالضرورة ما تعنيه.
(1) الدورة الرابعة - مؤتمر الأدباء العرب - الكويت 20 - 28 كانون الأول سنة 1958،
وبعد، فالوفد اللبناني الذي أفعم قلبه سروراً بما توصل إليه المؤتمر لم يعد له ما يقال على هذه المقرّرات والتوصيات سوى رجاء إبدال كلمة واحدة بكلمة واحدة: في التوصيات العامة البند السادس:
«يوصي المؤتمر الحكومات العربية بإطلاق أسماء الأبطال العرب على الشوارع والمؤسّسات العامة تخليداً لذكرهم ومحواً للأثر الأجنبي في مدننا وإحياءً لروح البطولة في أبناء الجيل».
يطلب الوفد اللبناني الاستعاضة عن كلمة الأجنبي بكلمة الاستعماري «ومحواً للأثر الاستعماري» لأنّ من شيم الأمة العربية وهي أمة عريقة في المجد، أن تكرم جميع القيم الإنسانية السامية، ولأننا نريد أن نشهد في عواصمنا مكان الأسماء الاستعمارية أسماء بعض جهابذة الفكر في الدنيا الواسعة.
الوفد اللبناني: الدكتور سليم حيدر، رئيس الوفد - الأستاذ رئيف الخوري - الدكتور سهيل إدریس - الأستاذ صلاح الأسير - الأستاذ يوسف غصوب - الأستاذ زيدان زيدان (صحافة) - الأستاذ مصطفى المقدم (صحافة) - الأستاذ فؤاد حبيش (نشر) - الأستاذ بهيج عثمان (نشر).
(2) من أسماء شوارع بيروت (من دون احترام أيّ تسلسل): جورج بيكو Georges Picot، سبيرز Spears، غورو Gouraud، كليمنصو Clémenceau، فوش Foch، ويغاند Weygand، أللنبي Allenby، بلسّ Bliss، برتوي Perthuis، فردان Verdun، كولومباني Colombani، مونو Monot، ليون Lyon، شيراك Chirac، شارل دي غول Charles de Gaulle، هوفلين Huvelin

* كاتب لبناني