بين روسيا والغرب تشابك في المصالح يصعب تفكيكه دون أن يتفكّك العالم، وبينهما في الوقت ذاته صراع دارت وتدور رحاه في غير مكان منه، من العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى أوكرانيا التي أمكن لها في الوقت الرّاهن أن تكون الميدان العملي لهذا الصّراع العالمي بين روسيا، من جهة، والولايات المتّحدة الأميركيّة وحلفائها من جهة أخرى. وعلى ضوء هذا الصّراع تتكشّف نوايا ويتكوّن عالم جديد تبدو فيه أوروبا نجماً آفلاً، وأميركا طرفاً في صراع تقوده بدماء وإمكانات حلفائها بينما تتمدّد أوكرانيا جثّة ممزّقة يرقص فوقها مهرّج جاءت به ثورة ملوّنة من عالم الفنّ إلى عالم السياسة ليقبل بدمار بلاده على مذبح الأحلاف الدوليّة. أمّا روسيا بقيادة بوتين، فتتمظهر كقوّة تقود محوراً صاعداً يسعى إلى رسم معالم عالم جديد متعدّد الأقطاب بدلاً من عالم القطب الواحد الذي تقوده الولايات المتّحدة منذ ثلاثة عقود ونيّف.

في هذا الإطار، تعمل اليوم القوات المسلّحة الروسية، جنباً إلى جنب مع وحدات الدفاع عن النفس في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، في سبيل تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة بتصميم وإصرار عظيمين من أجل وضع حد للتمييز الشنيع والإبادة الجماعية للشعب الروسي والقضاء على التهديدات المباشرة لأمن الاتحاد الروسي، والتي تتسبّب بها بشكل مستمرّ الولايات المتحدة وأقمارها الصناعية المنتشرة في الفضاء الأوكراني منذ سنوات.
وتوضيحاً للحقائق، يقول وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف، في مقالة نشرتها جريدة «ازفستيا»، إنّ الغرب ومن يدور في فلكه قد دأب على استفزاز روسيا قبل الحرب الأوكرانيّة بوقت طويل، أمّا أوكرانيا فكانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير. وهو يقدّم على ذلك أمثلة كثيرة، فيذكر، على سبيل المثال لا الحصر، ما حصل في العراق وسوريا وليبيا من خداع للعالم كان من نتيجته تدمير بلدان وقتل أعداد لا تحصى من المدنيين.
كذلك هو يذكر ما حصل في أوكرانيا شباط 2014، حين أقدم الغرب، ممثلاً بوزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا، على إجبار الرئيس فيكتور يانوكوفيتش لتوقيع اتفاق مع المعارضة لإنهاء المواجهة وتعزيز الحلّ السلمي للأزمة الأوكرانية الداخلية عبر إنشاء حكومة وحدة وطنية انتقالية والدعوة إلى انتخابات مبكرة تجري في غضون أشهر قليلة، ليتّضح فيما بعد أنّ ما حصل لم يكن إلاّ خديعة كبرى، ففي صباح اليوم التالي، نظمت المعارضة انقلاباً موجّهاً بشعارات عنصرية مناهضة لروسيا. من دون أن يحاول الضامنون الغربيون تصحيح المسار والعودة إلى الاتّفاق.
يضيف لافروف: وفي شباط 2015 مهدت جهود روسيا وألمانيا وفرنسا الطريق لوقف الحرب بين كييف ودونيتسك ولوغانسك بتوقيع اتفاقيات مينسك. وفي هذا الميدان كذلك لعبت برلين وباريس دوراً استباقياً وضامناً، لكنّ هذين البلدين لم يفعلا شيئاً خلال السنوات السبع التي تلت ذلك، لإجبار كييف على بدء حوار مباشر مع ممثلي دونباس للاتفاق على مسائل من ضمنها الوضع الخاص، والعفو، واستعادة العلاقات الاقتصادية، وإجراء الانتخابات، هذا مع العلم أنّ اتفاقيات مينسك، كانت قد حازت على موافقة مجلس الأمن بإجماع أعضائه. لقد التزم القادة الغربيون الصمت عندما اتخذت كييف خطوات انتهكت بشكل مباشر اتفاقيات مينسك خلال حكم كلّ من بيتر بوروشينكو وفلاديمير زيلينسكي. علاوة على ذلك، ظل القادة الألمان والفرنسيون يقولون إن كييف لا يمكنها الدخول في حوار مباشر مع جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، ملقين باللوم على روسيا في كل شيء، في الوقت الذي كانت فيه روسيا هي الدّولة الوحيدة التي تضغط من أجل تنفيذ الاتفاقات.
لقد كانت حزمة مينسك خديعة أخرى من خدع الغرب، هكذا يصفها سيرغي لافروف، ألم يقل بيتر بوروشنكو في 17 يونيو 2022 إنّ: «اتفاقيات مينسك لا تعني لنا شيئاً، ولم يكن لدينا أي نية لتنفيذها... هدفنا هو إزالة التهديد الذي واجهناه... وكسب الوقت من أجل استعادة النمو الاقتصادي وإعادة بناء القوات المسلحة. لقد حققنا هذا الهدف. أنجزت المهمة التي كانت من أجلها اتفاقيات مينسك». وها هو الشّعب الأوكراني يدفع من رزقه ودمه ثمن هذه الخديعة.
لطالما أجبر الغرب الأوكران على قبول نظام النازيين الجدد المعادي لروسيا. ومن ثمّ قامت برلين وباريس بإخراج وثيقة مينسك عن مسارها الطبيعي عبر حماية كييف في رفضها الالتزام بالوثيقة.
في كانون الأول 2019، حصل زيلينسكي على فرصة لتنفيذ اتفاقيات مينسك بعد قمّة تنسيق نورماندي في باريس. في الوثيقة الختامية المعتمدة على أعلى المستويات، تعهّد الرئيس الأوكراني بحل المسائل المتعلقة بالوضع الخاص لدونباس. بالطبع، لم يفعل شيئاً، بينما تسترت برلين وباريس عليه مرة أخرى. تبين أنّ الوثيقة وجميع الدعاية المصاحبة لاعتمادها ليست أكثر من سرد مزيف روجت له أوكرانيا والغرب لكسب بعض الوقت لتزويد نظام كييف بالمزيد من الأسلحة.
وعد الغرب هو الخداع إذاً، وهو بتعاونه مع الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية قد كشف عن قدرته على تدبير حوادث وهمية ليس أوّلها، ولن يكون آخرها، عمليات التسمم المحتملة لسكريبال وأليكسي نافالني. في كلتا الحالتين، أرسلت روسيا طلبات متعدّدة إلى لاهاي ولندن وبرلين وباريس وستوكهولم، لكنّها لم تتلقّ أيّ ردّ.
وفوق هذا وذاك تبرز أسئلة كثيرة أخرى تتعلق بالأنشطة السرية للبنتاغون في أوكرانيا والتي يتم تنفيذها من خلال وكالة الحدّ من التهديدات الدفاعية. إنّ الآثار التي اكتشفتها القوات المشاركة في العملية العسكرية الخاصة في المختبرات العسكرية البيولوجية في الأراضي المحرّرة في دونباس والمناطق المجاورة تشير بوضوح إلى الانتهاكات المباشرة لاتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية والتكسينية. قدّمت روسيا الوثائق إلى واشنطن ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبموجب اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية طالبت بإيضاحات، لكنّ الولايات المتّحدة وكعادتها أخفت الحقائق وبرّرت أفعالها بالقول إنّ جميع الأبحاث البيولوجية في أوكرانيا كانت سلمية ومدنية بطبيعتها.
بعد كلّ ما يحصل في العالم من نشر للأمراض وتدمير لاقتصادات الدّول، ألا تستدعي أنشطة البنتاغون العسكرية والبيولوجية في جميع أنحاء العالم، وخاصة في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، اهتماماً وثيقاً في ضوء الأدلة المتزايدة على التّجارب الإجرامية مع أخطر مسببات الأمراض من أجل صنع أسلحة بيولوجية يتم إجراؤها تحت ستار البحث السلمي؟!
وفي إطار ليس ببعيد عن الحروب البيولوجيّة، يطرح سيرغي لافروف قضيّة الحروب الإعلامية فيشير إلى قدرة الغرب على اختلاق القصص والترويج لها على أنّها حقائق ليثار حولها ضجيج إعلامي يشعر المتابع بخطورتها، وفي الوقت ذاته يمنع وصول الناس إلى المعلومات البديلة، وعندما يثبت بطلان أيّ من هذه الوقائع المختلقة يتم تجاهل الأمر بكلّ بساطة.
إنّها لعبة خطرة في الحرب الإعلامية إذ يتم استخدام مثل هذه المنتجات كذرائع لأعمال مادية للغاية مثل معاقبة الدول التي يتمّ تصنيفها مذنبة بالعقوبات، وشن العدوان الوحشي ضدها والتّسبّب بسقوط مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. كما حدث على وجه الخصوص في العراق وليبيا. أو كما في حالة أوكرانيا، التي يتم استخدامها كمادة قابلة للاستهلاك في الحرب الغربية بالوكالة ضد روسيا.
كلّ ذلك يستدعي وعياً لدى السياسيين الأوروبيين على وجه التّحديد، ينبغي لسياسيي أوروبا أن يتّسموا بالمسؤوليّة ليدركوا عواقب ما يحصل، لكنّ ذلك لا يبدو ممكناً إذ لم يحاول أحد في «الناتو» أو الاتحاد الأوروبي توبيخ قائد القوات الجوية الألمانية، وهو جنرال يُدعى إنغو جيرهارتس، الذي تمّت ترقيته وهو الذي قال إن «الناتو» يجب أن يكون جاهزاً لاستخدام الأسلحة النووية. وأضاف: «بوتين، لا تحاول أن تنافسنا».
لقد خلق الغرب منذ عام 2014 نظام الرهاب الروسي، هذا الرهاب الذي أتى بزيلينسكي إلى السلطة من خلال انقلاب. زيلانسكي هذا هو مهزلة ووضعه أمام المنتديات الدّوليّة ليلقي خطباً عاطفيّة وفي حال طرح طرحاً مقبولاً يقوم الغرب بضربه على يده وبإسكاته، مهزلة أخرى.
الحرب في أوكرانيا باتت تشكّل تهديداً لأوروبا لكن لا يبدو أنّ أوروبا قادرة على تعديل المسار ففي الوقت الّذي يشير فيه منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزي بوريل، إلى ضرورة «انتصار أوكرانيا في ساحة المعركة»، وبالتالي إلى أنّ الديبلوماسية قد فقدت قيمتها كأداة في الأداء المرحلي للاتحاد الأوروبي. نجد أنّ أوروبا هي الخاسر الأكبر فهي تصطفّ في جبهة مناهضة لروسيا وتتضرّر في الوقت نفسه من العقوبات الطّائشة ضدّها، ثمّ نراها تفرغ ترساناتها لتزويد كييف بالأسلحة دون طلب تقرير عمّن سوف يسيطر على الأسلحة أو إلى أين تذهب. وفوق ذلك هي تحرّر سوقها لشراء المنتجات العسكرية الأميركية والغاز الطبيعي المسال الأميركي باهظ الثمن بدلاً من الغاز الروسي المتاح بأثمان معقولة. إنّ مثل هذه الاتجاهات، إلى جانب الاندماج الفعلي بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، تجعل الحديث المستمر عن «الحكم الذاتي الاستراتيجي» في أوروبا مجرّد سراب. لقد أدرك الجميع بالفعل أنّ السياسة الخارجية الجماعية للغرب هي «مسرح فردي». علاوة على ذلك، فهي تبحث باستمرار عن مسارح جديدة للعمليات العسكرية.
والسؤال المطروح هنا: ماذا ستكون نتيجة كل هذه الوقائع المنظورة؟ إنّ الحوادث التي رُسِمت بدماء وعذابات الشّعوب ليست بأي حال من الأحوال متعة بقدر ما هي استعراض لسياسة ساخرة تخلق واقعاً جديداً يتم من خلالها استبدال جميع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وجميع قواعد القانون الدولي بـ«النظام القائم على القواعد». بما يضمن استمراريّة الهيمنة الغربيّة التي تتآكل رويداً رويداً في الشؤون العالمية.
لقد تراجع الغرب بسرعة فائقة عن وعوده للقيادة السوفياتية والروسية بشأن عدم توسّع «الناتو» إلى الشرق وأن لا يعمد أيّ بلد إلى تعزيز أمنه على حساب الآخرين وألّا تدعي أي منظمة دوراً مهيمناً في أوروبا، يقول لافروف في هذا الإطار أنّه سرعان ما أصبح واضحاً أنّ أعضاء «الناتو» لا يحافظون على كلمتهم وأنّ هدفهم هو تفوق حلف شمال الأطلسي. وحتى ذلك الحين، واصلت روسيا جهودها الديبلوماسية، مقترحة إضفاء الطابع الرسمي على مبدأ الأمن المتكافئ وغير القابل للتجزئة في اتفاقية ملزمة قانوناً. اقترحت روسيا ذلك غير مرّة، لكنّها كانت تواجه دائماً بالرّفض فلا ضمانات قانونية خارج «الناتو».
يقول لافروف: لقد ذهب حلف «الناتو»، بقيادة الولايات المتحدة، إلى أبعد من ذلك: إنهم يريدون الهيمنة على منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها بالإضافة إلى المنطقة الأوروبية الأطلسية. لا يبذل أعضاء «الناتو» أي جهد لإخفاء الهدف من تهديداتهم.
من جانبها، أوضحت القيادة الصينيّة موقفها في ما يتعلق بمثل هذه الطموحات الاستعمارية الجديدة، فأعلنت دعمها لتطبيق مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة، وهي في هذا الموقف تتماهى مع الموقف الرّوسي، سنبذل جهوداً متسقة للدفاع عنها جنباً إلى جنب مع حلفائنا وشركائنا الاستراتيجيين والعديد من البلدان الأخرى ذات التفكير المماثل.
يجب أن يعود الغرب الجماعي إلى الأرض من عالم الأوهام. إن الحوادث التي تم افتعالها، مهما طال استمرارها، لن تنجح. حان وقت اللعب النظيف على أساس القانون الدولي وليس الغش. لقد أدرك الجميع مبكراً أنه لا توجد بدائل للعمليات التاريخية الموضوعية حيث يتشكّل عالم متعدّد الأقطاب على أساس احترام مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وهو مبدأ أساسي لميثاق الأمم المتحدة والنظام العالمي.
إذا كان أعضاء التحالف الغربي غير قادرين على العيش وفقاً لهذا المبدأ، ولم يكونوا مستعدين لبناء بنية عالمية حقيقية من الأمن والتعاون المتكافئين، فيجب عليهم ترك الشعوب لتقرّر مصائرها، والتوقف عن استخدام التهديدات والابتزاز، والاعتراف بالحق في حرية الاختيار من قبل البلدان المستقلة التي تحترم نفسها. هذا ما تعنيه الديموقراطية، الديموقراطية الحقّة التي ينبغي العمل لتحقيقها.
يتفكّك العالم بفعل الصّراع بين روسيا والغرب على حلبته، لكن يبدو أنّ روسيا بوتين وحلفائها يناضلون في سبيل أن يتشكّل عالم جديد لم تتحدّد كل معالمه إلى الآن، ولكن يبدو أنّه سيكون مختلفاً جدّاً عن عالم القطب الواحد الذي قادته أميركا وحكمته بالحديد والنار منذ تسعينيات القزن المنصرم. الطريق يبدو طويلاً وشائكاً لكنّ العالم كلّه شاخص بانتظار التّغيير، ومن يدري لعلّ بوتين حين يقف وراء الباب الأوكراني إنّما ينتظر أن تُفتح له أبواب عالم جديد، فلننتظر.

* باحث في الشؤون الاقتصادية والإدارية