أنقذت الولايات المتحدة الأميركية البريطانيين والفرنسيين من الهزيمة في الحرب العالمية الأولى بعد دخولها الحرب في نيسان عام1917، ولولا هذا الدخول لكانت الحرب قد حُسمت لصالح برلين، وبالذات بعد خروج روسيا البلشفية من الحرب إثر عقد معاهدة بريست ــ ليتوفسك في آذار 1918. وفي الحرب العالمية الثانية، كانت هزيمة البريطانيين مؤكدة لولا دخول موسكو وواشنطن في الحرب ضد هتلر في عام 1941. في الحرب الباردة (1947 ــ 1989) كانت أوروبا ميداناً للمجابهة بين الأميركان والسوفيات في ظل ما سمّاه وينستون تشرشل عام 1946 بـ«ستار حديدي يقسم أوروبا أقامه ستالين بين بحرَي البلطيق والأدرياتيكي». جرت محاولة أوروبية واحدة للاستقلال عن صراع واشنطن ــ موسكو حاولها الرئيس الفرنسي شارل ديغول في الستينيات وفشلت.

هنا، لم يكن الضعف الأوروبي الذي جعل واشنطن بمثابة سيارة إسعاف وإنقاذ للأوروبيين في الحروب الثلاث، العالمية الأولى والثانية والباردة، ناتجاً عن أسباب حربية أساساً، بل عن أسباب اقتصادية مع انتقال الثقل الاقتصادي العالمي من الشاطئ الأوروبي الأطلسي إلى الشاطئ الأميركي الأطلسي بالثلاثينيات، وتحوّل نيويورك إلى العاصمة الاقتصادية ــ المالية للعالم بدلاً من لندن بعد أزمة 1929 ــ 1932 الاقتصادية ــ المالية العالمية. ويمكننا هنا تلمّس كيف أن الإنقاذ الحربي الأميركي للبريطانيين والفرنسيين في الحرب العالمية الأولى لم يستطع الرئيس الأميركي وودرو ويلسون تحويله إلى زعامة سياسية أميركية للعالم الغربي الأوروبي ــ الأميركي في مؤتمر فرساي عام 1919 بفعل تمنّع رئيسَي الوزراء الفرنسي والبريطاني، كليمنصو ولويد جورج، وإصرارهما وقدرتهما على تفشيل مشاريع ويلسون ومقترحاته. وهذا كان ممكناً بفعل أن الحقائق الاقتصادية لم تكن بعد قد قالت عن حدوث واكتمال الانزياح للثقل الاقتصادي العالمي من القارة الأوروبية إلى القارة الأميركية الشمالية، فيما كان وضع الرئيس الأميركي هاري ترومان، عندما أطلق طلقة البدء بالمجابهة مع ستالين في الحرب الباردة عام 1947 عبر «مبدأ ترومان»، مختلفاً عن وضع سلفه ويلسون من حيث أنه كان فعلاً عام 1947 هو الزعيم والقائد الأميركي للأوروبيين الغربيين في المجابهة مع موسكو.
في هذا الصدد، يُلاحَظ أن الضعف الأوروبي قد ازداد في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1989 بانتصار الأميركان على السوفيات وتحوّل واشنطن إلى القطب الواحد للعالم، رغم تحوّل المجموعة الأوروبية، التي كانت تسمّى بـ«السوق الأوروبية المشتركة» بفعل معاهدة روما بالخمسينيات، إلى «الاتحاد الأوروبي» بالتسعينيات بفعل معاهدة ماستريخت. والذي هو قد توسع جغرافياً، للشمال الأوروبي في المنطقة الاسكندنافية، وشرقاً نحو الشرق الأوروبي حتى وصل إلى البحر الأسود عند رومانيا وبلغاريا، وأصبح له منذ عام 1999 عملة موحدة هي اليورو بأغلب بلدانه، وأصبح له هيكل سياسي جماعي للتنسيق هو أقرب لمجلس سياسي مشترك يجتمع دورياً وله ما يشبه وزير خارجية للاتحاد الأوروبي مقرّه بروكسل. كما أن محاولات التمايز عن واشنطن، والتي انتهجتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (2005-2021) من خلال محاولات نسجها علاقات اقتصادية متينة مع موسكو، بفعل حاجة برلين للنفط والغاز الروسيين، لم تثمر كثيراً، وإن كانت ميركل قد نجحت في التمايز عن الأميركان وعدم مجاراتهم في التشدد مع موسكو عقب أزمة القرم عام 2014. ويمكن هنا مقارنة سياسة برلين تجاه موسكو في عهد ميركل وفي عهد شولتس بأزمة وحرب أوكرانيا بعام 2022 لتبيان الفرق في المسافة وكيف أن «اليساري» شولتس كان أقرب إلى واشنطن عام 2022 من اليمينية ميركل في عام 2014 وهي زعيمة حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي.

لم يكن الضعف الذي جعل واشنطن بمثابة سيارة إسعاف وإنقاذ للأوروبيين في الحروب الثلاث ناتجاً عن أسباب حربية أساساً

أيضاً، كانت محاولات الرئيس الفرنسي ماكرون للتمايز عن واشنطن منذ عام 2017 فاشلة، سواء دعوته إلى «تشكيل جيش أوروبي» بفترة قال فيها عبارته عن أن «حلف الناتو في حالة موت سريري» أو سواء محاولته بعد نشوب الأزمة الأوكرانية بالشهر الأول من عام 2022 إيجاد حلّ سلمي بين موسكو وكييف والتي أفشلتها واشنطن ولندن، هذا إذا لم نتحدث عن اللطمة أو الصفعة التي وجهتها واشنطن ولندن لباريس في أيلول الماضي عند تشكيلهما لتحالف «أوكوس» الذي يجمعهما مع الأستراليين عندما دفعوا كانبيرا إلى إلغاء صفقة الغواصات الفرنسية للأستراليين واستبدالها بغواصات تشتغل بالطاقة النووية تقدّمها واشنطن ولندن لهم. وقد كان «أوكوس» إعلاناً من واشنطن ولندن، والأخيرة كانت قد اختارت عبر البريكسيت فسخ الزواج مع القارة الأوروبية، عن أن «منطقة المحيطين الهادئ ــ الهندي» هي مركز الاهتمام وليس «القارة العجوز»، وذلك بحكم أن الثقل الاقتصادي العالمي قد انتقل إلى «منطقة المحيطين الهادئ ــ الهندي» في القرن الحادي والعشرين بعد أن كان في المحيط الأطلسي منذ عام 1588 مع انتصار الإنكليز على الإسبان في معركة الأرمادا، فيما كان قبل ذلك، ومنذ أيام الرومان، في البحر الأبيض المتوسط.
هذا الضعف الأوروبي قد زاد استفحالاً مع بدء الحرب في أوكرانيا منذ 24 شباط 2022، حيث بانت أوروبا هشّة للغاية عندما يمسك عصب حياتها فلاديمير بوتين في الغاز والنفط، وعندما تكون إمدادات القمح والأسمدة الزراعية والزيت النباتي تأتي بشكل رئيسي لدول الاتحاد الأوروبي الـ27 من روسيا وأوكرانيا، وعندما يشعر الأوروبيون، وهذا انوجد عند أغلب النخب السياسية والثقافية وفي المجتمع، بأن أوروبا قد عادت ساحة للصراع بين واشنطن وموسكو كما كانت في زمن الحرب الباردة.
بهذا الصدد، كان مرآة لهذا الضعف الأوروبي نزول اليورو بفعل الحرب في أوكرانيا إلى ما يعادل دولاراً واحداً في 14 تموز 2022 فيما كان 1.17 بالقياس للدولار في شهر تشرين الثاني 2021.

* كاتب سوري