داخل مبنى زجاجي حداثي الطابع على الضفة الشرقية لنهر التيبر المقابلة للفاتيكان يرقد مذبح السلام الأغسطي. المبنى القشرة هو المتحف الذي صمّمه المعماري الأميركي ريتشارد ماير، والذي نال قسطه من الجدل والتوبيخ من قبل الإيطاليين، ولكن المثير للجدل أكثر هو هذا المذبح الصغير الرخامي داخله. فبالرغم من حجمه الصغير كان إحدى أهم أدوات أغسطس في إدارة الإمبراطورية. هذا الرجل الذي أظهر الحنكة منذ عمر صغير وعرف أن الدهاء سلاح يضاهي القوة فعاليةً، وبهذا الدهاء استخدم أغسطس السلم -الأمر الأكثر لا رومانية على وجه الخليقة- لقمع أي منافسة له في الحكم.

(أ ف ب )

يقدّس الرومان العنف والقوة، ويرونهما من مكارم الأخلاق. وكان الوصول إلى قمة السلطة يتطلب، أولاً، من الناحية القانونية، أن يخوض المرء (السيناتور) غمار الحرب لمدة عشر سنوات على الأقل، ويفتح «المجاهل البربرية» ويضمها إلى الإمبراطورية «المجيدة». ثانياً، عليه أن يفرض ترشحه على أقرانه ومنافسيه بشعبيته، وهي بدورها أيضاً تطلب منه أن يدخل روما منتصراً ومكلّلاً بالغار مراراً، محمّلاً بالكنوز وجارّاً من خلفه قوافل العبيد والأسرى. لذا فرض أغسطس السلم على الرومان وأغلق الباب على منافسيه من النخبة الحاكمة وكسر شوكتهم بعد أن سيطر على ما يسميه الرومان بالجزء المفيد من العالم، وهكذا دشّن ما أصبح يُعرف اليوم بـ Pax Romana، أي السلم الروماني، وهو تعبير عن فترة السلم النسبي الذي ساد المتوسط بعد أن بسط الرومان سيطرتهم عليه في عهد أغسطس. وبالمناسبة، السلم في المفهوم الروماني هو الإخضاع التام لكل الخصوم والسيطرة على كل الموارد وإعدام أيّ منافسة، وهي رؤية يشاركهم فيها الأميركيون، بدليل استعارتهم للتعبير ذاته: Pax Americana.
إذاً، استخدم أغسطس السلم سلاحاً لإخضاع خصوم الداخل ولكن كيف ساعده ذلك في السيطرة على المستعمرات والتحكّم بها؟ الجواب يمكن قراءته من خلال جدران هذا المبنى المتناهي الصغر، الخطير في المعنى والتوظيف، أي مذبح السلام الأغسطي، وهو عبارة عن حجرة صغيرة، «قدس أقداس»، مصنوعة من الرخام الكامل، لها بابان متقابلان، يُفتحان في حالتين فقط؛ في حالة الحرب، وفي الموعد السنوي لتقديم الذبائح لآلهة السلم. افتخر أغسطس أن المذبح قلّما فتح أبوابه للحالة الأولى في عهده. وعلى جدرانه تصاوير بارزة تمجّد الآلهة الرومانية، ويظهر فيها عدد من الأطفال بأزياء «فولكلورية»، إن صح التعبير، لشعوب «غير» رومانية، وهؤلاء هم ما اصطلح على تسميتهم بـ«نذور الإمبراطورية»، بحسب البروفيسورة في تاريخ العمارة ديانا كلاينر، التي أجرت بحثاً خاصاً حول هؤلاء الأطفال بعنوان «نذور الإمبراطورية».
كان على الملوك والحكام الخاضعين لسيطرة روما إرسال أبنائهم وأولياء عهدهم كرهائن، أو، بتعبير أكثر نبلاً، كنذور يثبتون فيها ولاءهم وإخلاصهم للإمبراطورية. وهؤلاء الأطفال كانوا يُستخدمون كبوليصة تأمين تحمي روما من أي ثورات محتملة من قبل الآباء، إلا أن أغسطس أحدث تطوراً جذرياً في هذا الشأن، إذ ضمّ هؤلاء الأطفال إلى بيته وعاملهم معاملة الأب وأنشأهم تنشئة الرومان، لكنه حرص، في الوقت ذاته، على الحفاظ على مظهرهم التقليدي، وبهذا الحجر كان قد رمى عصفورين؛ الأوّل أن هؤلاء الأطفال سيعودون لحكم بلادهم وأهلهم كرومان ولمصلحة روما، ويستقبلهم شعبهم كعائدين منقذين، ولكن هذه المرة سيخدمون روما راغبين غير مرغمين، فقد تمّت إعادة برمجتهم بالكامل وأصبحوا روماناً في العقل والقلب وينظرون إلى الإمبراطور نظرة الأب. أمّا الحجر الثاني، فقد رماه أغسطس وأصاب به طموحات النخبة المنافسة له على كرسي الحكم في مقتل؛ إذ حرص على إفهام الجميع أن مستقبل المستعمرات بيده وحده وداخل أسرته، ولن تنفع المؤامرات ضده مع أي من المستعمرات. وبالنسبة إلى إمبراطورية مثل روما أصبح اقتصادها واقتصاد نخبتها معتمديْن بأساسياتهما ورفاهياتهما على المستعمرات، فإن المسألة لا تحتمل المخاطرة والتمرّد.
من المهم فهم سياق السلام الأغسطي جيّداً، فعندما كان أغسطس لا يزال مراهقاً خضّت روما أزمة علاقة كل من يوليوس قيصر ومارك أنتوني بكليوبترا، وقد اقترفا خطيئة مميتة بإدخال مصر، الخاضعة لحكم الرومان، كلاعب سياسي يتدخل في شؤون الإمبراطورية، لا بل يقسم الولاءات في داخلها. أثّرت مصر وعلاقتها بروما في حياة أغسطس مباشرة منذ صغره، وشكّل اغتيال قيصر، عمّه بالتبني، وتحالفه ثم انقلابه على مارك أنثوني مفاصل رئيسية من سيرة حياته. ما فهمه وأراده أغسطس من مصر وبقية المستعمرات كان امتثالاً كاملاً لروما عن طريق امتثال أبناء الحكام له شخصياً كحاكم واعتبارهم له كأب قبل أن يكون إمبراطوراً، والأهم من ذلك ضمان عدم دخولهم الحياة السياسية الداخلية لروما، فلا يشقون نخبتها عنه ولا تستطيع النخبة التقرّب منهم بالمقابل. وهكذا نجح أغسطس حيث فشل عمّه بالتبني، يوليوس قيصر، الذي اغتيل لمحاولته إنهاء الجمهورية، بينما دشّن أغسطس العهد الإمبراطوري وطال عمره وحكمه أكثر من أيّ حاكم روماني آخر.

تركة أغسطس
لا بد أن ما فعله أغسطس كان ملهماً لنواحٍ عديدة لكثير من القادة الأوروبيين. أولى هذه النواحي هي احتكار العنف، كما رصده نوربرت إيلايس في بحثه حول عملية التحضر ونزع سلاح الخصوم والأمراء المتحاربين، وإعادة دمجهم داخل وظائف الدولة وإعادة تعريف قواعد التنافس بين هذه النخبة في أوروبا، وصولاً إلى ما قام به لويس الرابع عشر بالأرستقراطية من عملية تدجين مقصودة حوّلت المنافسين على السلطة، من نخبة ذات شعبية وقوة عسكرية، إلى نخبة مرفهة معزولة عن أي أقاليم ذات أهمية ومسجونة بين جدران فرساي تتنافس في الموضة والإيتيكيت في ما بينها لنيل رضى الملكية المطلقة التي احتكرت العنف بنجاح منقطع النظير.
لم يكن محمد بن سلمان يوماً النهاية المتوقّعة أو المرجوّة أميركياً لخط وراثة آل سعود، خصوصاً أنه على عكس عدد من أبناء عمّه المؤهلين لم يتربَّ تربية النذور


من ناحية أخرى، علاقة الحاكم بالمستعمرات وأثر ذلك في توازن القوى الداخلي؛ مثلاً، حينما شعرت الملكة فكتوريا أن صلاحياتها كملكة محدودة، وأن صورتها أمام العامة قد اضمحلّت، لجأت إلى المستعمرات، وعيّنت نفسها إمبراطورة على الهند، وهو كان رسالة للنخبة الحاكمة بأن لها وزناً وأهمية لا يمكن إغفالهما، فالمستعمرات لأي إمبراطورية، بثرواتها وغنائمها، تعيد تشكيل اقتصاد ومجتمع «البلد الأم» مع الوقت، وتصبح مصدر إدمان لا غنى عنه، وفي أغلب الأحيان تصبح أثمن مقدرات الإمبراطورية، أكثر من المتروبول نفسه.
أمّا أهم النواحي، فهي تركة تربية النذور. فالبريطانيون، مثلاً، أتقنوا الحرفة، إلى الحد الذي خلقوا فيه نخبة هندية حاكمة تؤمن بأصلها الآري النبيل وتأسف للقدر الذي تركها بين هؤلاء الهنود الأشقياء. هذه النخبة التي مكّنت جزيرة صغيرة مثل بريطانيا من السيطرة على شبه القارة الهندية، خلقتها بريطانيا باستخدام مزيج من القوانين والأنثروبولوجيا، والأهم المدارس الداخلية والكليات الحربية وأهمّها كلية ساندهيرست العسكرية التي درس فيها أمراء وأبناء الحكام المحليون للمستعمرات البريطانية – بمن فيهم حكام بلادنا. من بعد اتفاقية كوينسي ورث الأميركيون منطقتنا، وهم أيضاً تابعوا تقليد النذور هذا، وهكذا بدأت نخب الدول المستقلة صورياً بإرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للتربية قبل التعليم، وأصبحت جامعات مثل جورج تاون تخرّج أبناء النخبة الحاكمة في الدول المستقلة صورياً. وعلى رأس هؤلاء نخبة آل سعود.
تأقلم الأميركيون مع التغيرات التي فرضها عصر الحرب الباردة، ولم يعد أبناء الحكام وحدهم بوليصة تأمين كافية، لهذا عملت برامج صندوق دعم الديموقراطية، ومؤسسات كـ«فورد» و«روكفيلر»، وغيرهما، على تدريب وابتعاث نخبة من أبناء البلدان المستهدفة، ليعودوا إلى بلدانهم «دعاة ديموقراطية» يروجون برامج ومصالح الإمبراطورية لأبناء جلدتهم. هذه النخبة هي أولاد شيكاغو في التشيلي، وأولاد هارفرد في روسيا، وأولاد بريمر في العراق، وهم من يروّج للجرائم الإمبراطورية بحق شعوبهم على أنها مصلحة وطنية لا مفر منها. هذه النخب، من زيلينسكي وغوايدو إلى الموظفين وقادة الأحزاب، لا يدركون معنى أن يكونوا نذوراً، ولا يعون أنهم مصمَّمون ليتم التضحية لا لأجلهم.

نصف تمرّد
لم يكن محمد بن سلمان يوماً هو النهاية المتوقّعة أو المرجوّة أميركياً لخط وراثة آل سعود، خصوصاً أنه على عكس عدد من أبناء عمّه المؤهلين لم يتربَّ تربية النذور ولم يتعلّم أو يتدرّب على أيد أميركية. وفوق كل ذلك، شخصيته صعبة المراس يصعب سياستها، لهذا فهو، في نظر الأميركيين، شخص خطير على مصالحهم في المنطقة. كل هذا جعل من تسلّقه سلم الشرعية محفوفاً بالتحديات ودفاتر الشروط من قبل الإدارات الأميركية. لم يكن ابن سلمان أهلاً للمهمات التي تكلّف بها، وهكذا بدأ الشرخ بينه وبين الإدارات الأميركية يتسع باتساع رقعة الفشل والإهانات والنبذ والأثمان الباهظة التي دفعها الرجل «دية» لكرسيه.
إن أهم اختبار اضطلع وفشل به ولي ولي العهد السعودي هو العدوان على اليمن، برّرت السعودية العدوان على أنه دفاع عن الشرعية. لكن، شرعية من التي تبحث عن اعتراف في هذه الحرب الإجرامية؟ الحقيقة أن صراع الشرعية الذي يخاض بدماء اليمنيين لا يدور حول من يحكم اليمن بل حول من يحكم السعودية، خصوصاً أن ابن سلمان لم يفشل في تحقيق المصالح الأميركية في المنطقة فحسب، بل ساعدت حربه على تطوير قدرات حركة «أنصار الله» وتوسعة تحالفاتها المحلية وتنمية خبراتها وتعميق شعبيتها وشرعيتها، الأمر الذي يقلب الموازين في المنطقة.
مع تراكم المآزق والإهانات، ومغازلة بوتين لحلفاء أميركا الإقليميين منذ سنوات، والفرصة الذهبية التي سنحت مع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وما نتج عن ذلك من عقوبات وأزمة طاقة، وجدنا ابن سلمان يعلن تمرّده على واشنطن ويرفض رفد السوق النفطي للتخفيف من حدة الأزمة النفطية التي تسببت بها العقوبات الأميركية. وإن كان التمرّد هو قمّة الحنكة والمنطق، فإن نصف التمرّد للكبرياء المجروح هو انتحار سيدفع ثمنه ابن سلمان، كما دفعه عمّه فيصل، أو صدام حسين، أو معمر القذافي، لأن أميركا كحليف أخطر من أميركا كعدو.
لا يهم شكل الانتقام الأميركي من ولي العهد السعودي حينها، المهم أن الإمبراطورية لن تغفر التمرّد ولو بعد حين، ولن تغفر خطايا ابن سلمان الأخرى التي من أخطرها أنه تجرأ على التدخّل في السياسة الداخلية الأميركية وحاول التأثير في صناعة القرار وترجيح كفة حزب على آخر، خصوصاً في الانتخابات الأخيرة. ويبدو من تحرّكات ابن سلمان الإقليمية الأخيرة أن ما قام به كان مجرّد نصف تمرّد واعتراض، وأنه أتم صفقة مع الأميركيين ستتوّج خلال زيارة بايدن المقبلة، وفيها سيدق مسماراً في أحد نعشين؛ فإمّا يروّض ابن سلمان ويدفع الثمن آجلاً، وإمّا أن يكون قد نجح في ابتزاز أميركا للقبول به وريثاً للعرش دون تبعات، وهذا إن حدث يعني أن المسمار سيُدق في نعش الإمبراطورية التي وصلت إلى الحد الذي ترضخ فيه لرغبات وابتزاز المستعمرات والمحميات.

* كاتبة عربية