بين الحربين العالميّتين، بدأت إدارات المستعمرات بلحظ أزمة غذائيّة بين سكّانها. وفي عام 1931، تسلّم المجلس الاستشاري الاقتصادي في عصبة الأمم ملفّ الأزمة الغذائيّة في المُستعمرات، وطلب بدوره تقارير ومعلومات من المستعمرات حول الأوضاع الغذائيّة في كُلٍّ منها. وقد عادت هذه التقارير شبه متّفقة على أنّ المشكلة تتجاوز «علم التغذية».

حاكم أنتيغوا (دولة مكونة من أرخبيل يقع في البحر الكاريبي الشرقي على الحدود مع المحيط الأطلسي)، على سبيل المثال، رأى أنّ المُسبّب الرئيسيّ للأزمة الغذائيّة في بلاده هو الفقر، وذلك بناءً على بحوث أُجريت على حالات سوء التغذية في الأطفال، وكان السبب في كُلّ هذه الحالات أنّ الآباء ببساطة ليس بمقدورهم شراء الطعام.
أمّا مدير المصلحة الطبّية في ساحل الذهب (يعرف الآن بغانا) آنذاك، فرأى القضية أبعد من ذلك، رابطاً أزمة الغذاء بالسياسات الاقتصاديّة التي تُركّز على التصدير، وأنّ السياسات الاستعماريّة كرّست الكثير من الاهتمام لزراعة الكاكاو بهدف تصديره، مهملين بذلك حقيقة أنّ معظم المزارعين في القُرى يعيشون أساساً على الطعام الذين ينتجونه في مزارعهم التي حوّلها الاستعمار إلى حقول لزراعة الكاكاو.
إضافةً إلى ذلك، فإنّ معظم الأدلّة التي عادت في تقارير المستعمرات أكّدت أنّ المشاكل الغذائيّة الخطيرة أصلها حديث نسبيّاً، ومرتبطٌ بالاستعمار. وهو ما أشارت إليه أيضاً أودري ريتشاردز، عالمة الأنثروبولوجيا التي كانت عضواً في لجنة البحوث في المستعمرات، عندما كتبت أنّ تغذية شعوب تلك المناطق وصحّتهم تدهورت بعد الاحتكاك بمدنيّة البيض وليس العكس، وأنّ سوء التغذية كان وباءً حديثاً في تلك الفترة.
وفي آذار 1938، جمعت اللجنة تقارير من مختلف المستعمرات وأعدّت مسوّدة تقرير حول أزمة الغذاء. وحدّدت الأخيرة أنّ الفقر، ثمّ الجهل، هما السببان الرئيسيّان لسوء التغذية في المستعمرات، وأنّ الفقر ناجم عن نقص في إنتاج محاصيل الطعام وعن الأجور المنخفضة من جهة، وعن تلقّي المستعمرات عائدات زهيدة مقابل صادراتها الزراعيّة من جهة أخرى. باختصار، وجّهت المسودة أصابع الاتهام بشكل أساسي إلى سياسات المستعمرات والمذهب الاستعماري بشكل عام في ما يخصّ أزمة الغذاء.
لكنّ المسودة هذه لم تُبصر النور، على الأقلّ ليس دون تعديلات جذريّة. اعترضت مجموعةٌ من أعضاء اللجنة على تركيز التقرير على انخفاض المستوى الاقتصادي في المستعمرات، معتبرين أنّ التركيز يجب أن يكون على العناية بأمور الغذاء والتغذية. إثر هذه الاعتراضات، تبدّلت لهجة التقرير من متشائمة إلى متفائلة، وأُهملت المشاكل البنيويّة الصعبة العلاج، وتمّ التركيز عوضاً عن ذلك على مشاكل تقنيّة يُمكن للحكومات أن تعمل على حلّها، ونوقشت الأسباب في التقرير النهائي بطريقة أكاديميّة تقنيّة.
طُرحت أزمة الغذاء في النسخة الأولى على أنّها من شؤون الاقتصاد السياسي، أمّا في النسخة الثانية النهائيّة فاعتُبرت أنّها من شؤون «تعليم الأهالي»، الذين إذا عرفوا ماذا يزرعون وكيف يزرعونه ويطهونه، فسوف يقلّ الفقر وبالتالي المرض أيضاً. وأصبح حلّ أزمة الغذاء يكمن في حشد الخبراء المُناسبين، من أطبّاء وعلماء التغذية والزراعة.
وهكذا، بكُلّ بساطة، تحوّلت أزمة الغذاء في السياسة ولاحقاً في الوجدان العالمي أيضاً، من مشكلة بنيويّة إلى مشكلة تقنيّة حلولها تكون عبر الإمداد بالمكمّلات الغذائيّة التي «تفتقر» إليها شعوب المُستعمرات، وعبر نشر التثقيف الصحّي وتعليم المُجتمعات المحلّيّة طرق الاستفادة من الموارد القليلة لصناعة غذاء كامل متوازن. وهكذا تمّ «تطبية» (تحويلها إلى طبّية) أزمة الغذاء، لتحوّل أزمة سياسيّة بامتياز إلى مشكلة جهل وقلّة معلومات ونقص في الموارد.
وهذه «التطبية» ليست حالةً منفردة، بل هي نهجٌ مُستمرّ. يُجادل كُتّاب كثيرون بأنّ القرن الماضي شهد نزعة متزايدة نحو جعل المشاكل الاجتماعيّة والسياسيّة مشاكل علميّة، «علمنتها»، وطبّيّة، «تطبيتها»، بمعنى أن تُنقل العقدة من المجال الاجتماعي والسياسي الذي يُمكن فيه إنجاز شيءٍ ما بشأنها، إلى مجال الطبيعة فتُقارب المُشكلة كأنّها مُشكلة ثابتة تُحلّ من خلال طرق علميّة يُحدّدها الخبراء.
تُعرّف التطبية أو الـ«medicalization» على أنّها توسّع لوصاية اختصاص الطبّ ليُقارب ويُعالج المشاكل الاجتماعيّة. ما تقوم به «التطبية»، عمليّاً، هو فهم المشاكل السياسيّة أو الاجتماعيّة فهماً طبّياً، وبالتالي تحويل حلولها المطلوبة إلى حلول طبّية.
ويرى البعض أنّ التطبية تُقيّد وقد تقمع استراتيجيّات معالجة الأزمات عبر تفادي الحلول الجذريّة السياسيّة الاجتماعيّة، والتوجّه نحو الحلول الطبّية العلميّة التقنيّة، كما حصل في مقاربة أزمة الغذاء العالميّة في المستعمرات في ثلاثينيّات القرن الماضي.
على سبيل المثال، التعريفات الموضوعيّة للفقر الموجودة اليوم، نزعت الصفة السياسيّة عن أزمة الفقر، وحوّلتها إلى ظاهرة لها تعريفاتها وحلولها العلميّة عبر ثوابت تقنيّة. فأصبح بحث سبل العلاج يقتصر على الإمداد بالموارد الغذائيّة والصحّية، وجمع التبرّعات، ونشر التثقيف الصحّي والتوعية الاجتماعيّة، وبناء مشاريع محلّية لتأمين فرص عمل غالباً ما تكون أقرب إلى فرص استغلال بأجور زهيدة وشروط عمل سيّئة. وتمّ تجاهل الحلول المرتبطة بتغييرات بنيويّة تتعلّق بتوزيع الثروات واستغلال الموارد المحلّية من قبل الشركات الأجنبيّة، وغيرها من العوامل السياسيّة المسؤولة عن الأزمة.
ونهج التطبية لا يزال مُعتمداً اليوم في مُقاربة كثيرٍ من الأزمات الراهنة. على سبيل المثال، يُخصّص موقع منظّمة الصحّة العالميّة قسماً يجري تحديثه بشكل دوريّ تحت عنوان: كارثة اليمن (طبعاً اختيار توصيف كارثة كأنّها ظاهرة طبيعيّة ثابتة له حيثيّاته أيضاً). وضمن هذا القسم، يتناول الموقع الخطوات التي قامت بها المنظّمة لمساندة اليمن في «محنه المتعدّدة»، منها وباء الكوليرا المنتشر في مناطق عديدة في اليمن، والذي يُعدّ، بحسب المنظّمة أيضاً، من أكبر الأزمات الصحّية في تاريخ العالم الحديث. لكنّ مُقاربة هذه الأزمة طبّية وعلميّة بحتة، في التوصيف والحلول. لناحية التوصيف، تُعرّف الأزمة من منظور طبّي يتناول جرثومة الـ vibrio cholera المُسبّبة للمرض، وطرق العدوى والوقاية والعلاج. وأمّا من ناحية الحلول، فتتمظهر تطبية الأزمة عبر الاطّلاع على الاستراتيجيّات التي قامت وتقوم بها المنظّمة، والتي تضمّ تنقية مصادر المياه، وإرشاد الأهالي إلى وسائل النظافة والتعقيم، إضافةً إلى دعم الدولة في إنشاء المختبرات لتشخيص حالات الكوليرا ورصدها بشكل أوسع. فأصبحت سُبل العلاج مرتبطة بحملات تبرّع بالمال والغذاء والسوائل، إضافةً إلى توعية اليمنيّين حول طرق تنظيف مصادر المياه وتعقيمها قبل شربها، كأنّ أصل الأزمة هو الجهل وقلّة النظافة، وحلولها تقنيّة يرشدنا إليها الخبراء والاختصاصيّون من أطبّاء وعلماء آخرين، ويحشد تمويلها مجموعة من المؤثّرين المهتمّين بالقضايا الإنسانيّة التي «لا دخل للسياسة بها».
التطبية نهج وثقافة وسلوك. هي نهجٌ في مُقاربة الأزمات السياسيّة المعقّدة وحلولها، فتخلق ثقافةً عامّة في التعاطي مع المشاكل في المجتمعات، وتُصبح سلوكاً على المستويين الفردي والجماعي. خطورة التطبية في الحقيقة هي أنّها تمييعٌ للأزمات عبر تجاهل جذر الأزمة الحقيقيّ والتوجّه نحو حلول لا تُزعج، لكنّها أيضاً لا تفكّ عقداً بل تُحسّن مظهرها. والمواجهة لا ولن تكون سوى عبر فهم هذا النهج المتغلغل في تفكيرنا ومُقارباتنا اليوميّة، وعبر خلق نهج بديل يعتبر الطبّ جزئيّة في فهم الأزمات المعقّدة، لا مساحةً مُنعزلة تُقذف إليها الأزمات من أجل تجنّب حلّها.

* طبيبة وباحثة لبنانية