لا درب ذهبياً وأنت تقاتل. إنّها مشاقّ المهنة والرسالة. قيل للمقاومين في 2006 و2012 و2019 إنّ الهول قريب. إسرائيل بحممها وقنابلها الحارقة. التكفيريّون «بالذبح جئناكم». وأميركا بالحصار والعقوبات والتجويع. كثر كانوا يرون أنّ المقاومين، عندما يستشعرون مخاطر الزلازل واهتزازات الأرض، سيلمّون حوائجهم ويخرجون حالاً إلى التيه، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. لم تكن تلك الحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية صغيرة. مع الوقت كان عدد المهاجمين والمعتدين ونوع المواجهات وساحاتها وأساليبها يتضاعف لوضع كل مقاوم بين كمّاشتَي الموت قتلاً أو الموت جوعاً. حالة جنون وهستيريا استقرت في أدمغة قطّاع الطرق بين بيروت والجنوب تحديداً. إعلام عدواني وعنصري. سياسيون بغاة. كمائن فتنوية. وأصوات غوغاء تحمّل حزب الله مسؤولية الانهيار. ما بدا في البداية أنّه مجرد فعل طائش، تأكد في ما بعد أنّه كان عملاً منظماً ومرتباً استعدّت له إسرائيل أيضاً بمناورات مكثفة ربطاً بتقديرات محلّليها بأنّ الأزمة الاقتصادية هي معضلة حزب الله وضائقته وأنّه لن يخرج منها إلا ووجهه محروق وأرجله مبتورة. لكنّ الداخل والخارج المعادي للمقاومة لم يستوعب كيف أنّ حزب الله خرج من حرب مدمرة منتصراً، ومِن سيوف المتوحشين أكثر قوة، ثم وقف في وجه العقوبات الخانقة وآماله تصل عنان السماء.


بعد عام 2006، اشتغلت دوائر المخابرات الغربية والإسرائيلية والعربية على منع تمدد نموذج حزب الله المقاوِم إلى بلدان عربية وإسلامية وجهدت على حصره داخل لبنان، ولكن بعد الأزمة السورية وبعد ما يسمى بـ«ثورة تشرين الأول» كان هدف آلة التشويه والتشكيك والتشويش والتضليل والاتهام عزل هذا النموذج عن كل محيطه المحلي. قالوا للناس في الطائفة السنيّة والدرزية والمسيحية: احذروا هذا الحزب. لا تصادقوه ولا تفتحوا له أبوابكم، حافظوا على خنادقكم ومتاريسكم والزموا هويتكم الطائفية في انتظار أوامر المايسترو! أميركا وقوى دولية وإقليمية أخرى مستعلية، كانت مشكلتها ولا تزال أنها لا ترغب في تنظيف نوافذها. مراهناتها على إنزال الهزيمة بالحزب، عبر الشغب العسكري والاقتصادي، كان شغلها الشاغل. (مَن يحمل مطرقةً على الدوام، سيرى كل المشاكل على أنها مسامير). وفي لبنان، قوى لا تريد الانتباه إلى حماقاتها. كل بغيها على حزب الله سرعان ما كان يتهاوى. كل حيلها كان يضيع في الفراغ. ومع ذلك لم يكن بمقدورها مقاومة غواية الاستتباع المذلّ. تاريخ الكومبارس المحلي من بقايا قوى الـ 14 من آذار مع «مشغليهم» فيه الكثير من الكدمات والخيبات. الحروب الغبية التي شنّوها على حزب الله جعلتهم لاحقاً في ظرف صعب. الحريري نال جزاءها بالإبعاد. غيره صار اسمه «المنظومة الفاسدة» التي تريد أندية «NGOs» أن تأكل من صحنه. أمّا منهوباتهم فهي في المنفى الإجباري لا سلطان لهم عليها.
لكن أيّ عمى أصاب هؤلاء وهم شاهدوا بأمّ أعينهم ماذا فعلت أميركا بحلفائها في تونس وليبيا ومصر. عفواً، «أدواتها»، ذلك أنّ الخبرة التاريخية تكشف عن الدونيّة في التعامل مع هذه الفئات. العلاقة مع الولايات المتحدة هي في الغالب مهينة وكارثية على أيّ متعاون وعلى أيّ بلد، وليس لها أصدقاء أو حلفاء أو وكلاء، بل أدوات للاستخدام، كما عبَّرَ عن ذلك وليم كيسي، رئيس الاستخبارات الأميركية السابق، في مذكراته، ومع ذلك يصروّن على القيام بهذه الوظيفة. والأنكى أنهم يطلقون على أنفسهم «السياديون». أوَليس برنارد لويس هو مَن قال عن «السياديين»: «نحن لا نضرب رؤوس حلفائنا في الشرق الأوسط كي لا يرفعوها ثانية. نفعل ذلك لأنهم ترعرعوا على ثقافة العصا». قلنا: قد يحمل الحدث الأفغاني أجوبة عن أسئلتهم. لكن تبيّن لنا أنّ هؤلاء لم يعرفوا في حياتهم إلا الجري وراء سراب مشغّليهم المخادع. إنْ تمّ تبرير هذا الاستخدام بالحاجة إلى العيش، فالحقيقة إنّ اللبنانيين لم يُعدموا في تاريخهم وسيلة للكسب الحلال والتجارة المشروعة المربحة، وإنْ انبرى البعض للتبرير بالحاجة إلى الدعم السياسي فمِن أجل أيّ قضية إنسانية أو وطنية يطلب هؤلاء دعماً خارجياً ضد مكوّن لبناني؟ ألم يطلب سمير جعجع السلاح من إسرائيل، فماذا كانت النتيجة غير المجازر والاغتيالات والتقسيم؟ وسنفترض أنهم فعلوا ذلك بحسن نية ومن أجل المصلحة الوطنية كما هي شعاراتهم المرفوعة دوماً، فكيف يكون التعاون مع الولايات المتحدة الداعمة للمشروع الإسرائيلي، من النيل إلى الفرات والمسببة لكثير من نكبات لبنان والشرق، مصلحة وطنية؟
ردّ الفعل الإنساني والوطني هو المزيد من المقاومة. مقاومة لا تنتهي بوضع مجموعة جديدة في السلطة خاضعة لقوى الهيمنة يباركها «الرب» الأميركي باستمرار


على مدى السنوات الماضية، بينما كانت إسرائيل تعتدي وتفرض تصورها لموقع لبنان السياسي والجغرافي، كانت الولايات المتحدة الأميركية عبر سفارتها تعمل على بناء «كونسورتيوم» لبناني له هدف مزدوج. الأوّل: منع تمدد نموذج المقاومة إلى البيئات الطائفية وحصره داخل الطائفة الشيعية ليسهل احتواؤه. والثاني: تمهيد الطريق أمام مصالح السياسة الأميركية في لبنان. وكان من نتيجة ذلك أنْ تكونت شبكة محكمة وواسعة التأثير، من النخب ورجالات السلطة والطوائف والأحزاب ورجالات الأمن في مختلف الأجهزة العسكرية والمؤسسات الرسمية والمصارف والجامعات ووسائل الإعلام المتنوعة وشخصيات ثقافية وفنية واجتماعية، عملت للترويج لفكرة أنّ لبنان الجديد لا يمكن أن ينهض إلا بنزع سلاح حزب الله. «الكونسورتيوم» الذي ترعاه السفارة الأميركية بمعونة مالية من سفارات دول الخليج ظهر بشكله الجديد خلال ما عُرف بـ«ثورة 17 تشرين الأول». ضمّ في البداية بقايا 14 آذار البرجوازيين والراديكاليين، لكنّه لاحقاً ضمّ في صفوفه نشطاء ومثقفين يساريين تحطّم إيمانهم بحزبهم أو بالشيوعية نفسها وباتوا يميلون للانضمام إلى جمعيات وأندية مموّلة ومدعومة من الخارج لتفجير غضبهم وتسجيل اعتراضهم على الدولة الفاشلة والطبقة السياسية الفاسدة. وإن كانت هذه الفئة تفكر في التحول الاجتماعي والثورة الاجتماعية وتضفي منظوراً إنسانياً على تحركاتها وتحاجّ بأنّ ما حصل كان فرصة لبناء مجتمع حر وعادل، ولكن في النهاية هي سرحت داخل النسق الأميركي. وما زلنا نعتقد أنّه سيكون خطأ جسيماً أن تضع هذه الفئة جانباً وكلياً مخاطر القيام بتحركات على أساس فهم جزئي للواقع الاجتماعي والحالة اللبنانية وأن تبني تصورها لإعادة إنتاج السلطة والدولة في سياق النضال الطبقي وحده بمعزل عن حاجة لبنان للمقاومة وموقعه في معادلة الصراع ضد الهيمنة الأميركية على المنطقة، على أنّه سيكون من الأشياء المهمة والحرجة في الوقت نفسه أن نعرف أي أهداف مستحيلة تحاول أن تصل إليها في ظل مداهنة لقوى خارجية لها أسوأ الأدوار في انهيار الدولة وتمزيق المجتمع وإضعاف المؤسسات وجعل البلد مكشوفاً أمام التهديدات الإسرائيلية والإرهابية. تذكّرنا هذه المجموعة من اليساريين بجملة للروائي حنا مينا يقول فيها: «خرج إلى الشارع، توقف أمام باب الفندق، يذهب يميناً أم يساراً؟ ضحك في سرّه وقال: أيّها الشقي، أمضيتَ عمرك في اليسار، فهل يعقل، بعد كل هذا العمر، أن تذهب يميناً»!
في كل الأحوال، السؤال المطروح على «الكونسورتيوم السيادي» هو الآتي: إنْ وصلتم إلى السلطة بالأكثرية الوازنة، هل سيجرؤ أحد منكم على انتقاد أميركا في قضية انحيازها إلى الكيان الإسرائيلي في قضية ترسيم الحدود البحرية؟ هل سيتخذ أحد منكم موقفاً ضد عقوبات «قيصر» الأميركية على سوريا وتداعيات ذلك على الاقتصاد اللبناني؟ هل سيرفع أحد منكم صوته عالياً تنديداً بالسياسة الأميركية التي تعرقل وتعطل المساعدة الإيرانية لبناء معامل للكهرباء بالعملة اللبنانية؟ هل سينتفض أحد على منع أميركا كلاً من روسيا والصين للاستثمار في قطاع الطاقة والمواصلات؟ سنكتفي بذلك ولن نتحدّاكم بأسئلة وجودية ترتبط بهذه البلاد وترابها وهويتها، وماذا فعلتم من أجلها وماذا فعلت المقاومة لأجلها؟
أنتم إذاً تتقدمون كما هي شعاراتكم لتغيير السلطة وأنا لا أريد التقليل من قيمة هذا النشاط، ولكن التغيير بما هو تغيير لا يجب أن يكون هدفاً بحد ذاته. فنحن علينا أن نعرف المنظور الذي تقاربون به هوية البلد وعلاقاته خصوصاً وقد وجدناكم مثلاً مضادّين بصلابة لكي يكون لبنان قوياً في مواجهة العدو الإسرائيلي، وأن نفترض لبنان من طبيعة اقتصادية لا تقوم على الريع والاستدانة والاستجداء الدائم من إمارات وممالك «الخير»، وكيف يكون لبنان ضمن شبكة كاملة من العلاقات المنطقية مع الدول العربية والأجنبية؟ لن نثقل عليكم بالتفاصيل، ولكن الحرب ضد الطبقة الحاكمة الحالية لأجل الاستيلاء على السلطة لا يمكن اعتبارها حرباً عادلة ما لم تقد إلى قيم إنسانية وسيادية وسياسية أساسية سيتم الوصول إليها مع هذا الانتقال للسلطة. فنحن لا نريد عناصر جديدة تخنق الحريات محاباة للسعودية. ولا نريد وجوهاً جديدة لا تأبه لمعاناة اللبنانيين لأنها تخاف أن تعلن موقفاً من العقوبات المفروضة على سوريا. ولا نرغب في تكنوقراط «models» يرى أنّ العلاقة مع إسرائيل سياسة واقعية ومدخل للتعافي الاقتصادي المزعوم، ولا يرى ذلك مع سوريا مثلاً؟
الحقيقة إنّ أميركا كانت تريد من الأفراد والمؤسسات الممَوّلين من قبلها بشكل مباشر أو عبر وسطاء، في اليمين واليسار، بورجوازيين وراديكاليين وبروليتاريين، أن يقوموا بأدوارهم كجزء من جهد وتحرك منظّم لتغيير هوية لبنان المقاوِم، وهي تطرح قضايا كقضية «سلاح المقاومة» أو «الاحتلال الإيراني» بغرض التأثير على سلوك وتوجهات وعواطف جماهير طائفية أو حتى داخل البيئة الشيعية نفسها. ووسط هذه «الأعمال الدرامية»، تسعى للإتيان بأغلبية نيابية لتمكين سلطة جديدة سيكون عملها الرئيسي توسيع إمكانات أميركا في لبنان أكثر. صحيح أنّ الأزمة الحالية هي الأسوأ في تاريخ لبنان، وهي الأسوأ على صيغة تبدو الآن فارغة مجوّفة وأشبه بجثّة تستحيل يوماً بعد يوم إلى جيفة. وصحيح أنّ هناك أسباباً وجيهة قانونية وسياسية وأخلاقية لمعارضة كل مسؤول تسبّب بهذه الأزمة، ولكن يجب أن يعرف الجميع أن واشنطن ليست المكان الذي يمكن أن يُصان فيه مستقبل لبنان. وعلى العكس من الميل الفطري والتاريخي للتفكير الرسمي في لبنان، يجب البحث عن خيارات مختلفة، وعلى اللبنانيين أن يطوّروا قواهم الكامنة عن طريق تعميق الاعتماد على الذات.
مع المحاكم الإعلامية العلنية الاستعراضية على أبواب الاستحقاق الانتخابي في الـ 15 من أيار، سيكون على قسم من اللبنانيين اختبار صعب لإيقاف هذه المذبحة الاقتصادية بدرجة أساسية. وأظن أن رد الفعل الإنساني والوطني هو المزيد من المقاومة. مقاومة لا تنتهي بوضع مجموعة جديدة في السلطة خاضعة لقوى الهيمنة يباركها «الرب» الأميركي باستمرار، بل تنتهي بإدراك الحاجة إلى سلطة غير معوّقة جسدياً وعقلياً. سلطة قادرة على أن تقوم بأشياء مفيدة للناس. سلطة غير منغمسة في إدارة الاستغلال، ولا منهمكة في صناعة الاستهلاك، ولا مشغولة في خلق ديناميات الهدم، ولا تستخدم خطابها وإعلامها لمضاعفة الغرائز المذهبية والمناطقية، ولا جزءاً من «مطاوعجيين» دوليين وإقليميين ومحليين يلوون كرامات الناس بدولار استعماري أو انتخابي. سلطة للبنان لا للطوائف. سلطة للناس لا للزعامات. سلطة تقول لا قوية في وجه أكثر الإمبرياليات فظاعة في العالم!
* أستاذ العلوم السياسية
في الجامعة اللبنانية الدولية