لن ينسى البولنديون صورة ستالين وهو يبتسم وفوق رأسه على الجدار صورة لينين أثناء توقيع المعاهدة مع الألمان في الكرملين يوم 23 آب 1939، وهي المعاهدة التي جعلت هتلر مطمئناً إلى أنه لن يحارب على جبهتين أثناء هجومه على بولندا الذي حصل بعد تسعة أيام من تلك المعاهدة. قادت المعاهدة الألمانية - السوفياتية إلى تقسيم بولندا الجغرافي بين برلين وموسكو، وهو كان التقسيم الرابع لبولندا بعد تقسيمات 1772و1793و1795وفي التقسيمات الثلاثة السابقة كانت روسيا شريكة مع النمسا وبروسيا. وكذلك لن ينسى الرومانيون أن تلك المعاهدة بين ستالين وهتلر قد أفقدتهم مقاطعة بيسارابيا التي ضمّت للاتحاد السوفياتي، وبالتأكيد لن ينسى الليتوانيون واللاتفيون والإستونيون بأن مفاعيل تلك المعاهدة قد قادت إلى إنهاء استقلال جمهوريات البلطيق الثلاث بعد ضمّها للاتحاد السوفياتي.

يمكن الآن، وبعد 83 عاماً من تلك المعاهدة، أن نلمس وأثناء الحرب الروسية - الأوكرانية مدى العداء لموسكو عند غالبية كبيرة في المجتمعات البولندية والليتوانية واللاتفية والإستونية والرومانية، ومدى التأييد الاجتماعي الكبير لوجود دولهم في حلف الأطلسي، وكيف أن هذه الدول الخمس هي الأكثر تطرّفاً في «الناتو» ضد روسيا فيما نجد الألمان والفرنسيين والإيطاليين أكثر اعتدالاً. هناك، في هذا الصدد، صورة صادمة أكثر، وهي الشرخ الأوكراني - الروسي حيث نجد ميلاً فكرياً - سياسياً - أمنياً - اقتصادياً - اجتماعياً - ثقافياً عند غالبية اجتماعية من الأوكران، وهذا ظاهر وبيّن منذ عام 2004 ثم في عام 2014 وبالذات في عام 2022، نحو الارتباط بـ«الناتو» وبالاتحاد الأوروبي، أي عند الأوكرانيين الذين أنشئت الدولة الروسية الأولى عندهم في كييف بعام 862 وهم الذين ثاروا في عام 1654ضد دولة الكومنولث البولندية - الليتوانية من أجل أن يتركوها وينضمّوا للدولة الروسية.
ورغم أن اتهامات بوتين للينين في خطاب 21 شباط بأنه «صانع أوكرانيا ومهندسها المعماري» هي صحيحة تاريخياً، فإن حصيلة ثلاثة قرون ونيف من الارتباط الروسي - الأوكراني قد أنشأت مفاعيل بعد طلاق 1991 بان فيها مدى الشرخ الأوكراني - الروسي. هذا الشرخ الذي ولّد اتجاهات في سلطة كييف وبالذات بعد إسقاط الرئيس فيكتور يانوكيفيتش الموالي لموسكو في يوم 22 شباط 2014 أصبحت موسكو تحسّ إثرها بأن أوكرانيا قد أصبحت أداة بيد الغرب لإضعاف روسيا أو تقسيمها، على طراز الاتحاد السوفياتي، عبر ضم أوكرانيا لـ«الناتو». أيضاً، يمكن أن نجد شرخاً جورجياً - روسياً انفجر في عام 2008 وهو يعود إلى الطريقة العنيفة التي تم فيها ضم جورجيا تحت سلطة البلاشفة عبر القوة العسكرية في شباط 1921 بعد أن كانت تحت سلطة المناشفة في جمهورية مستقلة استمرت لثلاث سنوات، وقد كان لينين واعياً بضرورة مراعاة القوميات الصغيرة في عملية تشكيل الاتحاد السوفياتي وهذا ما جعله يحتج على أساليب ستالين وأورجونيكدزة، وهما جيورجيان، في إسكات وقمع البلاشفة الجورجيين الذين أرادوا سلطة غير قوية للمركز في موسكو على الجمهوريات السوفياتية. وقد كانت المسألة الجورجية هي التي جعلت لينين، في اليوم الثاني لقيام الاتحاد السوفياتي (1922)، يطالب بمعاقبة ستالين وأورجونيكدزة ومعهما رئيس الاستخبارات (التشيكا) دزرجنسكي (وهو بولندي الأصل) بسبب ما فعلوه في جيورجيا ويتهم الثلاثة، وهم غير روس وهو روسي، بأنهم قاموا بـ«حملة قومية روسية» في جيورجيا (مختارات لينين: «حول مسألة القوميات أو الحكم الذاتي»، المجلد الثالث، الجزء الثاني، دار التقدم - موسكو 1971- صفحة 448 و449). في تلك الأيام كان بلاشفة جورجيا وبلاشفة أوكرانيا يريدون اتحاداً سوفياتياً لا تطغى فيه سلطات المركز على الجمهوريات السوفياتية المحلية وقد نالوا هذا بفضل لينين في الدستور التأسيسي للاتحاد السوفياتي ولكن مرضه الذي أقعده في آذار 1923 ووفاته بالعام التالي قد جعلت ستالين مطلق اليد في الحكم المركزي.

تثبت التجربة السوفياتية بأن موضوعي القومية والدين لم يستطع الشيوعيون إيجاد حل لهما عبر ثلاثة أرباع القرن من عمر الحكم البلشفي - الشيوعي


إذا عدنا هنا إلى يوم 23 آب 1939، فمن الممكن التبرير لستالين بأنه قد بذل لأشهر سابقة جهوداً من أجل عقد ميثاق تعاون دفاعي مع فرنسا وإنكلترا من أجل منع هتلر من مهاجمة بولندا ولكن تلكؤ لندن وباريس ورفض البولنديين إدخال الجيش الأحمر لأراضيهم للوقوف بوجه غزو ألماني كان واضحاً احتمال وقوعه، قد جعلا الزعيم السوفياتي يتجاوب مع مبادرة هتلر لعقد المعاهدة الألمانية - السوفياتي، لأن ستالين كان يعتقد بأن الغرب البريطاني - الفرنسي يمكن أن يضحّي ببولندا ويجعل هتلر وستالين وجهاً لوجه، كما فعل قبل عام في مؤتمر ميونيخ وأعطى فيه البريطانيون والفرنسيون تشيكوسلوفاكيا لهتلر بعد أن تركوها وحدها. ولكن البولندي المهجوس بتقاسمات تاريخية سابقة لبلده لا يمكن أن يتفهّم ما فعله ستالين، وقد رأينا في فترة الحكم الشيوعي كم كانت بولندا مضطربة وكم كان الشيوعيون ضعفاء واضطرابات 1956و1970و1980 تعطي صورة واضحة عن ذلك. في المجر وتشيكوسلوفاكيا، حيث كان الشيوعيون أقوياء بالبلدين قبل استلامهم للسلطة بخلاف الضعف المزمن للشيوعيين في بولندا بالعشرينيات والثلاثينيات، فإن التدخل العسكري السوفياتي لقمع محاولات الإصلاح التي قام بها الشيوعيون المحليون في عامي 1956و1968 قد أنشآ ذكريات مرة عند المجريين والتشيكوسلوفاكيين رأينا مفاعيلها في تمظهرات من الكراهية والرهاب من الروس وفي اتجاهات عند غالبية اجتماعية نحو الاتحاد الأوروبي و«الناتو». من جهة أخرى، هناك مؤشرات كثيرة في مرحلة ما بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي عام1991، على أن الشعور الديني قد استيقظ بقوة في الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة، وفي جمهوريات مثل أوزبكستان وطاجيكستان برزت قوة الإسلاميين الأصوليين.
كتكثيف: تثبت التجربة السوفياتية بأن موضوعي القومية والدين لم يستطع الشيوعيون إيجاد حل لهما عبر ثلاثة أرباع القرن من عمر الحكم البلشفي - الشيوعي. في جورجيا 2008 وأوكرانيا 2014-2022 انفجر الموضوع القومي بوجه موسكو بأشكال خطرة تمتزج فيها نزعة العداء للروس مع موالاة الغرب الأميركي- الأوروبي. يمكن هنا عزو ذلك إلى فشل التجربة السوفياتية التي أرادت إقامة تجربة أممية عابرة للقوميات. من المحتمل أن ينفجر العامل الديني الإسلامي بوجه موسكو أيضاً، وقد رأينا شيئاً منه بالتسعينيات عند الشيشان حيث امتزج الإسلام مع نزعة قومية شيشانية. تجربة بلدان حلف وارسو عمّقت الشرخ بين الروس وشعوب شرق ووسط أوروبا. في التجارب الشيوعية، التي راعت العاملين الديني والقومي مثل الصين وفيتنام، رأينا نجاحاً للتجربتين الشيوعيتين للبلدين.
* كاتب سوري