كان البيان المشترك، الذي صدر في أعقاب لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني شي جينغ بينغ على هامش افتتاح أولمبياد بكين يوم 5 شباط الماضي، مفتاحياً في الخطوة التي مضى إليها الأوّل بعد 19 يوماً على صدور ذلك البيان. ومن المؤكد أن المحطة آنفة الذكر، التي بدت وكأنها محاولة لتعميق الشراكة الاستراتيجية في ما بين البلدين في مواجهة التفرّد الأميركي، كانت تمثّل ذروة في مسار بدأ مع تأسيس «منظمة شنغهاي» (2001) التي دعت في بيانها التأسيسي إلى «عالم متعدد الأقطاب»، ثم تواصل في الإعلان عن تجمّع «دول البريكس» (2009) الذي جاء كصورة منقحة عن الأوّل. لكن من حيث النتيجة كان مسار الاثنين يسجّل، على امتداد السنوات التي تلت انطلاقهما، تعثراً ملحوظاً بفعل حسابات صينية شديدة التعقيد، وهي في مجملها تسجّل افتراقاً في المصالح ما بين موسكو وبكين أكثر ممّا تسجله من حالة تلاق، مع لحظ أن كلا الطرفين كانا يجهدان لإخراج مشهد يبدو فيه التسجيل الأخير في صدارة المشهد من دون أن يعني ذلك نجاحاً مقنعاً للمشهد عند عرضه. وعليه، فقد جاءت محطة بكين أشبه بـ«قفز بالزانة» في سياق لا تحتمله الوقائع التي استولدتها المسارات الآخذة بالارتسام منذ عام 2001 فصاعداً. وبمعنى آخر، فإن البيان الذي دعا إلى «حقبة جديدة» في العلاقات الدولية لوضع حد للهيمنة الأميركية، وعارض أيضاً «أي توسّع للحلف الأطلسي مستقبلاً»، كانت قد فرضته حالة الاحتياج المرحلية الحاكمة للطرفين. وهو بهذا المعنى لا يشكّل خطوة راسخة مكتملة الشروط، الذاتية والموضوعية، في إدارة الصراع القائم راهناً على تفكيك البنى التي يقوم عليها النظام العالمي الراهن. في زيارة سرّية لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إلى بكين عام 1971 نجح هذا الأخير في إحداث تعديل جذري على ميزان القوى العالمي القائم ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك. وفي تلك الزيارة استطاع كيسنجر الوصول إلى تلاقيات كبرى مع بكين ضمنت لواشنطن تثقيل كفتها في الميزان. والمؤكد هو أن ذلك الفعل كان يمثّل من الناحية العملية حجر الأساس في المشروع الأميركي الرامي إلى إسقاط الخصم السوفياتي وهزيمته، الأمر الذي تحقّق بعيد عشرين عاماً على تلك الزيارة. والمؤكد هو أن كيسنجر لم يكن مالكاً للعصا السحرية التي مكنته من إنجاز ما ذهب إليه، لكنه استطاع رصف «المكعبات» جيّداً للوصول إلى الصورة المطلوبة. فالخلاف الصيني- السوفياتي البادئ عام 1960 والذي كانت له تداعياته الكبرى الداخلية، السوفياتية، والخارجية على امتداد المعسكر الاشتراكي، وكذا على الأحزاب الشيوعية النصيرة ومنها الأحزاب العربية، كانت نتائجه قد بدأت تؤتي ثمارها، والنخر في البنيان كانت مفاعيله بادية للعيان، وهو لا يحتاج سوى لمن يستثمر فيه شريطة امتلاك خريطة الشقوق والمنافذ. ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودخول وريثته، روسيا، في حال من الشلل شبه التام، بدت الصين، التي كانت تباشير نهوضها تقول إنها لن تتأخر كثيراً حتى تصبح عقبة كأداء في مسار الغرب، لا بديل عن حل جذري معها. خصوصاً أن الصين كانت تنتهج، في سياق نهوضها، مساراً ذا شقين متلازمين؛ أولاهما اقتصادي ـــ كانت معدلات النمو التي تحققها بكين من خلاله كافية لتقرع أجراس الإنذار كلها على امتداد ضفتي الأطلسي. وثانيهما أيديولوجي ــــ من النوع غير التقليدي كونه لا يقوم على تسويق الفكر الشيوعي وتمدداته الاقتصادية كما كان معهوداً في السابق، وإنما يحاول تقديم نموذج جديد يرمي، من بين ما يرمي إليه، إلى إثبات أن النموذج الغربي ليس الوحيد، بل ولا الأمثل، في بناء القوة والثروة.
لن تذهب بكين إلى تعزيز تحالفها مع موسكو لاعتبارات عدة


مضت الولايات المتحدة، في مرحلة سيادتها العالمية التي استشرفت أنها لن تطول خصوصاً ما بعد «نخري» أفغانستان والعراق، نحو استخدام «بطارية» السبعينيات، لكن بعد قلب الأقطاب، بمعنى محاولة جر موسكو إلى خندقها لتلعب هذي الأخيرة الدور الذي لعبته بكين في السابق، والمحاولة تجلّت بوضوح كبير زمن دونالد ترامب الذي راح يغازل روسيا التي بدت أمامه قوّة آفلة لكنها تحاول البقاء في صدارة المشهد. لكن المحاولة لم تنجح لاعتبارات لها علاقة بخيارات موسكو التي أدركت أن الابتعاد عن خيار «التوجه شرقاً» سوف يجعلها تلقى المصير نفسه الذي لقيه اتحادها السوفياتي السابق. ثم إن البادي ببكين سوف يثنّي بموسكو، خصوصاً أن الفكر الاستراتيجي الغربي، متمثلاً بـ«معهد استوكهولم» للدراسات الاستراتيجية الذي يمثّل ثاني أهم مركز لدراسة الصراعات الدولية، كان قد خرج بنبوءة صارخة بعد عام واحد على انهيار الاتحاد السوفياتي جاء فيها أن «الدولة الروسية سوف تعود إلى أن تصبح دولة مدينة، إلى ما كانت عليه قبل عام 1512، حدودها حدود مدينة موسكو آنذاك».
نقول من دون أدنى شك ترى الصين نفسها اليوم حليفة لموسكو، أو شريكاً لها على أقل اعتبار في مواجهة الولايات المتحدة. ومن المؤكد أن ذلك التحالف، أو تلك الشراكة، الذي تفرضه معطيات مرحلية، كان وارداً في الحسابات الروسية عشية القرار ببدء عمل عسكري في أوكرانيا. وعلى الرغم من الصورة المتشائمة التي ارتسمت على شبكية العين الصينية في غضون الأسابيع الثلاثة التي تلت القيام بهذا الفعل الأخير، فإن بكين أكدت على لسان وزير خارجيتها وانغ بي (7 آذار الجاري) أن «الصداقة بين موسكو وبكين ما زالت قوية جداً» رغم الإدانة الدولية للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وفي المجمل، يمكن القول إن بكين لن تبتعد، في وقت قريب، عن هذا السياق الذي رسمه وزير خارجيتها آنف الذكر.
لكن الواقعية المفرطة التي تظلل سياسات بكين، منذ أحداث 1988 وتجربة انهيار «الشقيق السوفياتي» 1991، إضافة إلى الحذر الصيني الذي يسجّل عادة مناسيب مرتفعة تفوق بأضعاف تلك التي تسجلها نظائرها عند الآخرين، سيدفعان ببكين قدماً إلى البقاء عند هذا السقف الذي رسمته الأخيرة لنفسها. هي لن تذهب إلى تعزيز تحالفها مع موسكو لاعتبارات عدة، لعل أبرزها يستند، في نهاية المطاف، إلى رؤيا مفادها أنها هي المستهدف الأكبر في كل ما يجري. فالعقوبات غير المسبوقة على روسيا هي أشبه بـ«ضرب الخراف لإخافة الثيران»، أو أنها تدريب استباقي للمنازلة الكبرى، ناهيك عن أنها الآن في مرحلة حساسة من نهوضها لا تريد فيها خسارة أسواق الغرب التي تؤمّن بقاء نموّها الاقتصادي عند المستويات التي وصل إليها. ولربما كانت بكين اليوم أقرب إلى تبني النظرة الغربية التي رسمها «معهد استوكهولم» آنف الذكر، ولربما كان في الأمر ما يدعو إليه صينياً على الأقل. يمكن القول إن بقاء الاتحاد الروسي بتركيبته الراهنة بات مرهوناً بقضايا متلازمة، ومتناقضة أحياناً، منها النجاح في عملية التحديث، ثم اعتماد التنويع الاقتصادي، وصولاً إلى تبني اللامركزية الحقيقية. وتلك مسائل لا يبدو النظام الروسي بقادر على طرق أبوابها دفعة واحدة، بل ولربما غير قادر على طرقها جزئياً.
صحيح أن هذا المسار قد يكون طويلاً، لكنه وارد في الحسابات الصينية. ولذا فإن الشراكة الصينية- الروسية من الصعب لها أن تشهد سقوفاً أعلى لتلك التي شهدتها حتى الآن في ذروة الأزمة. وقبيل أن نغلق فكرة من هذا النوع تجدر الإشارة إلى أن فعلاً من هذا النوع، أي تفكك الاتحاد الروسي، سيراكم الكثير من المكاسب في الجعاب الصينية.
الصين اليوم ترى أن زعامة فلاديمير بوتين، التي تستمد جزءاً من مشروعيّتها من مناهضتها للمشروع الغربي، مفيدة مرحلياً. لكن الحرب، وتبعاتها التي يصعب الآن التنبؤ بالمآلات التي يمكن أن تصل إليها، قد تؤدي إلى قلب ما سبق رأساً على عقب. بمعنى أن تلك الزعامة قد تصبح عبئاً على بكين سوف يصعب تحمّله. والمؤكد هو أن الغرب راهناً، بالرغم من تحديد الصين كخطر أوّل على «ديموقراطيته»، و زعامته العالمية، مستعد لدفع الأثمان التي تريدها بكين حين وصولها إلى الإحساس بذلك «العبء».
سؤال هام تطرحه السياقات السابقة: هل تكرّر بكين سيناريو العام 1971 فتقود من جديد نظيراً له يؤدّي هذه المرة إلى تشظي الاتحاد الروسي؟
* كاتب سوري