مبدعون هم الأرثوذكس. لقد شكّلوا خلال القرن الماضي العقل المحرك لثلاث تيارات قومية لا علاقة واضحة لها بالأرثوذكسية: القومية السورية (أنطون سعادة)، القومية العربية (ميشال عفلق)، القومية اللبنانية ونظرية الفرادة المارونية (شارل مالك). كتب عفلق عن الإسلام ما لم يكتبه المسلمون، كتب مالك عن المارونية ما لم يكتبه الموارنة؛ أما سعادة فقد وجد لديه أفراد الطوائف كافة هوياتهم مصانة بإبداع من دون الخروج منها.


الموارنة والشيعة لم يتعرّفوا على السياسة، كانوا دائماً يفتقرون إلى الإبداع السياسي الدرزي والأرثوذكسي. الموارنة هم الشعب الطيب الخام، أما الأرثوذكس فهم حرفيو الآداب الإمبراطورية. حتى طقوس القداس تَعكس هذا التقابل.
نصّ شارل مالك هو من الروعة بأنه يزايد على الموارنة في مارونيتهم، ولكنه في الآن نفسه يُلقي فيهم كل المكتبة الاستشراقية، ويُقصيهم عبر الطرق ذاتها التي وصفها ادوارد سعيد، لا بل هو يستخدم عبارات مطابقة للنصوص الاستشراقية إلى حدّ مثير: الشرق الترابي مقابل الغرب العلمي، البسيط مقابل المعقد (بعبارات كلود ليفي - ستروس «النيئ والمطبوخ»)، ويضع الأرثوذكس أقرب إلى الكفة المقابلة الغربية العلمية، رابطاً إياهم بالإرث الفلسفي الإغريقي.
طبعاً لن نجد نصاً مارونياً متطوراً بقدر ذاك الأرثوذكسي. الماروني سياسياً هو رومانسي واضح، صادق ومباشر. يدفع الماروني ثمن المغامرات ويقطف الدرزي ثمارها.
في زيارته للأراضي المحتلة يتحمّس البطريرك بشارة الراعي ويتوتّر فيما جنبلاط يَستثمر فيها بهدوء من دون أن يلتفت أحد إلى أن الأكثر تطبيعاً بين من التقاهم البطريرك كانوا دروزاً. ورغم أن الدروز خَدموا في الجيش الإسرائيلي منذ عام ١٩٥٦ إلا أنه لم يكن لهم وجود واضح أو استفزازي في ميليشيا أنطوان لحد. الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ كان ذروة المشهد: يُظهر الموارنة التحالف مع إسرائيل (فهم علنيون بطبعهم) ويَخسرون من بعدها كل شيء، في حين يَحيك الدروز الصفقات مع إسرائيل بصمت ويربحون الجبهات كافة. مُخطئ مَنْ يَعتقد أن إسرائيل تفضّل الموارنة على الدروز. وخلال فترة الاحتلال في مناطق الجبل فُوجئ الكتائبيون في مواضع عدة بانحياز الإسرائيلي إلى جانب الجنبلاطيين، وأدّى ذلك إلى إكساب الأخيرين عدداً من النقاط العسكرية على حساب الكتائب. من الخطأ محاكمة بطريرك الموارنة في قراراته بمعزل عن الالتفات إلى وعيهم الملتبس بذواتهم.

■ ■ ■



الغرب كهوية مشتهاة

الهوية المشتهاة هي مسعى للتماهي مع ذات أخرى لم يكن لنا مساهمة في بنائها قبلاً؛ ولكننا نجد في الوقت نفسه حالةَ لا اكتراث من قِبَل الذات المشتهاة إزاء جهود الطرف المشتهِي. الذات المشتهاة تَستمتِع بالتنازلات المجانية التي يقدّمها الطرف الذي يسعى للمماهاة. في الأرجنتين والمكسيك، وبعد الاستقلال عن إسبانيا، كانت هناك مطالب بالإتيان بـ«نبيل أوروبي يحكمنا».
يَكتب البطريرك الماروني اسطفان الدويهي إن يوحنا مارون، أحد أهم أعلام الموارنة تاريخياً، هو من السلالة الكارولنجية، لا بل يجعله ابن أخ شارلمان.
في القرن التاسع عشر، وبالتحديد في النصف الثاني منه، ما يُسمى الـ«Fin de siècle»، كانت أوروبا الشمالية تتألق مجداً وازدهاراً. وكان باقي العالم يَنظر إلى تلك المجموعة من البلدان، القليلة والصغيرة نسبياً، بذهول وإعجاب كبيرين. هذا الذهول والإعجاب هو الذي سَمح لستين ألف جندي بريطاني بحكم ثلاثمئة مليون هندي. انشغلت الجماعات حول العالم في البحث عن ضروب النظريات والسرديات والمقاربات شبه العلمية التي من شأنها ربطهم بأوروبا الشمالية.
الأتراك صاروا يَذكرون باستمرار أنهم أحفاد طروادة، وأنهم موجودون أصيلون في التاريخ والتراب الأوروبي.
في إيران ارتكزت الغواية على كونها أرض آريا ومهداً للغات الهندوأوروبية، وبرّر ذلك تحالفها في الحرب العالمية الثانية مع أدولف هتلر الذي سَمح للألمان بالتزاوج مع الإيرانيين على أساس عرقي.
في البرازيل كانت الطبقة الحاكمة تروِّج لفكرة أن البرتغاليين من أصل جرماني هم مَنْ هاجروا إلى البرازيل وتَركوا في البرتغال الأعراق الأقل شأناً، الأيبيرية والسلتية.
لم تكن حال اليهود شاذة عن حال باقي العالم. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، برز نجم اليهود الأشكيناز في الفضاء الثقافي والأكاديمي في أوروبا الشمالية. قبلاً، كانوا مجرد تجار من جملة الطوائف الدينية الصغيرة ذات النفوذ التجاري، كالطوائف الإسماعيلية مثلاً. قَرَّر اليهود قرابة نهاية القرن الالتحاق كلياً وبأي ثمن بأوروبا الشمالية، رغم كل مخزون معاداة السامية هناك. يقول ثيودور هرتزل إنه تنبّه إلى هويته اليهودية بعد قضية درايفوس، الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي الذي حُوكم بعد تلفيق تهمة الخيانة بحقه. لقد شاهد هرتزل تظاهرات حاشدة في باريس تَهتف «الموت لليهود». هذا الأمر لم يَدفعه إلى كراهية أوروبا الشمالية أو التحالف مع خصومها، على العكس تماماً: لقد أراد لإسرائيل أن تكون المتراس الأمامي الذي يحمي أوروبا من آسيا؛ نوع من عقدة ستوكهولم النفسية. يمكن مقاربة موضوع إسرائيل كحالة مَرَضية قبل أن تكون جرمية؛ مرضى نفسيون بالدرجة الأولى.

■ ■ ■



فرنسا: ما قدّمته للموارنة وما قدّمته لإسرائيل
في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2012 صَوّت اللبنانيون لليمين الوطني في حين كان الفرنسيون أنفسهم يصوّتون لليسار. المؤكد أن العاطفة التي أَغدقها الموارنة على فرنسا «الأم الحنون» لم يقابلها فرنسياً الكثير. ليس للبنانيين أثرٌ يُذكَر في الثقافة والتاريخ الفرنسيين. ويمكن إيجاد أسماء مغاربية في الجامعات والاقتصاد والسياسة الفرنسية بالتأكيد أكثر من اللبنانية. لا يمكننا مقارنة علاقة فرنسا بالموارنة بعلاقة روسيا باليونانيين: اليونان التي مَنحت روسيا الأرثوذكسية وكذلك أبجديتها الكريلية، أساقفة موسكو كانوا يونانيين لقرون طويلة، وسُميت روما الثالثة بعد سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين.
ولكن هل قَدّمت فرنسا للموارنة أكثر من امتيازات محلية يقدّمها المستعمِر في كل مستعمرة لشريحة من دون أخرى؟ (رغم أن أول رئيس عَيّنته فرنسا كان أرثوذكسياً وليس مارونياً، شارل دبّاس) في المقابل، زَوّدت فرنسا إسرائيل بأول أسطول من طائرات الميراج الحربية، كما زَوّدتها بأول مفاعل نووي، رغم أن الإسرائيليين لا يَشعرون بأي صلة عاطفية خاصة مع فرنسا، وهم يصرّون على أنهم «يهود فرنسيين» وليسوا «فرنسيين يهوداً».
قَبَع سمير جعجع أحد عشر عاماً في السجن، لم تحرّك فرنسا أو الولايات المتحدة ساكناً للإفراج عنه، وعَقدت صفقات مع سجانيه من دون الالتفات له؛ في المقابل أَطلقت الولايات المتحدة وفرنسا حملةً دولية دبلوماسية وأمنية واسعة لتحرير الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الأسير في غزة، وهو جندي عادي.
كما يَجري الخلط في لبنان بين فرنسا والغرب، كما لو أن الوقوف إلى جانب فرنسا هو وقوف إلى جانب الغرب. الخلط نفسه نجده لدى شعوب أوروبا الشرقية التي تسعى إلى الانضمام إلى كل ما هو «غربي» غير قادرة على التمييز بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو وحلف شمال الأطلسي.
في إحدى المناسبات الانتخابية، يقول سياسي ماروني «هل يُعقَل أن يكون الموارنة ضد الغرب؟»، وذلك في معرض تهجّمه على الجنرال ميشال عون والاتجاه الذي سَلكه منذ عام 2005. طبعاً هذا السؤال يَتجاهل أميركا اللاتينية بالكامل. أساساً اللبناني لا يرى في أميركا اللاتينية غرباً ولا مجالاً ممكناً للاستثمار السياسي؛ بوصلته هي رضى فرنسا والولايات المتحدة عن أدائه.
لم تُبتكَر استراتيجية جديدة للذات المارونية، لم تجرِ إراحة الماروني في هويته، كان يُهاجَم على خياراته الهوياتية من دون أن نَلتفت إلى ضرورة تنويع خياراتنا. هل يعني أن تكون غربياً بالضرورة أن تكون موالياً لفرنسا أو الولايات المتحدة؟ ألا يمكن أن نكون غربيين بأكثر من طريقة؟ ألا يمكن تغيير نظام هذا الغرب، أم هناك ثابتٌ إلى الأبد؟ الأكيد أنْ ليس الموارنة هم الوحيدون الذين يتحمّلون وزر الإجابة عن هذه الأسئلة، خصوصاً أن مساعي مشرقة المخيلة المارونية بقيت محدودة الفعالية، إذ لا شيء حتى الآن يضاهي كلمة الغرب، التي يسيل لها لعاب الكثيرين حول العالم. إذاً، ماذا نحن فاعلون؟ هنا مقاربتان: أميركا اللاتينية وإسرائيل

■ ■ ■



البرازيل بدل فرنسا للموارنة ولبنان

في دراسة سابقة بعنوان «تفكيك وإعادة تركيب الغرب» قلنا إن على أميركا اللاتينية الآن أن تصبح العاصمة الجديدة للحضارة الغربية بعد واشنطن، لتَستكمل السلسلة الحضارية المتخيّلة الممتدّة من أثينا إلى روما وأوروبا الجرمانية إلى واشنطن. في هذه الدراسة قاربنا العلاقة بين المكسيكيين وواشنطن على أنها تكرار للعلاقة بين القبائل الجرمانية وروما خلال القرون الأولى الميلادية، على اعتبار أن فكرة الغرب قامت على تكرار روما وهجرتها، على الأقل منذ شارلمان «روما تُبنى من جديد».
فرنسا هي التي مَنحت أميركا اللاتينية اسمها، حين أرادت في القرن التاسع عشر استمالة القارة الأميركية إلى جانبها في مواجهة أوروبا الجرمانية والعالم الأنغلو-أميركي. ولكن أميركا اللاتينية بقيت في المخيلة الفرنسية منطقة لا يَجدر بها نقلُ «الروح» الفرنسية. يتبدّى ذلك في رواية غابرييل مارسيل «روما لم تعد في روما».
هذا الإقصاء لأميركا اللاتينية استبطنّاه نحن اللبنانيين من خلال السماكة النصية الفرنسية. ذلك أن المستعمَرين لا يمكنهم أن يروا بعضهم بعضاً إلا من خلال عيون المستعمِر. هكذا يَعجز اللبنانيون عن رؤية البرازيل كقوة عالمية محتملة يمكننا التخطيط معها لمستقبل مختلف، للبنان كما للبرازيل.
تلقّت البرازيل وأميركا اللاتينية كل ما هو «غربي» من دون مقاومة أو حواجز، ورغم ذلك فإن هذا «الغرب» لم يَعترف بها؛ يُسمّي ليوناردو بوف أميركا اللاتينية «الابنة غير المرغوب بها لأوروبا».

اللبناني لا يرى في
أميركا اللاتينية غرباً... بوصلته هي رضى فرنسا والولايات المتحدة عن أدائه


إذاً ما الذي يَجعل البرازيل بديلاً من فرنسا للبنانيين؟
تتصاعد البرازيل كقوة عالمية بسرعة. بدأ ذلك بالوساطة في الملف النووي الإيراني عام 2010. والبرازيل هي عضو أساسي في مجموعة الـ«BRICS» التي تتشكّل كموازن دولي للناتو. يوماً بعد آخر، فإن القبضة الأميركية التي كانت محكَمة حول العالم منذ نهاية الحرب الباردة (أما في القارة الأميركية فهي كانت محكَمة على الأقل منذ مبدأ مونرو 1823) قد بدأت بالتراخي. ولكن الصعود البرازيلي هذا يَفتقد، ويَفتقر، حتى الآن للنظرية الاستراتيجية التي تَجعل هذا الصعود حدثاً قطيعياً وعتبةً حضارية. هل يمكننا أن ننظِّر لقوة البرازيل وبالوجود اللبناني هناك نشكِّل العقل الاستراتيجي الذي يقودها إلى قَدَرها التاريخي؟
البرازيل هي أكبر دولة كاثوليكية في العالم. فيها ستة ملايين لبناني، أكثر من لبنانيي الوطن الأم. لمرتَين كان نائب الرئيس في البرازيل لبنانياً (حالياً هو ميشال تامر)، وطبعاً، يمكننا رصد الكثير من الأسماء السياسية اللبنانية اللامعة في أميركا اللاتينية عموماً.
كما أن البرازيل بلد ديمقراطي يشبه في التباس غربيته التباسَ غربية لبنان. لماذا تدخلت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا في الأزمة الرئاسية اللبنانية 2008 ولم تتدخل البرازيل، البلد الكاثوليكي الأكبر والذي يَحوي ملايين اللبنانيين وحيث الفكرة اللبنانية مكوِّن طبيعي؟ أيها أهم على المستوى الدولي اليوم إيطاليا وإسبانيا أم البرازيل؟
إذا عملنا على أن تصبح أميركا اللاتينية العاصمة الجديدة للعالم الغربي، فإن اللبنانيين سيكونون جزءاً طبيعياً لا بل ريادياً في الغرب الجديد. لن تتكرر لحظة «لم يَعتبرونا جزءاً من تجربتهم»، التي قالها أحد الكهنة البروتستانت لادوارد سعيد في معرض نقده للسياسة الأميركية إزاء التبشير البروتستانتي في الشرق الأوسط.

■ ■ ■



ماذا عن الموارنة الذين فرّوا إلى إسرائيل، الجيل الثاني؟
منذ تأسيس دولة إسرائيل كانت المخيلة السياسية لموارنة لبنان تقع بشكل متزايد تحت غواية محاكاة الأدبيات والسرديات الإسرائيلية. آن الأوان لأن يتأثر اليهود الإسرائيليون بموارنة لبنان.
يَعتبر الموارنة إسرائيل كياناً غربياً، والغرب هوية مشتهاة بالنسبة إليهم، بالتالي يصبح التحالف معها ضرورياً. الأمر لا يتعلّق بتحالف الأقليات.
في حزيران 2012 تناقلت وسائل الإعلام تقريراً عن تفوّق أرزة سعد حداد في معهد التخنيون الإسرائيلي في إطار تطوير صواريخ الجو-أرض. خلفية التقرير معدّة إسرائيلياً لإيصال رسالة محددة إلى اللبنانيين. ذلك أن الجماعات «المضطهدة» والتي تتفوّق علمياً أو اقتصادياً تجتذب تعاطفاً واسعاً. تريد إسرائيل لموارنة لبنان أن يَفخروا باللبنانيين في إسرائيل.
في ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله جرى الاتفاق على أن رؤية اللبناني على أرضه أفضل من رؤيته على أرض العدو. ولكن ما هي القيمة المضافة للبنان إنْ عاد هؤلاء؟ أليس من الأفضل أن يبقوا هناك إنْ هم كَوّنوا نخبةً في المجتمع الإسرائيلي؟ وذلك بدل أن يكونوا مجرد أداة إسرائيلية في لبنان والعالم العربي؛ إذ تشير تقارير عدة إلى أن إسرائيل تَستخدم هؤلاء اللبنانيين في تنفيذ عمليات أمنية حول العالم.
ماذا لو استغلينا وجود هؤلاء اللبنانيين هناك لرسم خطوط هويات واستراتيجيات جديدة داخل المجتمع الإسرائيلي؟ أَكتب هذا وفي البال تجربة اليهود في الصين، حيث تمكّنوا من الإمساك بعدد من مفاصل الهوية والتاريخ الصينيين، وباتوا في موقع يمكّنهم من إعادة صوغ سرد الصيني لذاته.

اليهود رَفعوا منذ
منتصف القرن التاسع عشر شعار الالتحاق بما يُسمى الغرب مهما كان الثمن

بعد عقود من ولادة الكيان الإسرائيلي، ظَهرت قسمة يهودية جديدة، ليست قسمة أشكنازي سفارديمي التقليدية، بل قسمة اليهود الإسرائيليين/اليهود غير الإسرائيليين. على المستوى السوسيولوجي بات هذان القسمان غريبَين عن بعضهما إلى حدّ كبير. فمجتمع اليهود الإسرائيليين هو مجتمع شديد العسكرة والاعتماد على مخططات الدولة، مجتمع تَرتفع فيه نسبة التديُّن وتَنخفض فيه نسبة الإنتاج الفكري، كما وتَنخفض فيه «الروح» التجارية التي اتسم بها اليهود تاريخياً. ولهذا الأمر تداعياته. منذ تأسيس دولة إسرائيل، التي تَحوي أربعين في المئة من يهود العالم، حصل 131 يهودياً على جوائز نوبل في مختلف المجالات بينهم ثمانية فقط إسرائيليون، وثلاثة من هؤلاء الثمانية حصلوا على جوائز نوبل للسلام، أي ليس في المجالات الإبداعية العلمية والأدبية. والغالب على الخمسة الإسرائيليين الذين حَصلوا على جوائز نوبل إبداعية هو تكوينهم العلمي خارج إسرائيل.
لا مجال للمقارنة بين فعالية وإنتاجية المجتمع اليهودي غير الإسرائيلي في الحقول الأكاديمية والعلمية والاقتصادية وفعالية اليهود الإسرائيليين. دخل الفرد السنوي في إسرائيل يَبلغ تقريباً 23 ألف دولار، بينما الدخل الفردي السنوي في مجموعة الاتحاد الأوروبي يَبلغ تقريباً 33 ألف دولار، رغم أن الاتحاد الأوروبي يضمّ اقتصادات أوروبا الشرقية التي تتعافى حديثاً، والأهم أن اليهود هم الطائفة الأغنى في العالم نسبياً.
إذاً اليهود رَفعوا منذ منتصف القرن التاسع عشر شعار الالتحاق بما يُسمى الغرب مهما كان الثمن، بعدما كانوا ولقرون طويلة يعيشون في ما يسمى البلاد العربية أو الإسلامية بأمان نسبي مع وجود طبيعي لهم داخل نظام الإدارة والحكم. إذا كان هناك من اضطهاد نسبي لليهود، فهو لا يَبلغ درجة الاضطهاد التي تعرض لها المسيحيون في المنطقة، وبالتأكيد لا تصل إلى درجة الاضطهاد التي تعرّض لها الشيعة. الأمر لا يتعلق بمحاكمة أخلاقية للتحالفات التي بَدَّلها اليهود خلال القرن التاسع عشر، بل في استكمال النقاش حول هذه الاستراتيجيات ومدى ملاءمتها للأزمنة المقبلة.
من الواضح اليوم أنه ليس لدى اليهود الإسرائيليين شخص بمستوى ثيودور هرتزل يُعيد صوغ استراتيجية اليهودية الإسرائيلية: مع مَنْ سنكون مهما كان الثمن، وضد مَنْ؟ وعلى الأرجح فإنهم سيواصلون خوض حروب القرن التاسع عشر، وسيقع مجمل من التطورات والانتكاسات لن يجدوا لها تفسيراً.
ماذا لو عمل اللبنانيون هناك وبالتنسيق مع حزب الله على إيجاد خطوط سردية جديدة للذات الإسرائيلية، صياغة جديدة للهوية الإسرائيلية؟
قد نتساءل عما إذا كان دروز الـ48 أقدر على تلك المهمة من الموارنة في إسرائيل. ولكن بالعموم، حين يبدأ سيناريو حزب الله في الجليل ميدانياً، من الأفضل أن تكون هذه الفئة داخل إسرائيل قد تبلورت فكرياً وثقافياً.
* باحث لبناني