«تذكّرنا كلّ المآسي التي مررنا بها... وتذكّرنا شعبنا والظروف التي يعيش فيها... والجمود الذي نظر به الرأي العالمي إلى قضيتنا... لذلك شعرنا أنّه يجب علينا أن لا نسمح لهم بسحقنا... سندافع عن أنفسنا وعن ثورتنا بجميع الطرق والوسائل الممكنة»

جورج حبش (1926-2008)

«يتعلّم المقاتل في سبيل الحرّية أنّ المُضطهِد هو من يحدّد طبيعة الصراع، وغالباً ما يُفرض على المُضطهَد استخدام أساليب تستنسخ تلك التي يستخدمها المضطهِد»
نيلسون مانديلا (1918-2013)

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان بستة أشهر، وتحديداً في كانون الأول من عام 1982، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/RES/37/43. والذي ينص على «أهمية التطبيق العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير»، مؤيّداً ومن دون تحفظ «حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرّف في تقرير مصيره وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنيين دون تدخل خارجي». وأكد من جديد على شرعية نضاله في سبيل هذه الحقوق و«بجميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح».

(تصميم: محمد معلّم)

كما أدان القرار وبشدة، كُلّاً من «أنشطة إسرائيل التوسّعية في الشرق الأوسط، والقصف المستمر للمدنيين الفلسطينيين»، معتبراً أن ذلك يشكّل «عقبة كبيرة أمام تطبيق حقّ تقرير المصير واستقلال الشعب الفلسطيني». رغم ذلك، استمر العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ولم تتوقّف عمليات استعمار أراضيهم خلال جميع العقود الأربعة التي تلت إصدار هذا القرار. فحتى اللحظة، لا يزال الفلسطينيون في جميع أنحاء فلسطين التاريخية، من قطاع غزة إلى الشيخ جراح، يرزحون تحت الاحتلال ذاته، وتحت سيطرة خانقة على كل جوانب حياتهم تقريباً. وبالإضافة إلى كل ذلك، فهم يتعرّضون لعنف ساديّ من الدولة الصهيونية وبشكل لا يخضع لأي محاسبة.
إلى جانب تبني الأمم المتحدة لهذا القرار، فالقانون الدولي يضمن أيضاً حقّ الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال. وكذلك، تفرض «اتفاقية جنيف الرابعة» على القوى المحتلة حماية «الوضع القائم وحقوق الإنسان وآفاق تقرير المصير للسكان المُحتلِّين». ويبيّن الخبير في القانون الدولي ريتشارد فالك، الذي شغل لاحقاً منصب المقرر الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أنّ رفض إسرائيل الصريح والصارخ لهذا الإطار من الالتزامات القانونية، لهو بمثابة إنكار جوهري لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وهو ما يقوّض حقهم القانوني في المقاومة. تزامن تقييم فالك مع انتفاضة الأقصى، ومن حينه لا يزال احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وتجاهلها الصارخ للقانون الدولي، سواء من خلال بناء المستوطنات غير القانونية أو الانتهاكات اليومية. بل إنه في الواقع لم يزدد الاحتلال إلا ترسّخاً منذ ذلك التاريخ، وكان ذلك كلّه بالتعاون مع السلطة الكمبرادورية الفلسطينية.
وبعيداً عمّا ينصّ عليه القانون الدولي، فإن الفلسطينيين يتمتعون بحق أخلاقي جوهري في مقاومة هذا الاستعمار المستمر. ومن ذلك حق مواجهة القمع الذي يتعرّضون له عبر المقاومة المسلّحة، وهو حق يجب الاعتراف به ودعمه. وممّا لا شكّ فيه أنّ للمعاناة التي توارثها الفلسطينيون من جيل إلى جيل، والتي كان لسكان قطاع غزة المعرّض للحصار والقصف النصيب الأكبر منها، سبباً رئيسياً واحداً ألا وهو إسرائيل، ورغبتها الدائمة في شنّ الحروب والتوسّع وممارسة العنصرية المتأصلة في إيديولوجية دولتها ألا وهي الصهيونية. فخلافاً لسردية وسائل الإعلام الغربية، التي تصوّر وبشكل دائم أن السياسات الإسرائيلية تندرج تحت إطار «الردّ»، فإنّ كل أفعال الفلسطينيين هي بطبيعتها وجوهرها ردّة فعل، وذلك نظراً إلى أنّ العنف الذي تمارسه إسرائيل هو عنف دائم وبنيوي في آن واحد. وبالتالي، فهو يسبق أي ردة فعل عليه. من هنا، يبيّن باولو فرير أنه «وبمجرد تأسيس علاقة قائمة على الاضطهاد فإن العنف كان قد بدأ بالفعل»، ويصبّ كلام آخر لعلي أبو نعمة في المسار ذاته حيث يقول إن «جذور كل عنف سياسي في فلسطين تعود للاستعمار الصهيوني».
انطلاقاً من ذلك، يجب أن يكون تبني الموقف الداعم للكفاح المسلح أمراً غير قابل للجدل، بل وموقفاً طبيعياً بين مؤيدي القضية الفلسطينية، نظراً إلى وضوح حقّ الفلسطينيين القانوني والأخلاقي بالاستمرار في المقاومة المسلحة. ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن التعبير عن هذا الموقف لهو أمر نادر في الغرب، حتى من قبل أولئك الذين يُظهرون وبشكل علني تضامنهم مع فلسطين. وللمفارقة، يحكم هؤلاء المؤيّدون المزعومون على تصرّفات المقاومة الفلسطينية المسلحة، كعمليات إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على أنها جزء من المشكلة وأنّه يجب الاستغناء عنها باعتبارها «عقيمة وعديمة الجدوى». بل إن الأمر قد وصل بهم إلى حد وصفها بـ«جرائم حرب» و«فظائع لا يمكن تصوّرها»، حيث تتم مقارنتها بالعقاب الجماعي والتعذيب والسجن والقصف والقتل التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين. ويجادل بيكروم غيل أنّ هذا الشكل من أشكال التضامن يقوم أساساً على «إعادة تصنيف الفلسطينيين ككائنات منزوعة السيادة بطبيعتها، حيث لا يمكن رؤيتهم إلا كفاعلين خاضعين ومستضعفين وفي موقع المفعول به إمّا من قبل آلة العنف الإسرائيلية أو من قبل حماتها الإمبرياليين البيض».
فأن يجلس أولئك في الغرب بأمان وراحة، ثمّ يدينون أعمال المقاومة الفلسطينية المسلحة التي يختار شنّها الفلسطينيون بمحض إرادتهم معرِّضين حياتهم في كل مرة للخطر لهو موقف شوفيني بامتياز. وعليه، يجب الإقرار هنا وبوضوح تام، بأنّ أولئك الذين يختارون التضامن مع الفلسطينيين من بعيد، ليسوا بموقع يؤهّلهم أو يسمح لهم بأن يملوا عليهم طرق النضال ضد الاستعمار، والذي بحسب فرانتز فانون لهو كفاح ضروري للحفاظ على إنسانيتهم وكرامتهم، وفي نهاية المطاف تحقيق تحررهم.
أولئك الذين يختارون التضامن مع الفلسطينيين من بعيد، ليسوا بموقع يؤهّلهم أو يسمح لهم بأن يُملوا عليهم طرق النضال ضد الاستعمار


بالإضافة إلى ذلك، لا يحق لمن لا يرزحون تحت وطأة وحشية الاحتلال أو للّذين ليسوا من اللاجئين الناجين من التطهير العرقي، أن يحكموا على طريقة الفلسطينيين في مواجهة مستعمِريهم. حيث يمسي التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين بلا معنى تماماً، وذلك في حين كان سيختفي في اللحظة التي يقرّر الفلسطينيون فيها مواجهة قمعهم بما هو أكثر من الحجارة، وبشكل لا يعود بالإمكان فيه تصويرهم على أنهم شجعان و«فوتوجينيك»، أي عملية تكريس أنهم مجرد ضحايا وضعفاء ومن دون حيلة. ومن هنا تساءل القيادي في حركة «حماس» يحيى السنوار باستغراب: «هل يتوقّع منا العالم أن نظهر بهيئة الأضحية المهذّبة والقنوعة والخلوقة، التي تُقتل من دون إبداء أي اعتراض؟ هذا أمر مستحيل فلقد قررّنا الدفاع عن شعبنا بكل ما أوتينا من قوة».
تحاكي هذه الظاهرة ما يُطلق عليه جونيس مانويل «ولع اليسار الغربي بدور المهزوم»، والتي تموضعه في موضع «الظلم والمعاناة والاستشهاد»، وهو ما يتعارض تماماً مع ممارسات المقاومة والثورة الناجحة. يتابع مانويل حديثه بأن هنالك حالة من الانتشاء لدى الناس عندما يرون صور طفل أو مراهق فلسطيني وهو يحاول قذف حجر على دبابة، وذلك وعلى نمط أن مثل هذا التصرّف لهو مثال عن البطولة، بيد أنه وفي الوقت عينه فعل يرمز ويوحي بالبربرية، حيث إنه لشعب لا يملك المقدّرات للدفاع عن نفسه في وجه آلة إمبريالية استعمارية مسلحة من رأسها وحتى أخمص قدميها. أي، بكلام آخر، تتم «رمسنة» (من رومنسية) حقيقة هوّة التوازن في القوى وغياب القدرة على المقاومة.
ونتيجة لذلك، تُعبّر شريحة كبيرة من اليسار الغربي عن تضامنها مع القضية الفلسطينية بطريقة مجرّدة وعامّة، وهم أيضاً يولون أهمية مبالغ فيها لدورهم. وفي الوقت ذاته ترفض هذه الشريحة المجموعات التي تقاتل حالياً على الأرض وتموت في سبيل هذه القضية. فكثيراً ما يتعرّض الأشخاص الذين يرفضون الاستسلام ويتكبّدون ثمناً باهظاً للاستمرار بالمقاومة للإدانة من الأطراف نفسها التي تعبّر عن تضامنها مع القضية. ولذلك، فإننا نشهد أنه ومن الشائع أن يتجاهل هؤلاء أنفسهم القوى الخارجية التي تمدّ المقاومة الفلسطينية بالدعم المادي أكثر من غيرها وعلى وجه الخصوص إيران. وفي حال، تمّ ــــ في سيناريو نادر ــــ الاعتراف بهذا الدّعم فيتمّ التقليل من شأن المجموعات الفلسطينية التي تتلقاه وذلك عبر وصفهم بـ«المخدوعين» أو «الأدوات»، لأنهم سمحوا بأن يتمّ استخدامهم بأنانية لتحقيق أهداف تخدم مصلحة الآخرين، وهو ما يتعارض مع تصريحات القادة الفلسطينيين أنفسهم.
في هذا السياق، يتمّ انتقاد حركة «حماس» بسبب ما يتمّ وصفه بالإطلاق «العشوائي» للصواريخ من غزة، وهو ما تصنفه باستمرار منظمتا «هيومن رايتس ووتش» و«العفو الدولية» كـ«جرائم حرب». يلاحظ الكاتبان بيروجيني وغوردون أنّ الأساس الزائف الذي يعتمد عليه هذا التصنيف «يقوم على أنّ استخدام الصواريخ المنزلية الصنع ــــ نظراً إلى أنّه يصعب على شعب يرزح تحت الحصار توفير وسائل أخرى ـــــ يعد جريمة حرب. أي وبتعبير آخر، يتمّ تجريم المجموعات المسلحة الفلسطينية بسبب دونيتها التكنولوجية». بعد الجولة الأخيرة من القتال في أيار 2021، أعلن السنوار بوضوح أنّه «على عكس إسرائيل، التي تمتلك ترسانة كاملة من الأسلحة، وأحدث المعدات والطائرات، وتقصف عمداً أطفالنا ونساءنا، لو كنا نمتلك القدرة على إطلاق الصواريخ الدقيقة القادرة على استهداف الأهداف العسكرية، لما استخدمنا الصواريخ التي استخدمناها. نحن مُلزمون بالدفاع عن شعبنا بما هو متوفر لدينا، وهذا المتوفر».
يشكّل الفشل في الاعتراف بقانونية الكفاح المسلح جزءاً من مشكلة أوسع وهي تتمثّل في المنظور الذي يتبنّاه عدد كبير من مؤيّدي القضية الفلسطينية في الغرب، والذي يُغيِّب الطبيعة الأساسية لهذا الصراع، وعليه طريقة حله وإنهائه. ففلسطين ليست مجرد قضية حقوق إنسان أو حتى مجرّد قضية فصل عنصري، بل هي معركة مناهضة للاستعمار في سبيل التحرير الوطني وتخوضها مقاومة مؤلفة من السكان الأصليين ضد قوات مستعمرة من المستوطنين المدعومين من الإمبريالية. يُستخدم اليوم لفظ «إنهاء الاستعمار» بشكل متكرّر ومجرّد في الغرب، أو في ما هو محصور بالمناهج الدراسية والمؤسسات والفن العام، ولكن نادراً ما يتم ربطها بما هو فعلياً أكثر أهمية من هذا كلّه ألا وهو الأرض. حيث إن هذا تحديداً هو جوهر القضية، فلا بد من إنهاء استعمار أرض فلسطين وخلع المستعمرين الصهاينة وتفكيك هياكلهم وحواجزهم العنصرية، المادية والسياسية على حد سواء ومنح حق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين.
ولا بد من الإشارة إلى أنّ التأكيد على أهمية دعم حق الفلسطينيين في خوض الكفاح المسلح، في سبيل انتزاع حريتهم، لا يعني أنّ على مناصريهم في الغرب أن يدعوا إلى العنف بلا مبالاة أو يهللوا له بشكل غير مبرّر. وهو لا يعني أيضاً أنّ الجهود التي تتّسم بطابعٍ سلمي، على غرار «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات»، هي غير ذات أهمية. بل بدلاً من ذلك، ينبغي النظر إلى مثل هذه الحركة على أنّها جزء لا يتجزأ من حركات مقاومة أكثر شمولاً، يشكّل الكفاح المسلّح عنصراً لا غنى عنه فيها. من هنا يؤكد مؤسس «حملة مقاطعة إسرائيل في لبنان» سماح إدريس، أنّ «شكلَي المقاومة، المدنية والمسلحة، يكمّل أحدهما الآخر، ولا يجب حصر المقاومة بأي منهما بشكل حصري». أو كما يؤكّد خالد بركات، فإنّ «إسرائيل وحلفاءها لم يتقبّلوا أي شكل من أشكال المقاومة، وإنّ حملات المقاطعة والتحشيد الشعبي لا تشكّل بديلاً من المقاومة المسلحة، بل هي تكتيكات متداخلة من النضال».
يُعدّ تحليل نيلسون مانديلا في هذا السياق مهماً، عندما لفت إلى أنّ «المقاومة السلمية السلبية تكون فعّالة طالما عدوّك ملتزمٌ بنفس القيود التي تلتزم بها أنت، أمّا إذا قوبلت تظاهرة سلمية بالعنف، فحينئذٍ تنتهي فعالية السلمية». فبالنسبة إلى مانديلا، اللاعنف ليس مبدأً أخلاقياً بل استراتيجية، فلا إفادة أخلاقية من استخدام سلاح غير فعّال. وفي معرض تبريره للأساس المنطقي خلف قرار «المؤتمر الوطني الأفريقي» بتبني المقاومة المسلحة، أوضح مانديلا أنّه لم يتبقَّ آنذاك أي مسار بديل، قائلاً: «استخدمنا، مراراً وتكراراً، جميع ما في حوزتنا من أسلحة سلمية: الخطابات والتهديدات والمسيرات والإضرابات والسجن الطوعي، كل ذلك من دون جدوى، لأنّ كل ما كنّا نفعله كان يقابل بيدٍ من حديد». وتعكس تصريحات السنوار أيضاً هذا الموقف، في إشارته إلى «مسيرات العودة الكبرى» بين عامَي 2018 و2019 والتي أقدم خلالها قناصون إسرائيليون على قتل مئات المحتجين الغزاويين والتسبب بجروح خطرة للآلاف: «جرّبنا المقاومة السلمية والمقاومة الشعبية، وبدلاً من التحرّك للحد من المجازر التي ترتكبها إسرائيل، وقف العالم ليشاهد ماكينة العدو الحربية تقتل شبّاننا».
إنّ حديث مانديلا عن الفعالية هو أمر بالغ الأهمية. وبالرغم ممّا يحاول العديد من المؤيدين الغربيين زعمه ضمناً، فحتى لو كانت كلفتها باهظة فإنّ المقاومة الفلسطينية المسلحة في غزة ليست «عقيمة»، بل تطوّرت بشكل هائل، سواء من حيث الفعالية أو القدرة على الردع. وقد ظهر ذلك بوضوح بعد فشل إسرائيل في كسب الحرب على غزة في عام 2014، وأكّده أكثر النجاحُ الذي حقّقته المقاومة أخيراً في أيار 2021، عندما أطلقت عدداً غير مسبوق من الصواريخ التي بات بإمكانها الآن أن تصل إلى عمق فلسطين التاريخية. وعلى الرغم من القصف الجوي المدمر الذي شنّته إسرائيل على غزة، فهي لم تتمكّن من وقف إطلاق هذه الصواريخ. وبعد الخسائر التي تكبدتها في عام 2014، باتت إسرائيل اليوم تخشى وبشكل كبير شنّ غزو بري آخر للقطاع، ولا سيما أن المقاومة أصبحت مجهّزة الآن بأعداد أكبر من صواريخ «كورنيت»، التي كان لها أثرها القاتل على الدبابات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
في الواقع، يتمّ النظر إلى وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 21 أيار، وعلى نطاق واسع في إسرائيل، على أنّه هزيمة. في المقابل، يحتفي به الفلسطينيون على امتداد فلسطين التاريخية على أنّه انتصار، فالموازين العسكرية تبدّلت. وبالرغم من أنّ إسرائيل لا تزال، وفق جميع المعايير المتعارف عليها، أقوى إلى حدّ كبير، فإن المقاومة باتت في موقع أقوى الآن مقارنة بالسنوات السابقة. ولقد بنت على انتصارات حزب الله على إسرئيل في عامَي 2000 و2006، ومع دعم هذه المجموعة اللبنانية وغيرها من المجموعات المنتمية إلى محور المقاومة تمكّنت من الارتقاء بقدراتها إلى مستوى أعلى. ومن انعكاسات هذا التحوّل أنه ومنذ عام 2014 تراجعت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية، ولم يعُد ينتُج عن اعتداءاتها على غزة ارتفاع فوري في أسعار أسهم شركات الأسلحة التابعة لها، والتي تستخدم غزة كساحة تدريب ومسرح لاختبار أحدث تكنولوجياتها. لاحظ شير هيفر أنّه بعد الفشل الذي مُنيت به إسرائيل في غزة بداية عام 2014، بدأ زبائن شركات الأسلحة التابعة لها يتساءلون: «ما الفائدة من كل هذه التكنولوجيا؟ وإذا كانت غير قادرة على ضبط الفلسطينيين بهذه الصواريخ، فلماذا نشتريها أصلاً؟».

تُعبّر شريحة كبيرة من اليسار الغربي عن تضامنها مع القضية الفلسطينية بطريقة مجرّدة وعامّة، وهم أيضاً، يولون أهمية مبالغاً فيها لدورهم


بالإضافة إلى قيمته العملية، فإن للكفاح المسلّح قيمته الدعائية المهمّة، فما كانت فلسطين لتتصدّر عناوين الأخبار عالمياً في أيار 2021 لولا العمليات العسكرية التي شنتّها غزة، والتي لا تشمل فقط حركة «حماس» ــــ التي تحاول وسائل الإعلام الغربية التركيز عليها حصراً ــــ بل فصائل عدّة منضوية ضمن جبهة موحدة، بما في ذلك «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين»، وحركة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» الماركسية-اللينينية. وتشكّل «الجبهة الشعبية» مثالاً بارزاً في هذا الصدد، بفضل أنشطتها في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وأبرزها سلسلة عمليات اختطاف الطائرات، كان يتمّ خلالها إطلاق سراح المسافرين من دون تعريضهم لأي أذى، وقد ساهمت في زرع القضية الفلسطينية في وعي الملايين من الناس للمرّة الأولى، وشكّلت نقطة تحوّل رئيسية في زيادة الوعي عالمياً تجاه المحنة التي يعاني منها الفلسطينيون. في الواقع، يرى غسان كنفاني أنّ الكفاح المسلح هو «أفضل شكل من أشكال الدعاية»، وأنه على الرغم من «نظام الدعاية العملاق في الولايات المتحدة»، ففي نهاية المطاف، إنّ الناس الذين يقاتلون لتحرير أنفسهم عبر الكفاح المسلّح هم من يقرّرون ما ستؤول إليه الأمور.
بعد قصف النظام المدعوم من الغرب في الأردن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين عام 1970، قامت «الجبهة الشعبية»، بقيادة رفيق كنفاني ـــ والذي ضمّه إلى الجبهة ـــ جورج حبش، باتّخاذ مجموعة من المواطنين من الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وبريطانيا الذين كانوا من الداعمين الأساسيين لإسرائيل رهائنَ في فندقين في عمّان. اشترطت الجبهة «إنهاء جميع عمليات قصف المخيمات وتلبية جميع مطالب حركة المقاومة الفلسطينية» في مقابل إطلاق سراحهم بأمان، وقبيْل إطلاق سراحهم خاطب حبش الرهائن معتذراً:
«أشعر أنّه من واجبي أن أشرح لكم لماذا فعلنا ما فعلناه، من وجهة نظر ليبرالية، أنا أشعر طبعاً بالأسف لما حصل، وأنا أعتذر لأننا تسبّبنا لكم ببعض المشاكل في اليومين أو الثلاثة الماضية. لكن إذا وضعنا ذلك جانباً، أتمنى أنّكم ستفهمون، أو على الأقل ستحاولون فهم لماذا فعلنا ما فعلناه. ربما سيكون من الصعب عليكم فهم وجهة نظرنا، فالناس الذين يعيشون في ظروف مختلفة يفكرون بطرق مختلفة. فلا يستطيعون فهم الطريقة التي نفكر فيها نحن. كشعب فلسطيني في الظروف التي نعيشها لسنوات طويلة جداً شكّلت طريقة تفكيرنا ونحن لن نستطيع أن نفعل شيئاً حيالها. ستتمكّنون من تفهّم طريقتنا في التفكير، عندما تدركون حقيقة أساسية وهي أننا نحن الفلسطينيين وعلى مدى السنوات الـ22 الماضية كنا نعيش في المخيمات والخيام، لقد تم طردنا من بلدنا ومنازلنا وأراضينا، ثمّ اقتُدنا كالأغنام وتُركنا هنا في مخيمات اللاجئين، في ظروف غير إنسانية.
منذ 22 عاماً ينتظر شعبنا لحظة استعادة حقوقه، ولكن ما من شيء حدث... وبعد 22 عاماً من الظلم واللاإنسانية، والعيش في المخيمات من دون رعاية من أحد، نشعر بأن لنا الحق الكامل في حماية ثورتنا لنا ولنا كل الحق في ذلك. فنحن لا نتناول لدى استيقاظنا في الصباح كوباً من الحليب مع النسكافيه، ثمّ نقضي نصف ساعة أمام المرآة، نفكّر في السفر إلى سويسرا أو تمضية شهر في هذا البلد أو ذاك... ففي المخيمات نحن نعيش كلّ يوم بيومه... ولا يمكننا أن نكون هادئين مثلكم، لا نستطيع التفكير مثلكم. نحن لا نعيش في هذه الحالة منذ يوم واحدٍ ولا يومين ولا ثلاثة أيام، ولا منذ أسبوع ولا أسبوعين ولا ثلاثة أسابيع، ولا سنة واحدة أو سنتين. بل منذ 22 سنة. إذا جاء أي منكم إلى هذه المخيمات وبقي فيها لأسبوع أو أسبوعين، فسيتأثّر حتماً. أعذروا ضعف لغتي الإنكليزية فمن الناحية الشخصية أنا أعتذر منكم، أعتذر عمّا عانيتموه من مشاكل في الأيّام الثلاثة أو الأربعة الماضية، لكن ومن وجهة نظر ثورية، نحن نشعر وشعورنا سيتسمرّ بأنّ لنا الحق كلّ الحق للقيام بما قمنا به».
ينبغي الاستماع إلى كلمات حبش بعناية، فقد أصبحت رسالته الملحّة أكثر وضوحاً بعد نصف قرن من الزمن، نظراً إلى أنّ الفلسطينيين، الذين يرفضون باستمرار تأدية دور الضحايا السلبيين ــــ أي من دون مقاومة ــــ أمضوا وحتى يومنا هذا 73 سنة في الظروف البائسة التي تحدّث عنها حبش لا 22 عاماً فقط.
في الختام، فكما قال يوماً ماو تسي تونغ عن الثورة فهي «ليست حفلة عشاء أو موضوعاً إنشائياً أو رسم لوحة أو عملية تطريز ولا يمكنها أن تكون منمّقة وهادئة ولطيفة جداً». والأمر نفسه ينطبق على عملية إنهاء الاستعمار، الذي وعلى الرغم من تنوّع سبل مكافحته والنضال ضده في الماضي، فقد ظلّت المقاومة المسلحة، في كلّ مرة تقريباً، جزءاً لا يتجزأ من النضال وليست فلسطين استثناءً عن كل ذلك. وبعيداً عن تأييد حملة «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» وغيرها من حملات المجتمع المدني، فمن الضروري أن يحظى حق الفلسطينيين الذي لا غبار عليه في مواصلة الكفاح المسلح بدعم أولئك الذين يختارون التضامن معهم ومع قضيتهم المحقّة.

* كاتب ومؤرّخ بريطاني والمحرّر المؤسّس لموقع «Liberated Texts». نُشر المقال في مجلة «EBB» البريطانية الإلكترونية، وتنشره «الأخبار» مترجَماً عن الإنكليزية بالتعاون مع الكاتب