مَن كان ليصدّق أن مي شدياق لا تكنّ محبّة وودّاً للشعب السوري؟ أنا صراحة ذُهلت مثل غيري عندما اكتشفتُ هذا الأسبوع أن الشدياق ودوري شمعون والقوّات اللبنانيّة (التي وصف قطاعها النقابي الشعب السوري بالقطيع) لم يكونوا صادقين وصادقات عندما أعلنوا مناصرتهم القويّة للشعب السوري في «ثورته» المجيدة. هل كان هؤلاء يستغلّون الشعب السوري لمآربهم الخاصّة؟ أليس هؤلاء كلهم عروبيّون مستجدّون (بتعريف العروبة المُستجدّ، أي الذي ينطبق على كل من يتلقّى المال أو (و) الأوامر من المخابرات السعوديّة) وهم يريدون وحدة الشعب العربي؟


هل كنتُ أنا ساذجاً عندما صدُقت هؤلاء في إعلانهم عن رغبتهم بنصرة معركة الشعب السوري للتحرّر؟ كيف تصف مي شدياق، التي أفنت سنوات في الدفاع عن الشعب السوري وحقوقه، بـ«الاكتظاظ الديمغرافي»؟ يبدو أنني وقعت ضحيّة خدعة من حركة 14 آذار. هؤلاء، على ما يبدو، لا يكنّون الحب والهيام للشعب السوري. من السهل والاستسهال السخرية من الاقتراع السوري - وإن لم يبلغ حدود الـ99% التي أتقنت الأنظمة البعثيّة استحصالها ولو بالقوّة. حفلات الاقتراع والهتاف في ظلّ دوي المدافع والسيّارات المفخّخة والبراميل المُتفجّرة وقوارير الغاز المُتفجّرة (لماذا يعتبر الإعلام الغربي ان السيّارات المُفخخّة والقوارير المتفجّرة تتفوّق أخلاقيّاً على البراميل المفتجّرة التي كان أوّل من أدخلها إلى منطقتنا العصابات الصهيونيّة في الثلاثينيات من القرن الماضي - «الأرغون» تحديداً (راجع كتاب «الإرهاب في صهيون»، ص. 245) كذلك «الهاغاناه» استعملتهم في التطهير العرقي في فلسطين (راجع كتاب جون كويغلي «مرافعة من أجل فلسطين: من منظور القانون الدولي»، ص. 59).


العنصريّة ضد الشعب السوري كانت مكوّناً أساسيّاً في تكوين حركة 14 آذار
لماذا الإصرار على إجراء انتخابات والمدافع والصواريخ والقنابل من مختلف الاتجهات لم تتوقّف بعد؟ ماذا يعني إصرار النظام على الانتخابات؟ هل هي شبق التمثيل الشعبي؟ لبنان جمّد انتخاباته طيلة سنوات الحرب الأهليّة، ومدّد لمجلسه النيابي لنحو عقديْن من الزمن، قبل أن يكتشف فضيلة التعيين (والتعيين الاقتراعي بعدها). لكن النظام السوري الذي لم يكن معروفاً عنه اهتمامه بالانتخابات يظهر حماساً غير عادي لإجرائها هذه المرّة. لكن بشّار (هو فاز وليس حسّان النوري الذي يقول إنه يحمل شهادة دكتوراه من جامعة - جامعة جون كنيدي - لا تعطيها، وهي جامعة غير مُعترف بها وتبيع شهادات) تحفّظ منتصراً، وطالب مناصريه بعد إطلاق الرصاص في الهواء توفيراً لذخيرة النظام الغالية.
قل إنها طقوس الانتخابات، وهو موضة في بلادنا وهي نتاج نفاق الدول الغربيّة في تعاطيها مع حلفائها من الطغاة. يريد الغرب السيطرة الكليّة في دول العالم العربي لكنّه يريد أيضاً ان يسوّغ لرأي عامه أسباب تحالفه مع أنظمة لا تختلف مع تلك الأنظمة التي يؤلّب رأي عامه ضدّها بذريعة غياب الديمقراطيّة عنها. وهو لذلك يقتصد في مطالبته بالانتخابات إلا إذا كانت نتائجها محسومة سلفاً، وهذا ما صدم الإدارة الأميركيّة عندما دفعت باتجاه إجراء انتخابات فلسطينيّة في 2006. ظنّت الإدارة ان دعمها المالي والعسكري لحركة «فتح» كفيل بضمان نجاحها. وعندما لم تعجبها النتائج كانت أوّل من حارب لقلب نتائجها والقيام بانقلاب دحلاني استبقته حركة «حماس» في حينه (وقد كتب الصحافي الأميركي، ديفيد روز، عن ذلك مدعماً بالوثائق في مقالة في 2008 في مجلّة «فانتي فير»).
وطقس الديمقراطيّة، لا مضمونها، هو الذي تريد أميركا من طغاتها اقتناءه. في تصنيفات الديمقراطيّة لعالم السياسة الإيطالي جيوفاني سارتوري في كتابه «نظريّة الديمقراطيّة»، يتيح المؤلّف المجال لتعرفات عن الديمقراطيّة تسمح واحدة منها باقتناء قشرتها فقط (وحتى في مضمون الديمقراطيّة يعترف سارتوري ان الحكم الديمقراطيّ يسمح للشعب بتغيير حكّامه فقط وليس بحكم نفسه، بعيداً من لغو الحكّام عن الديمقراطيّة). إن مبنى «مجلس الشورى» السعودي يفوق في ضخامته وأناقته ورونقه معظم مباني المجالس النيابيّة حول العالم مع أنّه أقلّها تأثيراً وتقريراً ونفعاً. الطريف ان أعضاء «مجلس الشورى» السعودي يعلمون أنهم مُعيّنون ولا يُقرّرون (ولا يقرّرن) وان المطلوب منهم (ومنهنّ) فقط التصفيق لحكمة العائلة المالكة، كما يعلم ذلك كل حلفاء النظام السعودي الغربيّين، لكن هذا لا يمنع زعماء الدول الغربيّة من الظهور امام المجلس المذكور لإلقاء خطب عصماء حول شؤون دوليّة خطيرة لتمثيل دور احترام المجلس، ولا يمنع تلك الدول من الثناء على آل سعود لتعيينهم نساء في مجلس صوَري. ومحمود عبّاس لم يُعد انتخابه منذ سنوات لكن هذا لا يمنع من إجماع الدول الغربيّة على شرعيّة دوره فقط لأن هذا الدور يتوافق مع السياسات الغربيّة (والإسرائيليّة). والنظام الأردني يفصّل النظم الانتخابيّة على مقاس القبائل والتقسيم العنصري، لكن هذا لا يمنع وسائل إعلام الغربيّة من استضافة الملك الأردني والتعامل معه على أنه ممثّل لثاني دولة ديمقراطيّة حقيقيّة في منطقتنا. سخرت الحكومات الغربيّة من «انتخاب» بشّار لكنها لم تسخر أبداً من «انتخاب» السيسي.
واعتناق خطاب وطقوس والديمقراطيّة بات تقليداً معروفاً. حتى العائلة المالكة السعوديّة أعلنت تشكيل «هيئة البيعة» بحيث يتحوّل أقلّ الطقوس والعادات ديمقراطيّة (وأكثرها تخلّفاً) إلى طقس ديمقراطي في الشكل. قد يعود ذلك لاكتشاف الراعي الأميركي: بغياب الشرعيّة السياسيّة الشعبيّة (وهي قد توجد من دون انتخابات أو معها كما كانت الحال في عهد عبد الناصر مثلاً - هل هناك من حاز انتخابيّاً على شرعيّة شعبيّة أكثر منه حتى من دون انتخابات؟) نقتني لطغاتنا أشكالاً من الشرعيّة الموسميّة.
ميّز عالما السياسة الأميركيّان، جيمس بيل وروبرت سبرنغبورغ، في كتاب ليس بجديد لهما عن «السياسة في الشرق الأوسط» بين الأطر الشكليّة والمؤسّسات الحقيقيّة، وبين السياسة الرسميّة والسياسة غير الرسميّة، في درس السياسة في الشرق الأوسط. وعليه، كان حزبا «البعث» يحكمان من خلال العائلة أو الشلّة لكنهما حرصا على خلق مؤسّسات ومجالس فارغة وذلك فقط لأن أدبيّات الحزب تحدّثت عن الديمقراطيّة ووعدت بها، ولأن هناك من ظنّ ان الشعب سيصدّق كل ما سيُلقى نحوه من أكاذيب.
لكن في إصرار النظام السوري على إجراء انتخابات رسالة تحدّ ضد إرادة «أصدقاء سوريا» (الأميركيّي النزعة وهم غير «أصدقاء سوريا» الإيرانيّي النزعة - كم يعج الكون بأصدقاء للشعب السوري يبذلون من أجله الغالي والنفيس والمُتفجّر). أراد النظام السوري أن يثبت قدرته على الوقوف بوجه ما دبّره ضدّه أعداؤه. يعرف النظام أن الانتخابات تلك سيشوبها أكثر ما شاب انتخابات بعثيّة سبقتها، ويعرف النظام ان الانتخابات ستكون منقوصة مثل الانتخابات البلديّة في مملكة القهر السعوديّة. لكن نوبة الدين تتلازم مع نوبة الديمقراطيّة (الشكليّة) في العالم العربي من أجل كسب ما يلزم من الشرعية السياسيّة. والنظم الانقلابيّة تحتاجها اكثر من غيرها لأنها تأتي دائماً بوعد تخطّي شكليّة ديمقراطيّة السلف. احتاج بشّار إلى أن يتفوّق على نفسه هذه المرّة (وعلى منافسيْه).
حتى الانتخابات النيابيّة في لبنان، الذي يُعتبر (أو «يُعطَبر»، على قول أمين الجميّل) من أكثر الدول العربيّة ديمقراطيّة فإن انتخاباته (وديمقراطيّته) شكليّة لأن أميركا تعلم ان أموالها وأموال حلفائها العرب والغربيّين، إضافة إلى أموال أصحاب الميليارات الذين لا يمكن ان يصطدموا حكماً مع مصالح أميركا في المنطقة (يُسأل في ذلك نجيب ميقاتي)، تسهّل السيطرة على نتائجها لكن تعارض التناقضات الطائفيّة إضافة إلى تنوّع التدخّلات الخارجيّة تسمح بالمفاجآت غير المرغوبة (أحياناً فقط).
ليست تلك هي الانتخابات وقراءة نتائجها تجوز قبل إعلان النتائج. لقد أنهك الشعب السوري ولم يعد له طاقة على تمثيل مسرحيّة الطاعة والخضوع. ثلاث سنوات طويلة من حرب متوحّشة فاقت الحرب الأهليّة اللبنانيّة في وحشيتها وفي تدخّل وتشعّب أطرافها. لكن قرّر النظام هذه المرّة أن يغيّر من طقس الانتخابات: سُمح لاثنيْن بمنازلة بشّار الأسد مع تفاوت من حيث السيطرة على ما تبقّى من مقدّرات الدولة والجيش وقوى الأمن والمخابرات. والمرشّحان المُتنافسان يلتزمان بآداب اللعبة المفروضة عليهما. يتحدّثان بإذن وأدب ويصمتان بإذن ويداوران في ظروف ترشيحهما.
لكن لماذا كانت ردّة الفعل القويّة من الإعلام الحريري - السعودي - الغربي على مشاهد آلاف من الناخبين والناخبات؟ جُنّ الإعلام الغربي على (مع أن الشائع «عن») بكرة أبيه. الكل يطلع بنظريّات للتخفيف من وطأة مشاهد الزرافات من المقترعين والمقترعات في لبنان وفي دول مختلفة حول العالم. طبعاً، لا ينجرّ المرء مع تحليلات البعض في إعلام الممانعة عن إجماع سوري حول شخص بشّار الأسد لأنه وحده يمثّل كل الشعب السوري، ولا ينجرّ إلا الأقرع إلى نظريّات ميشيل كيلو الذي جزم أن الدبّابات هي التي أجبرت المقترعين على الاقتراع (من لبنان إلى الأرجنتين). الرفيق حسن علّيق كان على حقّ عندما كتب أن الاقتراع كان بدافع التوق إلى الاستقرار (بصرف النظر عن صواب نظرة تمثيل حكم بشّار للاستقرار بعد ما مرّت به سوريا في «ثورتها»). وحماسة البعض في تأييد بشار هو مُحرج لكل «أعداء سوريا» لأن بشاعة الفرق المُسلّحة (في خطابها وممارساتها وحتى في أدائها العسكري) نفّر الشعب السوري وكفّره بـ«انتفاضة» كان يمكن ان تحظى بتأييده لو ان قطر والسعوديّة وإسرائيل وأميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا لم تسرقها مبكّراً.
لكن جنون الإعلام الغربي يرجع إلى اكتشافه غير المعلن بطلان نظريّاته وفرضيّاته وثوابته عن الوضع السوري. الإعلام الغربي في تغطية سوريا (ويتساوى هنا معظم الإعلام من مجلّة الـ«إيكونوميست» الرصينة إلى «غارديان» اليساريّة إلى «إندبندنت») يتلاقى حتى بالتفاصيل مع بعضه بعضاً، ومع إعلام النفط والغاز والكاز حتى انهم يتناقلون من بعض من دون استشهاد. لا تختلف صحف «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«غارديان» عن صحف أمراء آل سعود ومواقع مثل «ناو حريري». هناك غرفة عمليّات مركزيّة، والسخرية من نظريّة المؤامرة في النظر إلى الصراع في سوريا هو أغبى بكثير من الأخذ بها.
1) قرّر الإعلام الغربي مُبكّراً أن بشّار راحل لا محالة في أيّام أو أسابيع على أبعد تقدير. كانت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة تردّد في صورة شبه يوميّة: «على الأسد أن يرحل»، وخلفها في الوزارة جون كيري ولم يردّد كلمات سلفه.
2) قرّر الإعلام الغربي ان الانتفاضات العربيّة هي سلسلة متلاحقة وانها ستقلّد بعضها بعضاً وانها سترحل الواحدة تلو الأخرى (نشرت «نيويورك تايمز» باكراً تقريراً منسوباً لأجهزة استخبارات أميركيّة ومفاده ان الأنظمة الملكيّة في العالم العربي هي وحدها ستكون في منأى عن التغيير)، لكن الصحيفة لم تفدنا إذا كان ذلك تحليلاً ام قراراً اميركيّاً للدفاع عن «مصالح حيويّة».
3) رفض الإعلام الغربي بعناد دعائي مقولة أن هناك قطاعاً من السوريّين يؤيّد وبقوّة نظام الحكم وبشّار الأسد شخصيّاً.
4) أصرّ الإعلام المذكور انه لا يمكن لسنّي سوري أن يؤيّد الأسد - هكذا حكمت فرضيّاته. قرّر الإعلام الغربي ان نظام الحكم في سوريا هو نظام طائفي أقلّوي وأن تأييده ينحصر في «بؤر علويّة» فقط (وهذا ما عزّزته نظريّات- مصدرها مطبخ الدعاية السعودي - عن عزم بشّار على إقامة كانتون علوي في اللاذقيّة).
5) صدّق الإعلام الغربي مقولة «الثورة» الساحرة في سوريا وشكّك في ان يقف أحد في سوريا ضدّ «ثورة» باهرة.
6) صدّق الإعلام الغربي مقولة ان «الثورة» السوريّة هي «ثورة» علمانيّة يساريّة لا تشوبها الإسلاميّات. ونذكر ان الإعلام الغربي أصّر لنحو سنتيْن أن سهير الأتاسي ورفيقة لها هما اللتان تقودان الحراك الشعبي والمسلّح في سوريا، لا غيرهما. وأصرّ ذلك الإعلام ان الحركات الدينيّة بعيدة كل البعد من أهواء الشعب السوري (نذكر كيف لاقت أبواق الليبراليّة السوريّة - ووبذاءة وسوقيّة وعنصريّة ذكوريّة - مقالة غدي فرنسيس في «السفير» عن الطابع والمضمون الإسلامي للانتفاضة في سوريا).
7) صدّق الإعلام الغربي دعاية الأنظمة الغربيّة ان انشقاق مدقّق حسابات في وزارة الدفاع وآخر في وزارة أخرى دليل على قرب سقوط النظام.
8) ظن الإعلام الغربي ان ترويجه لنظريّة أن بشّار (وحده) قتل كل ضحايا العنف في سوريا سيصدّقها الشعب السوري برمّته.
9) أصرّ الإعلام الغربي على المفاضلة بين فصائل المعارضة المُختلفة (وبين الفضائل الجهاديّة المُختلفة) ربّما لرغبته في إعلاء شأن المعتدلين، من أمثال «جبهة النصرة» أو عصابات زعران المخابرات الخليجيّة (أي ما يُعرف في الإعلام الغربي بـ«المعارضة العلمانيّة»).
10) لم يقبل الإعلام الغربي - ومعظم مراسليه كانوا ولا يزالون مقيمين ومقيمات في بيروت معتمدين ومعتمدات على مترجمين ومراسلين وموظّفين ينتمون إلى فريق 14 آذار فكان النقل والنحل في الاتجاهيْن، عرباً وغرباً - واقع توالد النظام في المعارضة إذ لم تكن ممارسة وخطاب المعارضة أفضل لكثير من السوريّين من ممارسة وخطاب النظام القمعي.
11) عوّل إعلام الغرب على تحقيقات من مخيّمات اللاجئين في الأردن والتي كان يسود فيها حالة خوف من الجيش السوري الحرّ ومن أجهزة الأمن الأردنيّة أو من فرع المعلومات في لبنان، ما شكّل سياسة مُعلنة لللاجئين كانت أقرب إلى سياسة ممالأة النظام في المناطق الخاضعة لنفوذه.
12) اقتنع الإعلام الغربي بالتفسير الغربي الرسمي المُعتمد لسبب بقاء النظام: ان المساعدة الروسيّة والإيرانيّة والحزب آلهيّة (ولا تنسى جحافل «لواء أبو الفضل العبّاس») هي وحدها التي أمدّت في عمره. لولاها لمات النظام في أسبوع فقط. لم يرد ذلك الإعلام تذكير نفسه بحقيقة: ان حسني مبارك تمتّع بتأييد عالمي وإقليمي أكبر بكثير من التأييد الذي يحظى به نظام بشّار من أنظمة ومنظمات قليلة، لكن مبارك لم يقو على البقاء بعد ان رفضه إجماع شعبي. لما استمر بشار يوماً في الحكم لو ان رفضه شعبيّاً ماثل رفض حسني مبارك في مصر.
13) لم يرد إعلام الغرب ان يصدّق ان إدارة بشّار للأزمة التي حلّت بالنظام (وحلّت النكبات بالشعب السوري من جراء وحشيّة النظام والمعارضة المسلّحة على حدّ سواء) ساعدت في بقائه. قد يكون عدم تقليده لأداء مبارك وبن علي والقذّافي، الذين أكثروا من إلقاء الخطب ومن إستجداء الشعب، ساهم في تقوية وضعه.
14) عاند الإعلام الغربي في رسمه للصورة في سوريا رافضاً الاعتراف ان الحروب الأهليّة والصراعات المتعدّدة الأطراف تخضع لمعادلات التغيير لا الثبات، يوم مع هذا ويوم مع ذاك، وأن الرابح قد يصبح خاسراً، والعكس. بين سنتيْ 1980 و1982 في الحرب الأهلية اللبنانيّة كان هناك عند البعض فكرة ان بشير الجميّل - السيّء الذكر دائماً وأبداً - لا يُقهر بسبب الدعم الأميركي ــ الإسرائيلي.
لبنانيّاً، كانت مشاهد الحشود السوريّة في السفارة السوريّة في لبنان فوق قدرّة جمهور وقادة 14 آذار على التحمّل. تحوّل ذلك اليوم إلى مهرجان من العنصريّة. تنافست وسائل الإعلام، التي لهجت بحمد «الثورة السوريّة» على مدى سنوات ثلاث، في كيل الاتهامات والإهانات إلى الشعب السوري. تحوّل اللاجئون إلى «لاجئين أسديّين» وتوالت الدعوات إلى طردهم. تجدّد خطاب العنصريّة في 14 آذار 2005. عاجل وزير الداخليّة الحريري اللاجئين السوريّين بقرار يمنع الذاهبين - ولو لساعات أو ليوم واحد - من الرجوع إلى لبنان. الذين كانوا يحثّون السوريّين في لبنان على الالتحاق بـ«الثورة» السوريّة المُسلّحة والذين تغاضوا عن أفعال الثوار في قصف مواقع سكنيّة في لبنان وفي زرع سيّارات مُفخّخة في لبنان هالهم التعبير السلمي في تأييد النظام. فقد السوريّون والسوريّات حقهم في التعبير في ذلك اليوم عندما حادت توجّهاتهم عن سياسة 14 آذار المرسومة في الرياض. لكن العنصريّة ضد الشعب السوري كانت مكوّناً أساسيّاً في تكوين حركة 14 آذار، لا بل إن التفوّق اللبناني على «السوري» هي من الأساطير المؤسّسة للحركة. إن انطلاقة حركة 14 آذار تكوّنت من تظاهرات طائفيّة مبتذلة ومن اعتداءات على العمّال السوريّين في طول لبنان وعرضه (لا يزال المئات منهم في عداد المفقودين).
الصحافة الغربيّة اجترّت نظريّات الإعلام السعودي - الحريري - القطري عن التعبير الشعبي السوري في لبنان (لكن هناك من لم يقترع وهناك من اقترع، أي إن الإجماع في بلد منقسم لا يرد إلا في دعاية الطرفيْن المتصارعيْن). مراسلة «نيويورك تايمز» في بيروت، آن برنارد، كتبت على «تويتر» أن مُقترعاً سوريّاً قال لها (عبر مُترجم من أنصار 14 آذار في مكتب الجريدة في بيروت) «جينا بالقوّة». وقيل لبرنارد ان العبارة تعني ان النظام السوري أتى بهم إلى السفارة بالقوّة (كيف؟)، وعندما شرحتُ لها أن العبارة يمكن ان يُفهم منها الاقتراع رغم انف الأعداء، ما عادت تعتمد عليها في مقالة اليوم التالي. مراسلة «واشنطن بوست» في بيروت، لز سلاي (وهي تتفوّق على برنارد في الهتاف للجيش السوري الحرّ) طلعت بنظرّية أخرى ان «إشاعة» عن عدم تجديد أوراق المتمنّعين هي التي سبّبت الحشد الاقتراعي. لكن جريدة «غارديان» استعانت بنظريّة مختلفة: قالت إن النظام هدّد بقتل كل من لا يقتر. وسائل إعلام أخرى كتبت ان حزب الله أجبر السوريّين على الإقتراع، لكن «تيار الحريري» عاجل الإعلام العالمي بمشاهد محرجة عن تظاهرات هزيلة في الشمال والبقاع ضد الأسد. وسرت نظريّة ميشيل كيلو (الذي يتنازع على كسب ودّه وحكمه الإعلامان القطري والسعودي) عن دور الدبّابات في دفع المقترعين نحو الاقتراع.
أما معارضة قطر - السعوديّة السوريّة فهي كانت في حيرة من أمرها ووقعت في «نشاز الإدراك» المعهود وغير المقصود. هي قالت ان النظام يُجبر الناس على الاقتراع، لكنها قصفت عشوائيّاً مراكز الاقتراع. والقائد أحمد الجربا دعا الناس إلى التزام منازلهم، لكنه عاد وحذّر من تفجيرات في مواقع الاقتراع (لكنه كالعادة لام النظام عليها). أي ان النظام يُجبر الناس على الاقتراع ثم يقوم بتفجير مواقع الاقتراع لسبب مجهول وغريب.
هذه الانتخابات لا معنى لها. الطاغية العربي (وبشّار الأسد واحد من هؤلاء) يفوز بصوت واحد أو بنسبة 99% من الأصوات. هو فائز إلا إذا خرج من السلطة. الانتخابات تكون في حالات كهذه رسائل من الإقليم إلى العالم، أو العكس. والتنافس على أشكال فارغة من الديمقراطيّة على أشدّه بين الأنظمة. قد يستعين بشّار بأرقام أقل من السيسي للتدليل على أضرار الإفراط في الشعبيّة الشكليّة. لكن النظرة إلى سوريا تحتاج إلى إعادة نظر: الفرضيّات السائدة عن الصراع ما عادت تنفع، أو أن أجلها انقضى. والمعارضة المُسلّحة تحتاج إلى ان تقدّم بديلها: قطر والسعوديّة تنتخب قادة المعارضة (بالنيابة عن الشعب السوري طبعاً)، ثم تلوم النظام على تشويهه لديمقراطيّة تسطع تحت شمس الدوحة والرياض.
سوريا دخلت مرحلة أخرى، من أطوار النظام نفسه، والذي قوّته فصائل المعارضة المُسلّحة أكثر بكثير ممّا قوته قوى حزب الله و«لواء أبو الفضل العبّاس».
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)