بحسب الكاتب العراقي حسن الخلف، فإننا نشهد مرحلة استثنائية تاريخياً في الصراع السياسي الذي يدور في المنطقة. الفكرة هي أنّه لم يحصل من قبل أن كانت الثروة متركّزة لهذه الدرجة في أيدي معسكرٍ واحد، هو الحلف الأميركي ــ الخليجي، الذي يملك المال والقدرات (ودوله تتمتّع عموماً بدرجة من الاستقرار السياسي)، فيما المعسكر المقابل مكوّنٌ إمّا من دولٍ فقيرة، وإما بلاد محاصرة، أو ميادين للحروب والتدخلات والتخريب. في السبعينيات، مثلاً، كان هناك الخليج وماله النفطي، ولكن كان هناك أيضاً مال نفطي، «ثوري»، في المقابل: عراقي وليبي وغيرهما. وكان هناك دعمٌ سوفياتي ودعمٌ صيني. أمّا الآن، فإن الثروة والموارد، والوظائف وجوازات السفر الجيّدة والحياة الرغيدة، كلّها تتركّز في جهةٍ واحدة.

هذا الفارق لا يتجلى فقط في في حسابات القوة والاقتصاد من حولنا، وإمكانات التنمية وحيازة النفوذ في الداخل والخارج، بل حتى على مستوى الخيارات الحياتية للنخب والناس العاديين. بمعنى آخر، في السبعينيات، إن كنت مثقفاً «ثورياً» في بيروت، وتريد الكتابة، فأنت ستجد تمويلاً «ثورياً» يقدّم لك جريدة ومجلّة، وإن أردت أن تكون باحثاً ستجد مراكز أبحاث ومؤتمرات سخية، وأيضاً إن كنت فناناً وتريد احتراف الرّسم الخ. على الهامش: عندي نظرية بأنّ إحدى أسوأ سياسات «فتح» كانت في مجتمع «المثقفين الثوريين» الذي موّلته ونشأ حولها في بيروت. أصبح هناك، بخلاف التاريخ والمنطق، نموذجٌ متاح لـ «الكادر الثوري» يختلف جذرياً عن صورة من يناضل في حركات تحرر وطني مضطهدة، وضد الغرب والاستعمار - فيتآلف مع الخطر والتضحية وشظف العيش. أصبح في وسعك أن تكون في «الثورة» وفي الوقت نفسه أن تقطن في الأحياء الفخمة في بيروت، أو تعمل بعض «البزنس» على الجانب وتثرى، أو تعيش أسلوب حياةٍ يشبه حياة المثقف البرجوازي في الغرب الثري. هذه عاداتٌ خطيرة لمن يريد أن يكون «في الثورة»؛ وهكذا، حين جفّ مال «فتح»، انحاز أكثر هذا المجتمع إلى من يقدر أن يؤمّن له هذه الحياة، واستبدل الثورة بغيرها.

دييغو ماكس (البرازيل)

الفكرة هنا هي أنّه لا يمكنك أن تكون أخلاقياً أكثر من اللزوم في مقاربة هذه الأمور، وفي الحكم على خيارات الناس العاديين التي تمسّ معاشهم بشكلٍ مباشر وجوهري. ليس من المنطقي أن تعظ فنياً أو مهندساً قرّر البحث عن عملٍ مجزٍ في الخليج، أو أن تعتبره أفضل أو أسوأ من غيره. هناك في النهاية بنية حوافز ستفرض نفسها، والموضوع عند أغلب الناس ليس سياسياً. يمكنك تحليل هذه البنية وكيفية عملها، ولكن من الصعب أن تحوّلها إلى معيارٍ أخلاقي تسلّطه على الناس. الاستثناء، بالطبع، هو في مجالات الثقافة والسياسة والإعلام أي، للمفارقة، أكثر القطاعات حساسية لهذه «الحوافز» (لأنك هنا لا تأخذ مالاً مقابل «عمل»، وتأثيرك لا يقتصر على نفسك وعائلتك، بل أنت تتموّل لكي تحارب مصالح شعبك، وتأثيرك هنا سيكون على ملايين الناس). كلّما صعدت في السلّم الاجتماعي، وكلما اقتربت من مجال السياسة والثقافة، أصبح الناس أضعف أمام بنية الحوافز هذه. وذلك ليس لأنّ الفقراء هم، أخلاقياً وسياسياً، أفضل من غيرهم، بل لأن الفرص التي تتاح لهم أقلّ بكثير.
سأشرح: اسأل أي إنسان ناجح من الطبقة المحترفة في الغرب (طبيب، محامٍ، باحث، خبير مالي، الخ)، حين يبدأ وظيفةً جديدة ويدرس العروض أمامه، على أي أساسٍ يختار؟ سيعطونك جميعاً، خلال ثوانٍ، لائحة من المعايير، قد يختلف ترتيبها، لكنها تقريباً واحدة: الراتب، إمكانية التقدّم، البرستيج، موقع العمل والطقس، الخ. ما أقوله هو أن هذه «اللائحة»، هذه التفضيلات، هي الإيديولوجيا الحقيقية لهذه الطّبقة وثقافتها الفعلية؛ وهي ما يحكم قراراتها ــ فردياً وجماعياً ــ قبل أيّ شيء. من هنا، عودة إلى «بنية الحوافز» القائمة اليوم في الإقليم وسؤال الهيمنة الثقافية، فلنطبّق هذه المعايير في تجربة ذهنية، ونتخيّل أنّك عربيّ متعلّم تعليماً جيّداً في الغرب. هل ستفضّل أن تقضي البوست ــ دوك في برلين أم في البصرة؟ في واشنطن أم في طهران؟ أو حتى ضمن البلاد، هل تفضّل أن تدرّس في إحدى الجامعات الأميركية هنا (أقلّه الراتب مجزٍ والجوّ مريح و«مرتب»)؟ أم في جامعة محلية فقيرة، تخذل تلاميذها ويديرها فوضويون وهواة؟ هل توجد هنا أي مقارنة أو قياس؟ لهذه الأسباب ليس من المستغرب عدم التفاف هذه الفئات حول حركات المقاومة في أي مكان - خلال مرحلة 14 آذار في لبنان، كان الوضع مشابهاً؛ كان يستحيل تقريباً أن تجد لبنانياً فوق درجة معينة من الـ«برستيج» لا يجاهر بتأييده لـ 14 آذار، وهذا ليس لأنها كانت الثورة الفرنسية. بل المستغرب هو أن تجد من يحمل مثل هذه الطموحات ويريد هذه الحياة، وهو أيضاً يجاهر بتأييد المقاومة، أو حتى يقف في المنتصف. في مثل هذه الحالة أجد نفسي أتساءل: «ماذا يفعل هنا؟ هل لم يجد لنفسه مكاناً ووظيفة في أي موقعٍ آخر؟ هل هو مزروع بيننا؟». وحين ينقلبون أو يجدون فرصةً أفضل في نهاية المطاف، ينتابني شعور بالراحة.

بنية السّيطرة
يبدو أنه، في مرحلة توسّع الإمبراطورية الرومانية وانتشار هيمنتها في حوض المتوسّط، كان لديهم أسلوبٌ يتكرّر في إخضاع الشعوب المغلوبة. النظرية كانت باختصار أن تبني «مدينة رومانية» في قلب الإقليم الذي تمّ احتلاله. مدينة جديدة أو أخرى قائمة تتم «إعادة تكييفها»، فتحوي إدارات الدولة والموظفين والعسكر والمؤسسات والمعابد، وتتركّز فيها الأعمال والتجارة. وكان الحكم الروماني يعطي السكان المحليين، بشكلٍ ضمني، خياراً: إن أردت أن تعيش في المدينة، فإن عليك القبول بالحكم الروماني والسلطات المحلية التي عيّنها، وأن تحترم القوانين، وتؤدي الضرائب. مقابل ذلك، ستحصل على خدمات الدولة، وستكون لك إمكانية العمل والتجارة والترقّي الاجتماعي، بل وقد تصبح، بعد سنوات، مواطناً رومانياً. إمّا إن رفضت، وأردت الخروج على قوانين الدولة أو العيش وفق نظامك القديم، فإنك ستختبر حياةً صعبة في البراري والقفار، ولن تكون لديك حماية وحقوق، وسيجرّد الرومان عليك حملةً كل سنةٍ أو سنتين. فلسطين، وتعامل الرومان مع اليهود فيها، كانت مثالاً على هذه العملية. في عام واحد للميلاد، مثلاً، كانت فلسطين لا تزال ولاية رومانية «حديثة» نسبياً، لم يمرّ على احتلالها أكثر من سبعين عاماً (أي الفترة الزمنية لحياة الإنسان)، ولم يتم استيعابها وتطويعها بالكامل بعد. وفي القدس، المدينة الأساسية، أقامت روما «سلطة يهودية» تحت إشرافها يقودها ملك يهودي تابع، وقد وجدت هذه السلطات شرعية عند الكثير من العبرانيين، وبالأخص لدى الطبقات العليا و«المندمجين» في النظام الجديد؛ فيما ظلّ جزءٌ ثانٍ في حالةٍ تشبه الخروج على الدّولة، مع ظهور متكرر لحركات دينية وثورية وخارجة عن القانون تستوطن المناطق النائية في الضفة الغربية. والمسيح، فعلياً، لم يقتله الرومان، بل قتلته أساساً الفئة الأولى باعتباره من الفئة الثانية.
لنتخيّل أنّك عربيّ متعلّم تعليماً جيّداً في الغرب، هل ستفضّل أن تقضي البوست ــ دوك في برلين أم في البصرة؟ في واشنطن أم في طهران؟


المفارقة هي أن هذا الأسلوب «الروماني» الذي استُخدم مع اليهود في فلسطين التاريخية يشبه الى حدّ بعيد نمط السيطرة الإسرائيلي القائم في الأرض المحتلّة اليوم. «الاحتلال» ليس تجربة متشابهة بالنسبة إلى الجميع. إن كنت خارج «المدينة الرومانية»، وترفض الاحتلال ومنظومته بالمعنى الحقيقي، فإنك ستعيش حياةً صعبة، إن لم يتمّ اعتقالك وقتلك؛ ولكنك، إن قبلت التطويع ولم تكن «خطيراً»، فقد تحصل على وظيفة في السلطة، أو على تصريح عمل. بل قد تكون محظوظاً ومتعلّماً وتحصل على عمل في المنظمات الأجنبية أو السفارات أو المصالح الخليجية التي تنتشر في «المدينة»، ومنح للتعليم والمؤتمرات في الداخل والخارج. عندها، لن يصبح «الاحتلال» تجربة سيئة بالشكل ذاته، وقد تعيش أسلوب حياةٍ لا يختلف كثيراً عن حياة الأوروبي، ولا يشبه بشيء معاش أكثر الفلسطينيين من حولك؛ وستنظر عندها إلى حياتك السابقة بمزيجٍ من الشفقة والخوف (كما يقول الأمجد سلامة، لا خوف كخوف العودة إلى الفقر لمن خرج منه، وأكثر الشراسة منبعها الخوف). ثمن ذلك، بالطبع، هو أن تقبل ــ جهاراً أو ضمنياً ــ بإسرائيل وبالصهيونية، وبوجودٍ لك ضمن أسوار الإمبراطورية وبشروطها. هذه السلطات والمؤسسات كلها (المنظمات الدولية والسلطة الفلسطينية والحكومات الخليجية) تعترف بإسرائيل وتتعامل معها ككيان شرعي ذي سيادة، وسيمنع عليك الاندماج فيها إن جاهرت بغير ذلك، أو دعمت «العنف» ضد الصهيونية ومن يمارسه (يمكنك، خارج هذا الإطار، أن تقول الخطاب الذي تريده عن حقوق الفلسطينيين وتاريخ الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين، هذه أصبحت مواضيع شبه أكاديمية؛ والمؤسسة الإسرائيلية نفسها لم تعد تمانع مثل هذه النقاشات والمطالبات طالما أنه ليس لها اليوم أي مفاعيل عملية).
ولكن فلسطين هنا ليست إلا تكثيفاً لحالةٍ كونيّة نعيشها جميعاً، وبخاصة في دول العالم الثالث. بهذا المعنى، كلّنا فلسطينيون تحت الاحتلال، وكلنا أمام بنية الحوافز نفسها. سواء في لبنان أو مصر أو نيجيريا، الخيار عند الطبقات المتعلّمة أصبح بين الانضمام إلى «المدينة الرومانية»، وثقافتها وقوانينها وسلطتها، والوصول إلى الوظائف الأجنبية والرواتب الكبيرة والتمويل الخليجي، وبين أن تظلّ خارج هذه المنظومة وتعيش وجوداً «عالمثالثياً» بحقّ. أعرف الكثير من اللبنانيين مثّلوا العبور إلى هذا الجوّ والعمل في منظمة أجنبية، بالنسبة إليهم، الفارق بين أن يعيشوا حياةً متواضعة وصعبة وراتبٍ بمئات الدولارات على الأكثر، وبين أن تصبح لهم «كارير» حقيقية، ودخل بآلاف الدولارات، وسفرٌ وأسلوب معاشٍ لا يحلم به أكثر مواطنيهم. وهذا كلّه غير متاحٍ سوى في «القطاع الأجنبي». وكلّ هذه الامتيازات تأتي من عبور هذا الفاصل غير المرئي تقريباً، كالشريط الذي تعبره في المطار حين تدخل بلداً، بين من هم داخل المدينة الإمبراطورية ومن هم خارجها؛ من يحصل على هذه الوظائف والفرص ومن لا تتاح له أو لا يصلح لها. هذا يشبه مفهوم «الطوق العازل» الذي تكلّم عنه علي القادري، حيث تتمّ حماية دولٍ واحتواؤها وتأمينها لأنها تؤدي مهامّ محددة، فيما تستشرس الإمبريالية على من هو خارج هذا «الطوق». ولكنّ الفاصل هنا لم يعد جغرافياً، بين شمالٍ وجنوب أو دولةٍ ودولة، بل هو يمرّ داخل البلد والمجتمع الواحد، يجتذب البعض ويُقصي الآخرين.

«البروبوزال»
المسألة هنا هي أنّه، في بلدٍ فقيرٍ من العالم الثالث، فإن الفارق بين من يعمل موظفاً فقيراً وبين من يحصل على راتبٍ أجنبي في منظمة دولية لا علاقة له بـ «القدرات» و«الإنتاج» والمعايير الرأسمالية، الموضوع سياسي أساساً والمال سياسي بحت؛ والفارق بين المصيرين حاسمٌ وفائق. وحين يكون لعنصرٍ وحيدٍ هذا القدر من التأثير على حياتك، تصبح غالبية العلاقات الاجتماعية متمحورة حوله، وحول من هو في «الداخل» و«الخارج»؛ وهذه الأهمية ستزداد في دولٍ تنهار فيها الدولة الوطنية والاقتصاد المحلّي، فيما يزداد باطّراد التمويل الأجنبي والاستثمار السياسي للدول الثرية، فيصبح لها مجتمع صغير مؤثّر في كلّ بلد.
هذا، اليوم، هو جزءٌ أساسي من «رأس المال» في لبنان وغيره، وبخاصة في صفوف النخب، ولا يمكنك أن تكون «ضدّ رأس المال» من دون أن تضعه نصب عينيك وتفهمه وتعترف بدوره وتنقده. هذا هو «رأس المال» بشكله المادّي الذي يمسّك، وأنت تراه حولك في كلّ مكان؛ أما الكلام عن «رأس المال» بصيغةٍ مبهمة، لا ترتبط بالواقع الحقيقي، فهو الخط الذي يفصل بين الجذريّة والشعبويّة. لهذا السبب، كان مفهوم البعض عن «الإنجاز» هو أنه أكل عرنوس ذرةٍ خلال تظاهرة في وسط بيروت، أو يكون سقف الثورية عنده ومنتهاه «إحراق المصرف» (الهجوم على مبنى المصرف باعتباره رمزاً هو شيء، ولكن هل نفهم أنّه مجرّد فرع، مكاتب، وليس «المصرف»؟ وأننا، حتى لو أحرقناه بالكامل، فإننا لم نغيّر شيئاً بعد، لا في نظام الملكية ولا في أصول المصرف ولا في توزيع الدخل والأنصبة في البلد؟).

لم يحصل أن كانت الثروة متركّزة في أيدي معسكرٍ واحد، يملك المال والقدرات، ودوله تتمتع عموماً بدرجة من الاستقرار السياسي، فيما المعسكر المقابل مكوّنٌ إمّا من دولٍ فقيرة، وإما من بلاد محاصرة


حين يظهر تمويلٌ، ويخلق حوله دخلاً ووظائف ويجذب أناساً يتكلمون باسمه وينشرون أفكاره، ستنشأ بالضرورة حوله ثقافة تبرره وتجمّله، بغضّ النظر عن أصل المشروع وأهدافه. البعض سيعتبر أن مواضيع الدّخل والمال، من الأصل، لا علاقة لنا بها، وأن النّاس ذواتٌ متعالية تبني آراءها باستقلالية. صحيحٌ أنّه، في الحياة الخاصّة والشخصية، لا علاقة لك بدخل الإنسان وعمله وخياراته؛ ولكن في السياسة والحقل العام وبين «الناشطين»، فإن الدخل والمال و«الحوافز» هي أهمّ شيء، حتى لا نقول كلّ شيء (حتى الصحافة الليبرالية، حين تتناول موضوعاً فيه رابط مادي مع الوسيلة الإعلامية، تقرير عن شركة تمتلك أسهماً في الصحيفة مثلاً، فإن عليها كشف ذلك للقراء). لكن، مهما فعلت، إياك أن تحاول تفسير الموضوع عبر لغة «ماركسية»، وأننا كلنا لسنا إلا عمالاً مساكين في مصنع، نقوم ببيع «قوة عملنا» مجبرين. فهذا لا ينطبق حين تكون قيمة «قوة عملك» مقارنة بغيرك، من الأساس، تحدّدها السياسة والهيمنة.
كما شرحنا سابقاً، حين يكون رأس المال هذا هو إحدى الوسائل القليلة للحصول على دولارات وفيرةٍ في لبنان، ولا شيء في الداخل يمكن أن يضاهيه، سيحاول أغلب من يقدر أن يجد إليه منفذاً. أنا نفسي أفكّر أخيراً (نظراً إلى عدد المعارف الذين أنشأوا منظمات غير حكومية أو يعملون فيها) أن أدخل المجال. فكرتي هي أن أعرض على الزبون كتابة طلب منحة ــ «بروبوزال» ــ متكاملٍ، له حظُّ في أن يستجلب مالاً وفيراً من الخارج، مقابل بدل متواضع (أو ربما نسبة من المشروع، هناك في رأسي أكثر من صيغة محتملة). سأعطيكم هنا - مجّاناً - مثالاً عمّا أقصده: «هل بيروت جاهزة لزلزال أرضيّ ضخم؟». الموضوع جدّي: انظروا كيف كشف انفجار بيروت، وقبله الأزمة، عن هشاشة البنى والمؤسسات الراعية في لبنان؛ ونحن نقع على خطّ الزلازل، ونعرف، من التجربة التاريخية، أن الزلزال «الكبير» الذي سيضرب العاصمة قادمٌ حتماً، عاجلاً أم آجلاً. هل لدينا أدنى فكرة عن استعداد بيروت لحادثةٍ من هذا النوع والحجم؟ هل لدينا أدنى خطةٍ لحفظ التراث المادي والحضاري للمدينة في حالة زلزال مدمّر؟ نحتاج إلى فرق مسحٍ كثيرة، تعمل على قطاعات مختلفة، فقط كبداية؛ وهذا يحتاج إلى مالٍ كثير - أو هذا أقلّه ما سأقوله للمانحين. ومن ذا الذي سيرفض أن يعطيك مالاً لكي تحمي نفسك من كارثة مأسوية؟ الدّخل من هذه الأمور، مهما حصل، سيكون أضعافَ ما يمكن أن تحصل عليه من أي «عمل حقيقي» في الاقتصاد المحلّي.

خاتمة
كتب سمير أمين منذ زمنٍ بعيد عن استحالة «الدولة البرجوازية» في الجنوب العالمي، وكيف أن البرجوازية في هذه الدول تصبح، في أغلب الحالات، كومبرادوراً تابعاً. إلا أنه في نصوصه الأخيرة قبل وفاته، أخذ هذا النقاش إلى مرحلة جديدة. كتب أمين بما معناه أن البرجوازية، بمعناها الحقيقي التقليدي، لم تعد موجودةً أصلاً. البرجوازية، يكتب أمين، ليست مجرّد توصيف اقتصادي لمجموعة من الناس، بل هي ثقافة لطبقة كاملة، أوروبية، كانت هي من قاد بناء الدولة ــ الأمة ومن نظّر لمفاهيم مثل العلمانية والحريات الفردية، ومن أنشأ مؤسسات جديدة عميقة في المجتمع، حتى أصبحت ثقافة البرجوازية الأوروبية هي ثقافة الرأسمالية الحديثة، وكانت لها ــ يضيف سمير أمين ــ قيم تؤكّد على الاستحقاق والعمل والابتكار. يحاجج أمين بأنه اليوم، في عصر الرأسمالية الفائقة، «رأسمالية الاحتكار المعمّمة»، لم يعد هذا النمط من البرجوازية وقيمها موجوداً أصلاً، لأن السياق الرأسمالي القديم الذي نشأ فيه قد تمّ استبداله. الطبقة المالية اليوم لا تقوم على الابتكار بل على مراكمة رأس المال، والكثير ممن يحقق ثروات كبيرة اليوم لا يحصل عليها عبر العمل الدؤوب، بل بسرعة وبفضل صفقات مالية. هذا ينتج مجتمعاً أقرب إلى المجتمع الإقطاعي منه إلى ذاك البرجوازي التقليدي، وهو أكثر ما يتجلّى في أطراف النظام العالمي، أي في بلادٍ كبلادنا، حيث ينقسم المجتمع بشكلٍ واضح إلى طبقاتٍ، على رأسها الأجنبي، ومن ثمّ وكيله (في السلطة أو «المجتمع المدني») وتحتهم باقي الخلق.
نظام الحوافز هذا يفسّر، من دون شكّ، الانقلابات الإيديولوجية التي تحصل في صفوف النخب والمسيّسين منذ سقوط الاتحاد السوفياتي إلى اليوم، وتسارعها في السنوات الأخيرة. من الطبيعي أن يفقد البعض إيمانهم بقضيّةٍ كانوا يتبنّونها، وإن بقوة، أو أن يتركوا حزبهم ومسيرتهم السابقة وينزووا عن السياسة، فهذا يحصل دوماً. إلّا أن الانقلاب الكامل له معنى مختلف: أي أن تنتقل من مكانٍ إلى نقيضه، فتحارب ما كنت تدافع عنه وتدافع عما كنت تحاربه. حتى بالمعنى الفكري البحت، الناس يخطئون ويعيدون الحسابات ويتطوّرون ــ آرائي منذ عشر سنوات تختلف بالكامل عن آرائي اليوم ــ ولكنّ هناك في العادة «هامشاً» للخطأ وسوء التقدير. أمّا أن تكتشف أنّك كنت في حالة خطأ «معمّم»، خطأ بزاوية 180 درجة، تتبع الدّين الخطأ بحماسة، فهذا يعني أن رأيك لا يمكن الوثوق به، أو أنّ هناك تفسيراً أبسط وأسهل للتحوّل (مادّي أو شخصي). المنقلب، بالمناسبة، هو أسوأ أنواع البشر، ليس لأنه تغيّر - فهذا حقّ - بل لأنه سيستخدم كلّ ما أوليته إيّاه يوماً، عن ثقةٍ وشراكة، ضدّك. ولهذا السبب تحفظ غالبية المجموعات البشرية توصيفاتٍ سيئة وعقوبات خاصّة لمن يخرج عليها وينقلب بعد أن كان يبدي الولاء (هناك استثناءات بالطبع، كمثال الجندي المجهول ع. ج. الذي، وإن كان يبدو في الظاهر خادماً لأنظمة الخليج، بل ويتبنى مواقف خسيسة تزلفاً لها، كالتحريض على طرد اللبنانيين الذين لا توافقهم آراؤه هناك، إلّا أنه في الحقيقة قدّم للمقاومة خدمات جلّى قد لا نعرفها في حياته، وكان عيننا بين الأمراء لسنوات).
المادّة تحكم في نهاية المطاف، وبخاصّةٍ ضمن فئاتٍ تحتاج بشكلٍ بنيوي إلى «مموّل» و«راعٍ» كريم. ما يحصل في الإقليم على مستوى الإعلام والثقافة والخطاب السياسي ليس إلّا انعكاساً لعلاقات القوة التي تفرز الناس إلى «رابحين» و«خاسرين» ضمن النظام المهيمن، وتضعهم أمام خياراتٍ وحوافز حاسمة. ونظام الحوافز هذا، بالمعنى السياسي، واضحٌ في أيامنا؛ غير أن المال ليس القوة الوحيدة والناس ليسوا كلّهم «نخباً». حتّى مع هؤلاء، التعامل لا يمكن أن يكون عبر الوعظ والتوعية (فهم «المتعلمون» في المجتمع)، ولا بالاتّكال على غيريّة النخب وإيثارها، بل عبر تغيير بنية الحوافز هذه من الأساس أو جعل ميزان كفتها يميل بشكلٍ أو بآخر.
*كاتب من أسرة «الأخبار»